تحكي الأساطير الإغريقية كيف قضت «بينلوبي» المتيمة بـ «أوليسيوس»، أيامها، وهي تغزل غطاء الرأس في النهار، لتفكه ليلا، فتعيد غزله في اليوم التالي. إنها قصة عشق يلهم درب تقانة نتاج إبداع صاحبته، ليخلق لوحة جمالية رائعة.

هذا بحق ما يحاكيه ويجسده معرض «حكاية منسوجات إسلامية»، الذي لا يقف عند حد عرض نماذج منسوجات أو أعمال فنية ويدوية، بل يتشكل وفق رونق لافت وجاذب، تعبق روحيته بسمة الفن المعبر عن خبايا النفس والمشاعر الأنثوية، فيغدو بذلك بمثابة فسيفساء متقنة نادرة، تولفت فيها عناصر الخيال والتميز، على يد نساء رائدات في عوالم هذا الطيف الإبداعي، حاكين بجدارة ما بلغته «بينلوبي» من مستوى تميز إبداعي ذخره ومحركه الحب والجمال، ليقدمن مع هذه الحال، أعدادا لا نهائية من الخيوط الملونة والمزخرفة، تشبعت واغتنت من مخزون قصص معايشاتهن وذكرياتهن ومهارتهن.

قرون كثيرة مرت على هذه القطع الفنية النادرة، ومؤكد أن صاحباتها لم يتخيلن أو يعتقدن يوما، أن حياكتهن وفنهن هذا، سيبرح مكانه يوما، ليستقر ويشع في أبوظبي، ضمن إطار معرض خاص يقام في «غاليري وان» في قصر الإمارات في أبوظبي، حيث يستمر إلى غاية 28 يوليو المقبل، ليحتضن أكبر عدد من الزوار والمهتمين. حقا لا يمكن أن نقصر توصيف هذا المعرض على الجانب التقني الفني البحت، فهو عالم متكامل من اعتمالات النفس وخلاصات إبداعها بتأثيرات متنوعة، هو رحلة عشق بثوب الفن، ما انفكت تتنقل بزهو لتمزج وتجمع إسهامات غنية، تلونت برقة ورهافة الأنوثة وعالمها في مختلف الدول والمناطق، فصنعت مسار رحلة شاملة تشي بحكايا أسرار بديعة، فمن أصفهان إلى اللاكاي فالجزائر وتطوان.

ومن هزارة إلى البنحاب وكوهيستان، فإلى بخارى، نسجت النساء مطرزات متكاملة مشبعة بأرواحهن ومهارتهن، تحكي كل منها قصة منفصلة، لينتج هذا سمة فرادة وتميز كل قطعة بخصائص محددة. إبداعات مغربية قسم المعرض إلى عدد من الأقسام، ما أتاح للزائر التعرف على جميع الخصائص التي تميز منطقة عن غيرها، ومنها المغرب العربي، بما تمتلكه كل مدينة من خصوصية، وتبرز هنا مطرزات فاس، الأحادية اللون بغرز محسوبة دون قفا، كمعظم جارتها، وهي واحدة من المجموعات التي تتميز بلونها وثرائها الزخرفي، وكذلك فاس التي شيدت في العام 809 ميلادية، وكانت مأهولة بالبربر.

حيث عرفت ببدايات متواضعة، ولكن عند توافد العائلات الهاربة من الأندلس، في القرنين التاسع والعاشر، حولوها إلى شيء مغاير، عبر ما حملوه من تجدد ديني وثقافي ومعماري.

ويضم متحف «باثا»، في هذه الأيام، وهو كناية عن قصر قديم من طراز «إسباني ـ مورسكي»، الكثير من تحف التطريز الفاسي، التي كانت في الماضي، عنوان تسلية الكثير من النساء.

وفاس المدينة الألفية تنهل مطرزاتها من قائمة قديمة، ففيها آثار النجمة الثمانية على معالم قديمة من الفن السوري، ومنها زهرة الزنبق التي شغلت قائمة كبيرة للفنون المتوسطية، منذ أقدم الأزمان، إلى جانب العديد من المجموعات النباتية والهندسية والحيوانية.

