أدب

أهداف سويف:أكتب أدب الخيال بالانجليزية والنص الواقعي بالعربية

صورة

تعد أهداف سويف إحدى أبرز الأديبات العربيات اللواتي استثمرن شهرتهن في روض الإبداع والفكر، لخدمة القضية الفلسطينية، إذ حققت مع هذا الالتزام الصادق، والمترجم بزخم لافت، نجاحا نوعيا على الصعيد الإنساني العالمي والعربي في آن معا، فبقي معه بريق انتمائها العربي متأصلا وطاغيا، يوجه دفة ومنحى عطائها، على الرغم من قضائها معظم حياتها في الغرب، وما أملاه هذا من ضرورات صبغت شكل إبداعها، فخرجت معها مفرداته بثوب الكتابات باللغة الانجليزية.

أديبة عربية النشأة والانتماء وظفت خلفيتها هذه لتمضي تضيء وتشرق بهذه اللاءات والمعالم في قلب الساحة الفكرية في الغرب، حيث تقيم، وهي لم تكتف في خضم ذلك بمستوى عادي للنجاح، بل تابعت مشوار تميزها نحو المزيد من الارتقاء، فحققت شهرتها هناك عبر مجموعة من الأعمال الأدبية ذات التصنيف الرفيع، ونافست بها على أعرق وأهم الجوائز. وبالتأكيد فإننا نلمس مدى تميزها بدءًا من مجموعتها القصصية القصيرة «عائشة»، وانتهاء بروايتها «خارطة الحب» المنشورة في عام 1999، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة المرشحة لجائزة بوكر للرواية، المصنفة من بين ألمع الجوائز الأدبية في العالم.

لا شك في أن سويف المبدعة الفريدة، لا تنفك تغني ألوان نتاجها بذخر فكري عال، وبقصدية عميقة محكمة، وهذا بشهادة العديد من النقاد، فهي أول من كتب عن الجانب الاجتماعي لوجود الاستعمار البريطاني في مصر، كما أنها أول من نظم مهرجاناً للأدب الفلسطيني في فلسطين المحتلة، حيث يستضيف كتابا بارزين (عرباً وأجانب).

يمتد ويتسع الحوار مع سويف إلى آفاق متعددة ومتشعبة، لكننا اخترنا أن تكون محطة البدء مع «مهرجان الأدب الفلسطيني»، لاقتراب موعده ( شهر مايو المقبل)، لنتعرف عن كثب إلى دورها في دعمه، وماهية نبوغ ونضوج فكرة إنشائه لديها:

زرت فلسطين مرتين، والزيارة الأولى في العام 2000، وكان هذا في سياق حاجتين، أولاهما لتكليف من صحيفة «الغارديان»، بينما أتت الزيارة الثانية في العام 2003 بصفتي كاتبة، وقد تلمست خلال الزيارتين مدى إصرار المجتمع الفلسطيني على الاستمرار في العيش وفق نمط حياة طبيعية، تمثل الثقافة جزءًا جوهريا فيها وطبعا هذا واضح بجلاء أمام الجميع، كون هذا الشعب يبرهن على تلك الحقيقة في كل يوم، وحتى مع شدة المحن، ففي غزة خلال العام الماضي وبعد القصف مباشرة، سرعان ما عاد الأطفال إلى مدارسهم بزيهم المدرسي النظيف والمرتب، غير سامحين للدمار المحيق ببيوتهم وللقتل الممنهج المطوق لهم ولأهاليهم، أن يعيق إرادة الحياة والعلم لديهم.

فعلاً إنه شعب قوي جسور، واللافت هو ذاك الثبات والكم القوي من الإصرار الثقافي والعلمي لديه، وهو ما نراه متجسدا في كل لحظة من خلال الدراسة والمعارض الفنية والتظاهرات الثقافية بأنواعها في فلسطين، هذا برأيي من صميم مقاومتهم التي تأبى إلا أن تواجه الظروف اليومية التي يفرضها الاحتلال عليهم، بهدف محو هويتهم وثقافتهم.

إن فكرة هذا المهرجان، اختمرت ورسخت وانصقلت لدي، انطلاقا من هذه القاعدة المثبتة على ارض الواقع، ليكون بمثابة دور ما في المساهمة في هذه المقاومة، كونه يشمل نشاطات أدبية تجمع مبدعي الغرب الكبار مع المبدعين الفلسطينيين، وهذا سواء في الشعر أو الموسيقى أو الأدب، وبذا فإننا نحمل إليهم في نهاية المطاف(الفلسطينيين)، مضمون رسالتنا التي تقول: «نحن أتينا إليكم بصفتكم جزءًا من ثقافة العالم».

