عنقود عنب كريستالي شفاف، أرجواني اللون، تتوجه أوراق العنب مذهبة بذهب عيار 14. اعتادت الصغيرة ان تنظر له يومياً بحب وإعجاب شديدين.

وهو موضوع بجمال فوق رزمة من أوراق والدها فوق مكتبه المصنع من خشب الورد والمطعم بنقوش نحاسية، تتلمس الصغيرة سطحه الناعم الأملس يومياً قبل ذهابها لمدرستها كل صباح، معتقدة أن العنقود الكريستالي هذا «ثمين وفخم» وليس للصغار اللهو واللعب به، وهي إحدى النصائح العشر التي تتردد على مسامع الصغيرة كل حين من والديها. فازة «مزهرية» كريستالية ضخمة على شكل سمكة تفتح فمها، وهي من الكريستال البوهيمي الأزرق المطعم بتعرجات الفضة، وكأن السمكة ترقص رقصة الحياة والموت في آن واحد تلك المزهرية ـ الفخمة تزين أحد أركان الصالون الإستقراطي المكون من أثاث «لويس الخامس عشر» .

وثريا من الكريستال الأبيض الشفاف مزينة بملائكة كريستالية «بمبي» تملأ فراغ سقف مدخل المنزل، الذي لابد من الوهلة الأولى من تصنيفه بالمنزل الارستقراطي في زمن الروعة والأناقة والجمال والثراء. فما هي حكاية الكريستال وقصة جمالياته وسر اقتنائه وتوريثه من جيل لجيل في الأسر الموسرة التي تعلمت عشق الجمال بالفطرة لأنه من مفردات حباتها، مثل تلك الصغيرة، وعشقها لعنقود العنب الكريستالي الأرجواني اللون والمطعم بالذهب من عيار 14؟ قصة ترجع لمقولة فنان صناعة الكريستال البوهيمي ـ الأرقى على الإطلاق ـ الفنان التشيكي «ستانيسلاف ليبنسكي» الذي حث مواطنيه على «غزو العالم بالكريستال البوهيمي» وبوهيميا هي الجزء الغربي من جمهورية التشيك التي تتألف منها ومن مورافيا في الشرق.

وبالفعل كاد هذا «الغزو الجميل» أن يتحقق كما تمنى الفنان التشيكي ليبنسكي، لكنه تعثر ولم ير النور بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية، واحتلال النازيين تشيكوسلوفاكيا وقتذاك في العام 1948، ثم الاجتياح السوفييتي للبلاد في العام 1968، وأخيراً اندلاع الثورة «المخملية» التي أنهت الحكم الشيوعي في البلاد في العام 1989.

توقف ليبنسكي ورفاقه من الفنانين أثناء الحرب عن ممارسة حرفتهم «الجميلة»، ولكن بدافع الحلم الكبير عاد ومعه زوجته ياروسلافا بريستوفا ومعهم الكثير من الفنانين لإعادة إحياء هذه الحرفة الشفافة والثمينة والراقية، والتي يرجع تاريخ إبداعها الأول للعصور الوسطى في تشيكوسلوفاكيا.

وقد أبدع الشعب التشيكي من الفنانين في فن الصناعة اليدوية للكريستال، قبل أن تظهر حركة الاستوديوهات وورش العمل والمشاغل الفنية في العالم كله، الذي لم ترتق أي دولة فيه لصناعة الكريستال مثلما في تشيكوسلوفاكيا، والتي تليها في جماليات صناعتها بلجيكا في العصر الحديث، فالكريستال البلجيكي ثاني أجود وأجمل أنواع الكريستال.

والتشيك يستخدمون آلات دقيقة جداً للحفر اليدوي على الكريستال، تصنع حافتها الحادة من الماس القاطع لزجاج الكريستال المفرط في النقاء، فبرعوا في التشكيل والحفر والتلبيس والصقل والتلوين، وارتقوا بهذه الصناعة المخملية، وحققوا فيها خطوات مدهشة، وكان يطيب للفنان ليبنسكي اعتبارها نوعاً من أنواع الكيمياء القديمة، التي كانت تحيل المعادن العادية إلى ذهب إبريز، وبالفعل غزا ليبنسكي العالم بالكريستال، الذي ظل حتى الآن متجسداً في تلك التحف الأرستقراطية المفرطية في جماليات خاصة جداً.

ولأن موجات ورياح التغيير تفرض حضورها كل حقبة زمنية، فقد تغيرت الأساليب الكلاسيكية في فنيات الكريستال منذ بدايات القرن الماضي بتأثير من الحركة التكعيبية والفن الطليعي، وخلال عقد العشرينات أخذ التشيك يتعاملون مع الزجاج كمادة فنية.

