كُتب الكثير عن المافيا الإيطالية وتشعّباتها وتفرّعاتها، وارتباطها الوثيق بعالم الجريمة المنظمة. لكنها مع ذلك لاتزال منجماً للأسرار. هذا إلى حد أن الصحافية الفرنسية المختصة بعالم الجريمة المنظمة عموماً تتساءل في كتابها الأخير «مافيا، مافيات» ما إذا كان ينبغي الحديث عن إيطاليا والمافيا بصيغة المفرد، أم بصيغة الجمع فيها؟

وما تؤكده المؤلفة هو أن مافيا «كوزا نوسترا» الشهيرة لم تعد تسيطر على شبه الجزيرة الإيطالية، ذلك بعد موجة القمع الكبيرة التي تعرّضت لها في أعقاب العمليات الإرهابية التي قامت بها خلال عامي 1992 و1993، والتي كان القاضيان الإيطاليان فولكوني وبورسيلينو قد ذهبا ضحيتها. والمعروف عن هذين القاضيين أنهما جعلا من مكافحة المافيا هدفاً رئيساً لعملهما.

بقيت مافيا «كوزا نوسترا» لسنوات طويلة السيدة الوحيدة المطلقة للنشاط المافيوزي في إيطاليا، إلى أن برزت منظمات أخرى «من نفس طبيعتها»، بل و«استلهمت من نموذجها»، ودخلت في منافسة معها. وفي مقدمة هذه المنظمات «الجديدة» «الكومورا» التي تركّز نشاطها في مدينة نابولي. وكانت في البداية، كما يتم تقديمها، مجرّد مجموعة من «الجانحين» والخارجين على القانون، ثم تحوّلت شيئاً فشيئاً إلى «منظومة» حسب تقاليد المافيا.

والأمر نفسه بالنسبة للمافيا التي تحمل تسمية «ندرانغيا» في كالابريا، والتي تدل عدّة مصادر أنها هي التي تسيطراليوم على نحو 80؟ من التجارة العالمية للكوكايين. ولكن نشاطاتها لا تقتصر على «التجارات الممنوعة»، ولكنها «تستثمر» أموالها في مطاعم «البيتزا» أو في تجارة الأبنية والعقارات. وخصوصية هذه المافيا، ندرانغيا، أنها تعمل حسب تقاليد «عتيقة» يعود بعضها إلى القرون الوسطى.

وتتحدث المؤلفة عما تسميه «حرب السجائر»، وتصف كيف أن تجارة علب السجائر المهرّبة في مدينة باري، بجنوب إيطاليا، قد أصبحت في غاية التنظيم والتحديث على يد مجموعات الجريمة المنظمة. وبالتوازي «ازدهرت» صالات ألعاب الحظ التي تحقق مكاسب خيالية. وهذا ما تصفه المؤلفة بالقول إن تلك «الجنح» التي كان يقوم بها هواة «رومانسيون» قدّمتهم أفلام السينما خلال سنوات الخمسينات المنصرمة، تحوّلت إلى «جرائم» حقيقة في القرن الحادي والعشرين. وجرائم يحصل مقترفوها على مبالغ مالية هائلة.

ولكن بالمقابل يتم الربط بين الخطط التي تتبناها المصالح العامة، التابعة للدولة وبين مصادر ثراء المافيا. وهكذا كانت «الكامورا» في نابولي أكبر المستفيدين من المبالغ الهائلة التي رصدتها الدولة لإعادة تعمير الدمار الذي سببه الزلزال الأرضي الذي ضرب المنطقة عام 1980. لقد عرفت كيف تحتكر سريعاً جميع القطاعات الأساسية المكلّفة بعملية إعادة البناء، هذا فضلاً عن تدخّلها، عبر شركات وسيطة، في جميع المناقصات العامة.