وهذا طبعا إلى جانب المردود الخصب لدعوة هؤلاء المبرزين من أدباء العالم ليتفاعلوا مباشرة مع الفلسطينيين على الواقع، ضمن إطار فعاليات ثقافية تدوم ستة أيام، حيث يعايشون أثناءها مجريات الواقع اليومي وأشكال المعاناة، وهذا فعليا، ما سيترك أثرا كبيرا في نفوسهم، ولا بد أن يتجلى في أعمالهم وكتاباتهم، عاجلا أم آجلا.

إيقاع

إن أكثر ما يشدنا في حديث سويف حول برنامج عمل ومضامين المهرجان، هو ذاك النهج المخطط والمدروس في توجيه ووضع رؤاه وتصوراته وأهدافه:

انطلق المهرجان في شهر مايو عام 2007، وشارك فيه وقتها ما يزيد على الـ 15 كاتبا، إضافة إلى بعض المسؤولين المتنفذين في الإعلام والمجال الثقافي، والذين ينظمون المهرجانات الأدبية والفنية، وغيرهم. وينقسم برنامج المهرجان على مدار أيامه الستة، إلى فترة صباحية ومسائية، وتكرس فترة الصباح فيه للجامعات، متجسدة في جلسات وورش عمل، أما فترة المساء، فهي مخصصة لإقامة الندوات الأدبية للجمهور، وذلك بمشاركة أدباء فلسطينيين.

من يدعم المهرجان؟

مؤكد أن هذا المهرجان يحتاج ميزانيات كبيرة، وهذه العملية ليست بالسهلة طبقا لعديد من الاعتبارات، وخصوصا بالنسبة لوضع سويف التي تقيم وتعيش في الغرب.

لكن المميز أنها لم تستسلم لهذا، فأبت إلا أن تكابد وتحاول، ليثمر هذا نجاحا حيويا، فكيف حصل ذلك، وما هي مصادر الدعم؟:

قبل عامين ونصف العام ، سجلنا، أنا وخمس صديقات، على ترخيص لجمعية خيرية في بريطانيا، وهي تعنى بالجانب الثقافي في فلسطين، وخاصة في المناطق التي لا يتاح فيها تنظيم وإقامة مثل هذا النوع من التواصل.

وفي ما يخص جانب التمويل، حرصت شخصيا على أن أولي قضية التفرغ لجمع التبرعات لهذا الغرض، نسبة كبيرة وغالبة من وقتي وأعمالي، وهي تبلغ 60 بالمئة من وقتي الخاص في كل عام، وهكذا توفر لدينا الدعم من قبل جهات عديدة، وعبر مبالغ مالية صغيرة منفردة، لكنها شكلت قاعدة جيدة بمجموعها: عشرة آلاف دولار من هنا، وخمسة من هناك...

كما تلقينا دعما من مؤسسات تعنى بالثقافة، كالمجلس البريطاني، واليونسكو، والصندوق العربي للثقافة والفنون في الأردن، علاوة على تبرعات من رجال أعمال، من أصل فلسطيني، ومنهم رنا صادق، التي دعمت مؤخرا، الجناح الفلسطيني في بينالي البندقية.

وبالنسبة لدورة العام الحالي، استطعنا في مطلع شهر مارس من العام الحالي، جمع الميزانية المطلوبة، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن دورة المهرجان في هذا العام، ستكون مميزة ومتطورة، فلدينا خطط نوعية لاستقطاب زيارات ومشاركة الجامعات من داخل فلسطين، كجامعتي نابلس والقدس، وستتوفر تغطية إعلامية رائدة، يقدمها بالتطوع، مكتب علاقات عامة في بريطانيا، كما أن معظم الكتاب الذين يشاركون في المهرجان، متعاقدون مسبقا مع بعض المطبوعات لنشر مقالاتهم.

وختمت سويف حديثها في هذا الصدد: المثير للاهتمام أن ثلاثة من أشهر الكتاب الذين يتهافت الإعلام المطبوع لنشر أي من مقالاتهم، كانوا ووجهوا لأول مرة بالرفض وعدم قبول ما كتبوه، لأنه يناصر القضية الفلسطينية، وكانت الأعذار مختلفة، وإن نشرت فالتعديلات لا تعد ولا تحصى. هذا الأمر كان بمثابة مفاجأة كبيرة لهم، مما دفعهم لإعادة النظر في العديد من القضايا، ابتداء من حرية الصحافة وانتهاء بدور الإعلام.

المشكلة الفلسطينية أساس

وعن مدى تفاعل الحس الوطني لدى العرب في الغرب، تقول سويف:

أعتقد بأن للعرب المقيمين في الغرب دوراً يختلف عن أشقائهم في البلدان العربية، فمن يعش في الغرب يشاهد نقطة التماس بين العالم الغربي وطموحاته في منطقتنا(نقطة التماس الأكبر هي فلسطين).