تحاذي هذا الجزء ملامح فن أخاذ، يقص حكاية مطرزات مكناس، وهي قريبة بأسلوبها من مطرزات فاس، وتعد، كما قيل عنها، «ثمرة تسوية بين تقليد المدينتين، وبين فرادة البربر»، وشُغلت مطرزات «مكناسي» بأسلوب الخيوط المحسوبة، دون قفا، وتقدم في هذا المجال تشكيلة واسعة من طبقات التلوين، من الأحمر، الأصفر، البرتقالي، الأسمر النادر، بينما يظهر الأزرق بشكل نادر.

مطرزات منمنمة

الثابت أن هذا الإبداع الذي يجسد عبر خيوطه الكثير من الخيال، لم يقتصر على مدينتي فاس ومكناس، بل امتد إلى الكثير من المدن المغربية، مثل طرز مدينة أزمور، التي تميزت بغصينات عريضة منمنمة جدا، تتوسطها حيوانات أسطورية، وتميزت «شفشاون» بقطع شديدة التراص، بتقنية قريبة من الأسلوب القبطي، وقدمت النساء في هذا المجال الكثير من البسط، وأغطية الصناديق.

ومن «الرباط» عرضت العديد من القطع تعكس ازدهار التطريز عندهم إلى غاية الثلث الأول من القرن العشرين، وفيها ظهرت التعددية اللونية، والزخرفيات المتعددة لأشكال استوحت التواءها من النباتات، وهي مطرزة بغرز الريشة، والغرز المنبسطة التي أدت بأسلوبها هذا، إلى ولادة القطع الكبيرة، كستائر الأبواب.

معلقات سوزاني

تعكس هذه المعلقات ما تميزت به الفنون الحضرية في آسيا الوسطى، من زخارف الأسطح بأنماط تجريدية مكررة، وتظهر هذه الأنماط بدءا من واجهات المباني الفخمة إلى الثياب التي يرتديها رجل الشارع، وحتى أسطح القطع التزيينية الأقل قيمة، إذ تشتهر مدينتا سمرقند وبخارى، بصروحهما المعمارية الضخمة المكسوة بآجر مخرم ومزخرف.

إضافة إلى التصميمات الداخلية الحضرية الفاخرة، وظهر جميع هذا في أسلوب التطريز الذي تشبعت به معلقات سوزاني الجدارية المطرزة، والتي تركز على خصائص الطبيعة المجردة أكثر من تفاصيلها، ما جعلها مثالا لترويض الطبيعة.

وعلى الرغم من أن جميع المطرزات يمكن أن يطلق عليها اسم «سوزاني»، وهي مشتقة من سوزان وتعني يخيط أو يطرز، لكن الاستخدام الصحيح للمصطلح ينطبق على المعلقة الكبيرة التي يتراوح طولها بين 3 و4 أمتار، أو أكثر. وتنفرد بأشكالها الزهرية والنباتية الشديدة التحوير، كما تحاط معظمها بنباتات الكرمة، وبأشكال شبكية، وباقات زهور.

فنون آسيا الوسطى

واشتهرت كل من شهرسبز وكيتاب، وهما مدينتان إلى الجنوب من «سمرقند»، بإنتاج القبعات، والأحزمة والمعلقات المطرزة بالحرير بأسلوب الغرز المتصالبة، وبالمقابل اقتصر صنع القطع الكبيرة على نخبة المجتمع.

وقدمت آسيا الوسطى في القرن التاسع عشر، الأردية وزينة الخيول المتضمنة التطريز بالذهب والفضة، وشمل هذا الأسلوب القبعات، والحقائب الصغيرة والأحذية العالية. وفي أعقاب الثورة البلشفية استمرت النساء في تطريز معلقات «سوزاني» يدويا، من أجل الاستخدام المنزلي، أو لبيعها محليا، إلا أن جودة الصنع والتصميم أصيبت بالتدهور.

منمنمات رشت

أنتجت مدينة «رشت» الإيرانية أنسجة منمقة دقيقة التفاصيل، جمعت بين تطريز الحرير، والزخارف المضافة، وتقنيات التجميع على قماش متعدد الألوان من الصوف الملبد.

وتعد المطرزات «الرشتية» من الأنسجة القوية والعملية، وعندما ساد استخدام الأثاث الغربي في أواخر القرن التاسع عشر، تم استعمال هذه المطرزات، في تغطية المناضد، والأرائك والمقاعد، إلى جانب المعلقات الجدارية التي توضع للزينة.

الجزائر.. زخارف نباتية

ومن «رشت» إلى الجزائر التي بلغ فن التطريز فيها ذروته، خلال فترة الاحتلال العثماني إذ ظهرت في القرن السادس عشر مطرزات مشغولة بالإبرة تكشف عن فن مرهف، تترجم وتظهر شكل زينة مستوحى من الأنسجة التركية والسورية والفارسية والإيطالية.

