قدّم الأستاذ الجامعي الانجليزي «مايكل سلاتر» العديد من الأعمال حول الكاتب الانجليزي الشهير تشارلز ديكنز. ولا يتردد في القول إن الأسرار التي تحيط بحياة الروائي ديكنز ليست أقل عمقاً أبداً عن الأسرار التي تحيط بالشاعر شكسبير. هذا مع فارق كبير هو أن أسرار الروائي تمتد جذورها إلى أعماق تجربته وشخصيته. وينقل عن «ديكنز» نفسه قوله في أحد رسائله عن سلفه الكبير: «أعتقد بأنه من حسن حظ الشاعر شكسبير- عدم معرفة إلا القليل عنه، أما أنا فأخشى كل يوم أن يخرج أي شيء جديد».
كانت خشية ديكنز «تعود»، كما يقول المؤلف، إلى حالة «الفشل العائلي» التي عاشها. فوالده كان بحاجة دائمة للمال، ثم دخل السجن بسبب عدم قدرته على سداد ديونه. وفي سن الثانية عشرة كان على تشارلز أن يذهب للعمل في معمل للصباغة. كانت تلك هي الفترة التي بدأ يراقب فيها حياة البشر وسلوكياتهم اليومية. وما سيجد في ما بعد صداه في رواياته التي جرت ترجمتها إلى جميع لغات العالم الحيّة.
و«تشارلز ديكنز، الحياة عبر الكتابة» هو إلى حد كبير «كتابة عن الحياة»؛ الحياة التي عاشها تشارلز ديكنز. ويبيّن المؤلف كيف أن المواضيع التي كتب عنها «تتقاطع» إلى حد كبير مع «المفارق» الأساسية في مسيرة حياته بالمجتمع اللندني خلال القرن التاسع عشر.
وكان قد بدأ كتابة «القصص» منذ سن العشرين بالعديد من الصحف والدوريات، وفي أحيان كثيرة على هيئة «حلقات» شهرية. وفي عام 1836 تزوج من ابنة رئيس تحرير «ايفنينغ كرونيكال» وأنجبا 10 أطفال.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن مصدر «الطاقة» الكبير الذي دفع تشارلز ديكنز في عالم الكتابة كان مزيجاً من الألم الذي سببه له والده اللاهث دائماً وراء الاكتفاء مادياً ومن «الثقة» الكبيرة بالنفس. ويتم التأكيد في هذا السياق على أن علاقته المتوترة باستمرار مع أخته «فاني» وجدت صداها الكبير في مختلف أعماله الإبداعية.
كانت «فاني» قد توفيت بمرض السل، وعاصر تشارلز فترة احتضارها بكثير من الألم. وينقل عنه المؤلف قوله في إحدى مذكراته عن ذلك: «في الليل، كانت رائحة الأوراق المتساقطة في الغابة، حيث كنا نسير عادة عندما كنا أطفالا صغاراً، تنتشر حولها، إلى درجة أنها كانت تميل برأسها المتعب بحثاً عن تلك الأوراق المبعثرة في غرفتها».
ويشير المؤلف أن ديكنز كان يلجأ دائماً في أعماله إلى استخدام تفاصيل «حسيّة» من الحياة، ويربطها بمشاعر مختلفة من الحزن أو الخوف أو الفرح، كي يحرك مخيلة قارئه. إنه لا يهتم أبداً بالتعميمات التجريدية.
بل يفضل أن يدفعنا للبحث عن «أوراق الأشجار المبعثرة»، مع علمنا أن الأمر مجرد ذكرى. وهذا ما عبّر عنه ديكنز نفسه بالقول: «أجلس دائماً للكتابة، وأحسّ أن قوة حميدة تكشف لي عن كل ما أريد، وتدعوني للانتباه إليه، بحيث إنني لا أخترع شيئاً. فقط أكتب ما أراه».