ويبتكرون قطعاً فنية كريستالية، جربوا فيها أنماط المدرسة التكعيبية في هذا المجال ومدرسة «الأرت ديكو» في الحركة التأثيرية الفنية، وبسبب العديد من الأحداث والتيارات السياسية وقتذاك في تشيكوسلوفاكيا، فر الحرفيون والفنانون إلى العاصمة براغ في قلب بوهيميا، ومن بينهم ليبنسكي حيث واصل إبداعاته.

وتعتبر عملية القطع بالحافة الحادة الماسية بالآلات الخاصة وعملية النحت والقطع والنقش أهم مراحل صناعة الكريستال، وقد يستغرق الأمر نحو ثلاثة أسابيع لإخراج تحفة فنية كريستالية واحدة صغيرة، الأمر الذي يفسر ارتفاع سعره العالمي، ومع ذلك تختلف الأسعار من قطعة لأخرى، حسب الحجم ودرجة النقاء، وكمية النقش والنوعية الأصلية، فالكريستال البوهيمي اليدوي هو الأغلى سعراً على الإطلاق، يليه الكريستال البلجيكي عالي الجودة والنقاء أيضاً.

وتعتبر الثريات الكريستالية الضخمة التي تفترش أسقف بهو القصور والفيلات المتسقة والقصور الملكية والرئاسية وغيرها، كالفنادق والموتيلات، والثريات الكريستالية خاصة المطعمة بالذهب والفضة وبعض الأحجار الكريمة هي إرث متداول داخل الأسر العريقة الأرستقراطية، في زمن عشق كل ما هو نفيس وجميل ورائع.

وإذا كان الكريستال عنصراً جمالياً نادراً، فإنه أيضاً، كما يوضح العلماء المحدثون، عنصر مشتت للموجات الكهرومغناطيسية، بالإضافة إلى أنه يضفي أجواء من الراحة والسعادة عندما تتزين النساء في شكل عقد أو فرط أو سوار.

فقد أكد خبراء في علم النفس والطاقة بعد دراسات دامت لأعوام طويلة، في جنوب شرق آسيا والهند وتشيكوسلوفاكيا وأميركا، أن لطاقة الكريستال آثاراً نفسية خاصة تخترق الجلد «البشرة» وتسبب مشاعر الراحة والاسترخاء، وبداية هذه التجارب أعلنها التشيك بعد اكتشافها عندما يتلامسون مع برادة الكريستال أثناء الحفر عليه، فبرغم التركيز والتعب اليدوي كانوا يستشعرون الراحة والاسترخاء والسعادة!

ومن هنا كان يفضل وضع قطعة كريستال جمالية بجوار «الكومود» الملاصق للسرير، فإنها ترسل طاقة تساعد على النوم، وقد توصلت إلى هذه النتيجة وغيرها خبيرة الأحجار الكريمة والكريستال الطبيعي الدكتورة «روابي أبو غزالة» التي أوضحت في أبحاثها أن الكريستال له تركيبة كيميائية طبيعية خاصة به تترسب في بلوراته.

وأنها تعمل على تحسن البيئة وتنقيتها، وأن الذبذبات الرقيقة الصادرة منه لها تأثير خاص عكس المستويات الجسدية وتخليصها من الإرهاق المزمن المعروف علمياً باسم «الفاتيج»، بالإضافة إلى تصفية النفس من الشوائب النفسية التي تصيبها مثل التوتر والعصبية، وربما من هنا ينصح بوضع قطيعات منمنمة من الكريستال في حجرة المعيشة، عندما تجتمع الأسرة، فيسود التفاهم والسلاسة في الحوار، أو الاستمتاع بصمت هادئ تأملي جميل.

كما يفضل ـ كما توضح الدكتورة أبو غزالة ـ أن يوضع الكريستال النقي في المنازل الواقعة ضمن مناطق الضغط العالي، لأنه يشتت الموجات الكهربائية والمغناطيسية المركزة، وتضيف الدكتورة أبو غزالة المزيد من أهمية الكريستال المستخدم في أغراض غير الزينة والاقتناء.

والتي من أهمها أيضا وضع منمنمة أو مزهرية من الكريستال البلوري البنفسجي، وهو لونه الطبيعي الموجود في صخور الجبال على شكل عناقيد متعرجة ـ يوضع بجوار شاشة الكمبيوتر لأنه يفلتر «يرشح» الذبذبات الصادرة عنها والضارة مع طول المدة التي يقضيها الإنسان أمام الجهاز السحري هذا.

أيضاً في ظل استخدام الهاتف المحمول «الموبايل» وما ينتج عنه من ذبذبات وموجات لها تأثير سلبي على الإنسان يمكن وضع «تعليقة» كريستالية في سلسلة تثبت في الموبايل لتشتت طاقة موجاته.