حيث جمعت العديد من الزخارف النباتية الجديدة، بطريقة منحتها الكثير من الجاذبية، خاصة في ظل تمازج الأشكال والألوان، ومن ثم واصلت الجزائريات تعلمهن لهذه الحرفة بعد احتلال الفرنسيين لبلدهن، إذ أسسوا مدارس لتعليم هذه الحرفة، وهو ما جعل النسوة يواصلن إبداعهن في هذا المجال.

ووصف أندريه بريك في كتابه «الجزائر أرض وفن وتاريخ»، ماهية التطريز هناك، قائلا: «إن التطريز في مدينة الجزائر فن منتعش، وهو عنكبوتي في خفته ورهافته، ومشبع بالدقة والخفة، وكله حافل بومضات وفوارق لطيفة ورائعة، إنه مجال ألفة نسائية، حميمة وبراقة إلى ما لا نهاية».

ويذكر هنا أنه كانت النساء في مدن أخرى من الجزائر، ماهرات بالتطريز كذلك، مثل المدن الساحلية، وتطوان.

مطرزات لكل قبيلة

تتركز فنون التركمان في هذا الشأن على صناعة السجاد الموبر الفاخر، إضافة إلى تطويرهم لفنون النسيج المعقدة، واللافت هنا أن التطريز لم يصبح لديهم نشاطا تجاريا بقدر ما كان حاجة داخلية، وهو ما جعل إنتاجه فاخرا، يحافظ على الهوية التركمانية ويعززها، وقد قدمت النساء في هذا المجال، تطريزا لأطراف الأردية والثياب، والسراويل، والمرايا وغيرها.

ويلفتنا كثيرا، ما يحفل به هذا المعرض من طبيعة تنظيم وتفصيل، إذ انه لا يغفل عرض قطع فنون منطقة كوهيستان في هذا الخصوص، وأبرزها الشال المعروض تحت اسم «تشوبراي»، والذي كان يلبس ضمن مجموعة ملابس «شمات»، التي تضم سروالا فضفاضا موشى بثنيات مطرزة.

وقبعة مطرزة تصنع من قماش قطني أسود، أما مطرزات «وادي سوت» فقد استخدمت فيها خيوط الحرير على أرضية سوداء، وظهر اللون الأحمر كلون أساسي، مع إضافة ألوان كالأصفر والأخضر والأزرق، والأبيض بدرجات أقل.

وتكتمل هذه المجموعة بأربعة أردية لقبائل البشتون، التي تتميز بالأكمام الطويلة والواسعة، والصدر الضيق، وفيها ظهر التطريز بأشكال هندسية مرتبة.

ابتكارات عفوية

وصفت ريتا عون عبدو، مدير القسم الثقافي في شركة التطوير والاستثمار السياحي في أبوظبي، المعروضات بأنها تمثل حكاية شعبية، تدور حول الفن عبر الشبكة التجارية القديمة والمعروفة باسم طريق الحرير، والتي كانت سلعا قديمة تلبي احتياجات الناس من المهد إلى اللح

موضحة أن الأعمال التي اشتغلت عليها نسوة مجهولات، جعلت فنانين أمثال موندريان وكاندينسكي وكوبكا، يستمدون نقاء أشكالهم وحرية ألوانهم من الابتكارات العفوية من أعمالهم.

ومن جهتها، قالت منسقة المعرض إيزابيل دينامور: «قُدمت هذه المجموعة من المنسوجات المطرزة بطريقة تعكس ثقافات مختلفة، تتنوع بين التراث القبائلي المتنقل والحضري، وتصنف هذه القطع المعروضة الحياة اليومية لشعوب البدو الرحل والحضر معا.

وهذا المعرض ضم قطعا تعود لفترة ما بين القرنين السابع عشر والعشرين الميلاديين، وهي توضح كيف حافظ فن التطريز لدى النساء، على الهوية الإقليمية والقبلية والعائلية، من خلال دمجه في الأنشطة المجتمعية.

إذ أثر الأندلسيون في صناعة أقمشة المغاربة، وأثر العثمانيون على الفنانين في الجزائر، وهذا مع التفاعل والتبادل بين وسط آسيا من مغول وأوزبك وبشتون وطاجيك وتركمان.

عبير يونس