ويصل «التداخل» بين نشاطات المافيات ومناطق تمركزها الجغرافي إلى درجة التساؤل عما إذا كانت هذه المافيات مسؤولة عن «تخلّف» بعض المناطق في إيطاليا؟ أو ما إذا كان «تخلّف» هذه المناطق هو المسؤول عن ولادة المافيا؟

إن مؤلفة هذا الكتاب تدعو قارئه لولوج دهاليز عالم المافيا الجديد، من خلال الفصول الستة التي يتألف منها الكتاب، والتي تحمل عناوين «مافيا ومافيات» و«نموذج-موديل المافيا»، فـ «نساء شريفات» عن اللواتي تعاونّ مع رجال الشرطة و«القضاء» فـ «التواطؤ» فـ «اقتصاد المافيا» وأخيراً «مناهضة المافيا».

وتتمثل إحدى الأفكار التي تتردد في تحليلات هذا الكتاب، بأشكال مختلفة، بالقول إن المافيا ليست في بعض مناطق جنوب إيطاليا نوعاً من «المنظمات المناهضة للدولة»، ولكنها تمثل بالأحرى «الدولة الوحيدة» الموجودة في حقيقة الأمر، ذلك أنها هي التي تفرض «قوانينينها» وتسيطر على الاقتصاد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتمثل أيضاً السلطة بشكل غير مشروع أو عبر مجموعة من الواجهات «الشرعية» تماماً.

ومن خلال ما يزيد على 150 وثيقة تكشف المؤلفة عن مختلف وجوه نشاطات المافيات الإيطالية، وعن قوانينها وطقوسها وتداخلاتها مع الدولة ومؤسساتها ومع الكنيسة والأحزاب السياسية، خاصة «الحزب الديمقراطي المسيحي». وتصل من خلال رصد قيمة أعمالها التي تصل سنوياً إلى نحو 100 مليار يورو إلى القول بأن المافيا هي «الشركة الأولى» اليوم في إيطاليا. المافيا أو بالأحرى المافيات.

وتكرّس المؤلفة الفصل الأخير من الكتاب لـ «مكافحة المافيا»، حيث تبيّن أن محاكمات باليرمو لل«كوزا نوسترا» أدت إلى إصدار أحكام على 474 من أعضائها، مدتها 2605 سنوات، بينما قبل 785 منهم التعاون مع القضاء. وتصل المؤلفة إلى القول إن «الكوزا نوسترا» في حالة «تقهقر» حقيقي.

بالمقابل تصاعدت «نشاطات المافيات الأخرى فالكومورا مسؤولة عن 3600 عملية اغتيال خلال 26 سنة، كما نشطت في مجال الاستيراد والتصدير وفي «تخزين القمامة». وتذكر المؤلفة في هذا السياق مافيا «ساكرا كورونا أونيتا» المختصة بـ «تجارة الرقيق».

«العرّاب»... وصقلية

رغم التبدلات الكبيرة التي عرفتها منظمات المافيا «المتنوعة»، فإنها تبقى ذات ممارسات محصورة بإطار المنطقة الجغرافية التي نشأت وترعرعت فيها. ذلك أن العلاقة بالأرض ومعالم الريف تبقى قوية. هكذا نجد أن الكثير من المرجعيات في فيلم «العرّاب» لكوبولا تعود إلى صقلية «بلد المولد» وبكثير من الحنين.

المؤلفة في سطور

مارسيلا بادوفاني، صحافية فرنسية مختصة بالحياة السياسية الإيطالية وبألمانيا. عملت في عدة مجلات فرنسية من بينها «الإكسبريس» و«نوفيل اوبسرفاتور». أجرت عدة مقابلات مع الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتيران، وكانت قد أجرت مقابلة شهيرة مع «ريجيس دوبريه»، عام 1973 عندما كان لايزال «ثورياً». تحمل شهادة الدكتوراة بالعلوم السياسية. من كتبها: «سنوات المافيا الأخيرة» و«صقلية».

الكتاب: مافيا، مافيات

تأليف: مارسيلا بادوفاني

الناشر: غاليمار باريس 2009

الصفحات: 143 صفحة

القطع: المتوسط

Mafia, mafias

Marcelle Padovani

Gallimard - Paris - 2009

143p.