تشكل الابتسامة سبراً لحس البداهة فينا وذلك استجابة لطبيعتها، فهي لا تمحو تلك الحركة الخفية التي تضفي على الوجه طابعاً من الانفتاح السحري على العالم، ولكنها الحركة التي لا يمكن البت بمصدرها والمرتجى منها.

أن نبتسم هو أن ثمة ما يحثنا على الابتسامة، ما يجعل العالم في لحظة معينة مترجماً في حركة عضلية مشتهاة، مرئية وجهياً، ما يشير إلى أن ثمة من يراقبنا أو يهتم برابطة دلالية من هذا النوع، رابطة: الابتسامة: النص!

أن تكون الابتسامة ضحكاً صامتاً، ناقصاً، أن تكون كشفاً قلبياً: عرفانياً، أن تكون مصافحة وجهية للعالم، فإن فيها ما يبقي الجواب مقلقاً، ما يعيد طرح السؤال عن فحوى المرتَسَم في الوجه. إن الابتسامة تتقدم الشخص، تعرّف بحالة طمأنينة، بقدر ما تفرض على الناظر نوعاً من التقدير الضمني الحي لها، دون المساءلة الفعلية عنها!

إنه تحدٍّ يجمع بين أهبة الانفعال دون اكتمال صورته، والموقف الذي يكتنفه غموض، مهما أبدينا ارتياحاً إزاءها، وهذا التعقيد يبرز أكثر عندما يكون المبتسم مصدراً لقلق التفسير أو التأويل، من خلال العمر والمكانة والحالة.

إن الحديث عن ابتسامة العاشق والحكيم والمستبد، يعني انفلات رأس الخيط، يعني أننا كثيراً ما ننشدُّ إلى الابتسامة باعتبارها ترحيباً بنا، دون التأكد الدقيق من ذلك، فهي تسحبنا إلى الأعماق بعكس ما يتردد عنها، وهي قدرتها على إثارتنا والخروج إليها، لأن لا جهة مؤهَّلة تصلنا بحقيقتها كما ينبغي، وخصوصاً ممن يجيدون لعبتها: لغتها، خلاف الضحك الذي يسهل التنبه له، إذ في وسع المبتسم أن يتوارى خلف ابتسامته، أن يجعل منها لغزاً مطروحاً على أيٍّ كان دون إعلام رسمي للآخر.

إن حركة الوجه هي التي تكوّن علاقة استجوابية من هذا النوع، فلا يكون في مقدور الآخر الاعتراض أو السؤال عما يجعل الآخر مبتسماً، لأن الابتسامة هذه لا تعايَن بوصفها رد فعل، إنما جانب سلوك متحول في الشخص وهو الوحيد الذي يلمُّ بطبيعة ابتسامته التي تتعدد احتمالات نشأتها.

ولعل المعلوم هو أن صانع الابتسامة لا يستهان به! فكم من ثقافة نفسية واجتماعية تعزز مسلكه هذا! إذ ليس في وسع أي كان أن يحافظ على ابتسامة ما في ظرف ما ولزمن معين ومراقَب، فيكون قناع الابتسامة شديد الشفافية، يكون حصيلة انضباط داخلي أو معايشة عميقة للذات. إن ابتسامة الآخر هي شخصيته وقد أحالت اللغة إيماءة لها.

في ابتسامة (الموناليزا) يتكاثف عالم كامل من الدلالات حيث إنها تضعنا في مواجهة نوعية الشخصية وتاريخها وأصلها، والفنان الذي انشغل بالاثنتين، إنها إشراقة الفن التي تتجاوز إطار اللوحة وظاهر ألوانها زمنياً.

الابتسامة: البحث عن الكلمة الضائعة، ربما هو العنوان العريض لملمح وجهيٍّ يشي بسرٍّ ذاتيٍّ يعنينا أمره، لا يمكن تحديده، وكأن رغبتنا في التعلق بها نابعة من رغبة أخرى وهي إمكان استمراريتها سراً لنعيشها أكثر!

في سياق البحث الحثيث عن الكلمة الضائعة، يكون السؤال عن اللعبة التي تقيم صلات وصل بين قائمة عريضة من الكلمات وقد أسكِنت خاناتها المناسبة لها، لعبة قد لا تتوقف، لأن اتفاقاً غير مصرَّح به، يقول بضرورة عدم نسيان اللعبة هذه.

إن شعوراً بالمتعة أحياناً كثيرة، يتلبسنا ونحن ننشغل بلعبة الكلمات المتقاطعة، فيكون الوصول إلى نهاية اللعبة إعلاماً عن إنجاز تحقَّق، ولكن ذلك لا يعدو أن يكون وهماً قائماً، لأن ثمة دائماً أكثر من كلمة ضائعة، أكثر من خانة مسمَّاة لها، ثمة كلمات متقاطعة، أي ثمة معاودة لسؤال الابتسامة وتركيبتها اللحمية، وما هو أبعد من حدود جلد الوجه، وما ينمُّ كل ذلك عن النسبيّ فينا.

إن في مقدور ابتسامة أن تشغلنا أمد العمر، أن تكون سبباً قويماً لبلبلة عالمنا الفكري، وبحسب ارتباطنا بشخص ما، أو أكثر. إن ابتسامات الآخرين هي عوالمهم التي تترجم الكثير من تصرفاتهم وتعرّف بمواقعهم ونحن إذ نبتسم بالمثل، فليس لأننا نتحرك بالتوازي، وإنما جرَّاء اعتقاد ذاتي وهو أننا نردُّ على الابتسامة تلك بابتسامة تشغل ذهن الآخر، ليكون هناك تكافؤ: استمرار لعبة.

وربما كانت ابتسامتنا شديدة الذاتية، أي فيما بيننا، وما في ذلك من سخرية الذات من الذات، أو مما لا يمكن تحديده، أو التعبير الدقيق عنه، فنكون منقسمين على أنفسنا، وهي علاقة أخرى لنا مع عالمنا الكبير جداً.

وهذا ما يمكن مكاشفته في آثارنا التاريخية، وفي نصوصنا التي نهتم بها أو نقرأها، وجانب الاطمئنان الذي نتحسسه فيها، وكيف تتحقق الألفة اعتماداً على وضعية ابتساماتية تحفّز على الاهتمام بها.

إن المبتسم هو الآخر الذي يدفع الشبهات عنه، فيؤمَن جانبه، لكن تاريخ الابتسامة المتشعب، علَّمنا أن الواجب يقتضي التدقيق في الآخر المبتسم، ربما أكثر من غيره، وخصوصاً حين يكون الآخر غريباً، وهذا يعيدنا إلى متاهة الكلمة الضائعة التي تعني الابتسامة كثيراً، ويبقى السؤال: هل يمكن عزل الابتسامة عن طبيعتنا البشرية الغامضة؟

ابراهيم محمود