«إن المأساة والخيال لا ينفصلان بالكاد من ذهن ديكنز»، كما يكتب المؤلف. لقد تأثرت كتابته دائما بحياته وبعدد من المواقف المتجذّرة في أعماقه. وعنصر ثابت آخر لديه تمثّل في الحكايات الشعبية والتراثية التي سمعها أثناء طفولته ومراهقته.
هكذا ظل لديه حس «اللقاء مع الجمهور»، كما في المسارح الشعبية أيضا. ومن هنا أيضا أحسّ ديكنز بوجود «رابطة شخصية» مع قارئه، حيث كانت زيادة التوزيع لا تعني له شيئاً، فالوصول إلى القارئ أبعد وأهم بالنسبة له من المسألة التجارية.
لقد تحدث دائماً عن علاقة «التعاطف والثقة» بين الكاتب والقارئ. الكاتب يطمح لنيل اهتمام القارئ، لكن عليه أيضا أن يحس بالمسؤولية حياله. «إن كاتباً لديه قراء كُثر عليه واجب أن يكتب وأن يكون مسؤولا»، يقول ديكنز. وبهذا المعنى كان «كاتباً ملتزماً» بالاهتمام بقضايا ذات طابع إنساني وتهم القارئ في الوقت نفسه.
ويركّز المؤلف على القول إن ديكنز أراد أن تكون «حياته الخاصة» مدعاة للاحترام في الحياة العامة. لقد تزوّج باكراً. وأنجب 10 أطفال. وقد ظلّ لسنوات طويلة وفيّاً بعد الزواج إلى أن صادف «نيللي تيرنان»، الممثلة الشابة ابنة ال18 ربيعا. كان عمره آنذاك 45 سنة.
لقد عاش بعدها «ثنائية» في حياته، تركت أيضا آثارها في أعماله الأدبية. هذا ما يبدو من واقع أن رواياته التالية كانت حافلة بشخوص الرجال الذين يعيشون حياة سرية في ظل «ازدواجية الهوية».
بالمقابل كانت «التوترات» التي رافقت حياته الجديدة ومحاولاته المتنوعة للتبرير، والتي رافقته ما بقي من حياته، دفعته إلى الانغماس في العمل أكثر، الهروب إلى العمل، إذ إن «الراحة لا مكان لها بالنسبة للبعض في هذه الحياة»، كما ينقل عنه المؤلف قوله. ثم يؤكد أنه كان طيلة مسيرة حياته ممزقاً بين مسؤوليات أسرته الكبيرة والواجبات الاجتماعية الكثيرة والنقاشات والجدل حول أعماله واللقاءات السرية لاحقا مع «نيللي».
لقد توفي تشالز ديكنز، أحد أكبر أعلام الأدب العالمي، عام 1857، بعد حياة حافلة بالأحداث والمنعطفات، وممزوجة ب«خيط من التشاؤم»، يؤكد عليه المؤلف في جميع فصول هذه السيرة.
المؤلف في سطور
يشغل مايكل سلاتر منصب أستاذ الأدب «الفكتوري» في جامعة لندن. كان رئيساً لجمعية أصدقاء «تشارلز ديكنز» الدولية. وهو أحد أهم الأخصائيين الدوليين بالأديب الانجليزي الكبير. من مؤلفاته: «ديكنز والمرأة» و«ديكنز، الصحافي». وعي متفرّد لقد سمع ديكنز حكايات عن «المرأة البيضاء الغريبة في شارع بيرفرز»، والتي كانت تلبس ثوب زفاف باستمرار. وراقب حياة عمال تفريغ شاحنات الفحم، وأشياء أخرى كثيرة «سجّلتها» ذاكرته، مما منحه نوعاً من «الوعي» الفريد بالقياس إلى أقرانه. وهو وعي لم يكن بعيداً عن عبقريته الأدبية لاحقاً.
الكتاب: شارل ديكنز حياة عبر الكتابة
تأليف: مايكل سلاتر
الناشر: جامعة يال 2009
الصفحات: 720 صفحة
القطع: المتوسط
Charles Dickens
Michael Slater
Yale University Press 2009
720p.