والكثير من المشاكل المزعومة بيننا وبين الغرب، والإسلام والغرب، هي متمحورة حول المشكلة الفلسطينية. فإن حلت مشكلة فلسطين وإسرائيل، انتفى السبب الكبير في الحملة الغربية التي تهدف الإساءة إلينا.

مصدر الأفكار

تعمد سويف في منحى إبداعها لاختيار موضوعات محددة ومعمقة، وتجنح إلى الاقتداء بصيغة رائدة تربط فيها بين الشرق والغرب، فماذا عن هذه المفاصل والمسائل لديها؟:

لا أعرف إن كان لوجودي في الغرب دور في اختيار الفكرة، أظن بأنني أستلهم موضوعاتي بوجه عام، مما يشغل فكري بصورة دائمة، وتأتي إليّ الفكرة دون تخطيط، وأحيانا يدور في ذهني عدة أفكار، ومع بداية العمل وجذب الخيوط، أدرك ما أعرفه وما لا أعرفه

وفعلا ذلك ما حدث معي في رواية «خارطة الحب»، فكان يلّح علي أمران في البداية ، حاجتي إلى بطل شرقي الهوية والمنشأ، وهو ما لم أجده في الأدب الغربي، وحبي للنساء الأجنبيات المستشرقات، خاصة من القرن التاسع عشر، واللواتي أتين إلى بلاد عربية بدافع الفضول والاكتشاف، وبقلوب منفتحة.

الرواية والبحث

عندما تحكي سويف عن وقائع اعتنائها بعنصر البحث والتحقيق والتحليل التاريخي، لإنجاز روايتها بطابع الدقة والصدقية والموضوعية، تبين وتبرهن لنا أهمية هذا العنصر (البحث والتقصي التاريخي والعلمي في الرواية) بالنسبة للروائي:استغرقت في كتابة روايتي «خارطة الحب»، أربع سنوات، ومع عزمي على إنجازها وفق معايير عالية متقنة، ذهبت في مصر إلى أرشيف الأهرام والمقتطف.

وكنت أقرأ الإعلانات فأتعرف إلى الذي كانت تشتريه المرأة آنذاك ، وأطلع على تفاصيل الحياة اليومية لتلك الفترة، لألقى أجوبة وافية حول تساؤلات لدي من نوع:هل كانوا يستعملون الكهرباء، أم القنديل؟، وأيضا استعنت بكتب المذكرات في العالم العربي والغربي حول تلك الفترة التي شهدت بداية الهجوم على فلسطين العام 1905 .

لغة الكتابة

وفي خصوص كتابتها باللغة الانجليزية، بدلاً من العربية، تقول سويف:درست المرحلة الابتدائية في بريطانيا، وعندما عدت إلى مصر، تعلمت العربية، لكنني كنت أفضل القراءة بالانجليزية، خاصة .

وأن كتب الطفل العربي لم تكن متطورة بعد، وهذا في منتصف مرحلة المراهقة، فبدأت أقرأ وأتذوق الأدب العربي الحديث، بدءًا من كتابات فتحي غانم، ووصولاً إلى روائع نجيب محفوظ، إلا أنني بقيت غير قادرة على قراءة الأدب القديم مثل الشعر الجاهلي، فأنا بحاجة إلى قاموس بجانبي، ولكوني درست الأدب الانجليزي، تابعت الكتابة بهذه اللغة. بذا، وباختصار، فإنني أكتب أدب الخيال بالانجليزية، والنص الواقعي بالعربية، فحتى في كتاباتي.

الكاتبة في سطور

ولدت أهداف في مصر عام 1950، وتعيش متنقلة بين القاهرة ولندن. والداها هما الدكتور مصطفى سويف، أستاذ علم النفس، والدكتورة فاطمة موسى، أستاذة اللغة الإنجليزية.

تخرجت سويف في قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب - جامعة القاهرة في عام 1971، ودرست في آداب القاهرة في بداية السبعينات، ثم سافرت إلى لندن بغرض الدراسة، واستقرت هناك، حيث تزوجت من الكاتب والأديب والشاعر الإنجليزي المعروف أزبن هاميلتون. ونالت شهادة الدكتوراه في عام 1978، ومُنحت الدكتوراه الفخرية من جامعتين بريطانيتين.

وأحدث إصداراتها هو: «في مواجهة المدافع.. رحلة فلسطينية»، عبارة عن مجموعة مقالات أدبية، وصدرت مجموعتها القصصية القصيرة الأولى باللغة الإنجليزية، في عام 1983، وهي بعنوان «عائشة»، وأصدرت روايتها «في عين شمس» في العام 1992، ولها عدة ترجمات إلى اللغة العربية ، مثل: مجموعتها القصصية «زينة الحياة» ثم «زمار الرمل»، وروايتها «خارطة الحب».

رشا المالح

تعليقات

تعليقات