عندما تخسر الناس في الحرب يربحون في الحب، هكذا قالوا قديماً ولكنهم اليوم يخسرون الحروب ليربحوا كرة القدم، وفي شأن الساحرة المدورة يعطي الناس الكثير من قلوبهم ووقتهم متسمرين لمتابعة حمى الأهداف وطاولتهم لا تخلو من طعام أو شراب، والكثير من التبغ، ويزيد العرب إلى ذلك شيشة وتوابعها، فكلما حمي وطيس اللعب زاد ماء الشيشة قرقرة أو كبرت حجم اللقمة التي تحشر في الفم وعادة ما يكون الطعام دسماً حتى تبلغ السعادة ذروتها.

الكرة متعة الفقراء والأغنياء على حد السواء، لكنها كانت متعة مجانية ذات يوم قبل تحولها إلى مصدر ثراء للأثرياء أصلاً، وقبل دخوله عالم البورصة على أحذية اللاعبين منذ خطواتهم الأولى على العشب، تلك المتعة باتت باهظة لصالح الطامحين إلى الثراء، وإذا كانت بعض الرياضات تصنف في خانة البرجوازية كلعبتي الغولف والتنس الأرضي، فإن كرة القدم كانت على الدوام رياضة المعدومين، بل أكثر الدول فقراً ترسل أغلى اللاعبين سعراً إلى ملاعب الكرة (أميركا اللاتينية نموذجاً).

ما تعجز عنه السياسة، لا تعجز عنه الكرة فهاهم أعداء الأمس يتناوبون الكرة في الملعب ـ روسيا وألمانيا، وكذلك اليابان وأميركاـ أبرز الأمثلة، ولا يحتاج الأمر إلى مجلس الأمن ليصدر قرارات يحتاج تطبيقها إلى سنوات، إذ يكفي حكم واحد وسط الساحة ليقول قولاً حاسماً، ومن يعترض على قراراته مصيره الطرد من الملعب، وهذا ما تعجز عنه الرتب العسكرية حول العالم، لأن الكرة منظومتها أخلاقية ويخضع لقوانينها الجميع.

لقد أعطت الرياضة بعداً للتصالح بين البشر، وسمحت بالتقبل كصيغة عليا للتحاور مع الآخرين ليس داخل الملاعب فقط بل خارجها، ولعل ما هو خارج الملعب أكثر أهمية من داخله، حيث يجتمع أنصار أحد الفرق من جنسيات مختلفة وثقافات متعددة، لم يكن متاحاً لهم ذلك لولا الكرة التي تعرضها شاشات كبيرة في المقهى ومن خلال الكرة تذوب الفوارق بين الناس، وكلما تقلص الفارق الاختلافي بين البشر تراجعت فرص العداءات والحروب.

يمكن للكرة أن تفعل ما تعجز عنه الحروب، وأن تحول الدمار إلى ازدهار ونموذج جنوب أفريقيا يستحق التفحص، فقد كان البلد مطبقاً بامتياز قوانين الفصل العنصري، ولكنه اليوم انتقل على الضفة الأخرى منخرطاً العيش في الأسرة الدولية بقوانين كرة القدم وأخلاقياتها، ويعول الناس على مجريات المباريات الكثير من الآمال، غير أن أملاً واحداً حياً هو الذي يسمح للعالم بالتحاور والتقبل أنه (كرة القدم) حلم الملايين وأملهم.