أيضاً توصل الباحث التشيكي تشيكوف بازانيسكي، إلى أن للكريستال الخام النقي يعمل على تجديد طاقة الجسم، فإذا وضعت السيدة عقداً من حبات الكريستال الأبيض أو البمبي فإنه يجدد خلايا العنق والدماغ حسب نسبة حجم حباته!

ولكن مع الوقت يؤكد تشيكوف بأن الكريستال يفقد هذه الخواص الإيجابية، وهنا يجب تنظيفه بالكحول الأبيض، باستخدام قماش قطني، ثم وضع الكريستال في الشمس، حتى يشحن طاقته المفقودة.

يمكن استخدامه في إدخاله في آلات التدليك في المراكز العلاجية، لأنه له خاصية تنشيط العضلات المرتخية الضعيفة، فيعمل على تقويتها. وتعشق المرأة، سواء الشرقية أو الغربية التزين بحبات الكريستال أو صياغته مع الذهب والبلاتين، أيضاً القلادات الكريستالية تشكل جذباً هائلاً للسيدات لاستخدامها في حفلات المساء والسهرة والأفراح، خاصة الكريستال الأبيض والزهري «البمبي» على فستان سهرة من الحرير الطبيعي الأسود «ملك السهرات والصرعات» وتضع في شعرها الأبنوس أيضاً بعض من حبات الكريستال في مشط صغير يغرس في «شينيون» فرنسي التصميم في منتصف الرأس لتبدو كبجعة سوداء رائعة الجمال.

وفي الآونة الأخيرة يستخدم مصممو الأزياء، وخاصة فستان الزفاف، يستخدمون فيه بعض القطع الكريستالية المشطوفة وغالبة ما تكون بألوان الطيف الباهتة، وتمسك العروس في يدها باقة زهور طبيعية بنفس ألوان الكريستال، أيضاً لتكتمل صورة الأناقة يضيع العريس فصاً متوسطاً من الكريستال في «بابيون» العنق ـ أو عروة الجاكيت السوداء الخاصة بالزفاف.

دعوات الفرح والبومات الصور لهذه المناسبة يستخدم فيها حديثاً حبات من الكريستال، أيضاً توضع فواكه كريستالية على شكل تفاحة أو كمثري أو عنقود عنب على الترابيزات في قاعات الأفراح في فنادق السبع نجوم، لمزيد من الفخامة والتفرد، أو ربما لإضفاء أجواء من الصفاء والمحبة، حسبما أكدت الدراسات ذلك.

ومن هنا تخصصت شركات عملاقة في فن الديكور بإستخدام الكريستال، في العديد من المناسبات وعروض الأزياء، وبذلك تعددت استخداماته من التحف الراقية المتوارثة إلى علاجات ثم إلى التباهي به في حفلات الزفاف في الديكور الخاص بالقاعة.

أما في مجال ديكورات المنازل، قديماً أو حديثاً، فإن حبات الكريستال أو عناقيد رقيقة منه يمكنها تزيين الأبواب والنوافذ الزجاجية الملونة في المنزل، وأن يوضع كحلية لتزيين «البارافان» الموضوع بأناقة وشياكة فيما بين مدخل المنزل والحجرات الداخلية لغرض الخصوصية.

أيضاً يمكن استخدام الكريستال في صناعة الانتيكات وأطقم الأطباق والأكواب وسندات الملاعق والشوك والسكين في حفلات السفارات ومنازل النخبة في المجتمعات المخملية.

شكمجية الجدة، الخاصة بحفظ المجوهرات، خرجت عن المألوف، وتصنع حالياً من الكريستال الملون والقطيفة «المخمل» السوداء لإظهار جماليات المجوهات المحفوظة فيها العديد من خطوط الطيران الراقية المحلية منها داخل البلاد هنا، والعالمية أيضاً تقدم هدايا كريستالية لركاب الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال مزيداً من التدليل، وزيادة في إضفاء الفخامة على هذه الطائرات.

وغالباً ما تكون الهدايا الكريستالية من صناعة «سواروفسكي» العالمية وتأخذ شكل طائر صغير يغرد بجناحيه، أو قطة ناعمة أو حيوان «الباندا» المدلل المحب للخيزران، أو على شكل من أشكال الأحياء المائية، كالحوت والأسماك والدلافين.

وقد أقامت شركة شواروفسكي العالمية للكريستال معرض لها في دبي تحت شعار «البهجة في المدينة» يعكس العديد من التصاميم الجديدة للمصممين في هذه المهنة الراقية، توافد عليه السياح والوافدون وأهل البلاد، فالجميع يعشق الكريستال بكل أحجامه وأشكاله والأغراض التي يستخدم فيها.

والكريستال دخل عالم الفن أيضاً، سواء العربي في مصر أو العالمي، فكانت الراقصات المحترفات، من أمثال تحية كاريوكا وسامية جمال وسهير زكي، جميعهن كان الكريستال يطرز بدل الرقص الخاصة بهن ويتلألأ تحت أضواء المساء، وأيضاً يحيط بالشموع التي تضعها راقصات الزمن الجميل أثناء الرقص الشرقي فيزيدهن تألقاً وجمالاً متفرداً. وفي السينما المصرية فيلم بعنوان «كريستال» من بطولة الجميلة شريهان وهشام سليم، وهو رمز على نقاء علاقة الحب بينهما.

«الراقصة والسياسي» فيلم من كلاسيكيات السينما المصرية الحديثة مقتبس من قصة بالاسم نفسه للعبقري إحسان عبدالقدوس وبطولة نبيلة عبيد وصلاح قابيل ومصطفى متولي، لعبت فيه قطعة كريستالية على شكل ثمار الكمثرى دور الرمز في معنى العلاقة بين الراقصة ونجوم المجتمع من السياسيين ورجال الأعمال.

أما في السينما العالمية، فيلعب الكريستال دوراً كبيراً، خاصة في الأفلام البوليسية، عندما تختفي كريستالة عملاقة من أحد أكبر المعارض والمتاحف، ويدور البحث عنها في محاولة للقبض على الجاني، في أجواء من العنف و«الأكشن».

أما في عالم الماكياج والتجميل، فللكريستال استخدامات «جميلة»، مثل معالجته ليصبح مسحوقاً براقاً يضاف أثناء صناعة مستحضرات التجميل لتجميل العيون والشفاه.

أيضاً في عالم الأقنعة المستخدمة في الحفلات التنكرية يستخدم الكريستال في صناعة بعض من هذه الأقنعة، فيمزج الجمال بالغموض، فتكون الرسالة الأشمل لمثل هذه الحفلات الغامضة.

ولأن حلم الكريستال، بكل شفافيته وبريقه الناصح والملون، ومنه المطعم بالذهب عيار 14 هو حلم الجميع لإبداعاته وقيمته الفنية والمادية، وربما من هنا كان عنقود العنب الكريستالي الأرجواني ذات الوريقات الذهبية يداعب خيال الصغيرة في حجرة مكتب والدها، فإن هذا الحلم بالنسبة لها صار واقعاً ملموساً وجميلاً عندما أهداه إليها والدها يوم خطبتها.

وصواني الشربات الأحمر في أكواب كريستالية تدور وتغزل الفرحة للصغيرة التي أصبحت عروساً، مع الصينية الفضية المتدلى منها شرائط الحرير «البمبي» مثل فستان العروس يدور بها النادل ذو الزي الكحلي بخيوط القصب الذهبية، فيلتقط الحضور وأولهم العروسان حبات الشوكولاته السويسرية والمارون جلاسيه البلجيكي المميز على امتداد العالم.

قصة تميز وحدوتة كريستالية وحلم ثراء يداعب كل محبي زمن جميل، حقب منه تراجعت في شموخ، ولكن الذكريات دوماً في البال والقلب والخاطر، ترفض بقوة منطقة اللاشعور.

عباءات خليجية بالكريستال

تطايرت شهرة جماليات العباءات الخليجية السوداء ذات التطريزات التراثية الرائعة، ولكن كان للكريستال إضاءة أخرى جمالية ومتفردة، عندما بدأت كبريات بيوت الأزياء في الإمارات وعواصم العالم تدخل الكريستال ضمن التطريزات على العباءات الخليجية الشهيرة، التي احتلت مكانتها وسط عروض الأزياء العربية والغربية.

والشكل التقليدي للعباءة لم يتغير إلا من بعض الإضافات، مثل «الستراس» والكريستال كل منهما يضيء العباءات الخليجية السوداء فيزيدها جمالاً، والتزيين بالكريستال على العباءات يجيء إما بشكله ولونه الشفاف أو الملون خاصة الزهري والأرجواني والكحلي والأصفر.

وغالباً ما يكون في شكل فروع رفيعة تحدد الأكمام والاكتاف، أو ينسدل كالقلادة من الرقبة وحتى قبيل الصدر متخذاً شكلاً رائعاً يشبه شعاع الشمس. أيضاً يزركش الكريستال الشيلة الخليجية.

وتصمم العباءات الخليجية مصممات أزياء متخصصات في العباءة، جميعهن من المبدعات الخليجيات اللواتي شاركن في أكثر من عرض أزياء عالمي وأيضاً في منطقة الخليج وخاصة دبي.

منى مدكور