«المجتمعات الناجحة» كتاب جماعي يسهم فيه 12 باحثاً، أغلبهم من الأساتذة الجامعيين في الولايات المتحدة وكندا، وبإشراف الأستاذين في جامعة هارفارد «بيتر هول» و«ميشيل لامونت». وهم يبحثون في مسائل تأثير المؤسسات والثقافة في الصحة من خلال مجموعة من العناوين مثل: «صحة السكان ودينامية التنمية البشرية» و«الصحة والعلاقات الاجتماعية والنظام العام».. الخ.

بالإجمال تتركز مساهمات هذا الكتاب العشرة على البحث في مسألة الصحة العامة للسكان باعتبارها المؤشر الأساسي على النجاح الاجتماعي. وهذا كمحاولة للإجابة على السؤال التالي: لماذا نجحت بعض المجتمعات أكثر من غيرها في تأمين الرفاهية الفردية والجماعية لأبنائها؟ وعبر التركيز على مسألة الصحة تحديداً يحاول المساهمون فتح منظور جديد يجعل من هذه المسألة أحد مشارب البحث الأساسية في علم الاجتماع المقارن ومستوى التنمية.

ويكتب بيتر هول، أحد المشرفين على هذا الكتاب، أنه: «بينما يكتسي الحصول على العلاج أهمية كبيرة بالنسبة للمواطنين عامة، نعتقد أن صحتهم تتعلق بدرجة أقل بنوعية العلاج أو بكمية المبالغ التي يتم إنفاقها في هذا المجال مما هو بنوعية الحياة اليومية التي يعيشونها». وهذا ما يثبته أيضاً المساهمون في الكتاب بمختلف مشاربهم واهتماماتهم الديموغرافية أو البسيكولوجية أو السياسية أو الوبائية وفي إطار البحث عن تحديد مقومات «المجتمع الناجح».

لا شك أن هناك تعريفات متعددة ومتنوعة في ما يخص مفهوم النجاح الاجتماعي. والتعريف الوارد في هذا الكتاب يقوم على أساس «الصحة العامة»، حيث يتفق الجميع على أن توصل المجتمعات إلى تحقيق نتائج متقدمة على الصعيد الصحي من خلال التقليل من نسبة وفيّات الأطفال وإطالة معدل طول الأعمار يمكن اعتبارهما كمؤشرين، بل كمرجعين، في تقييم مستوى النجاح الاجتماعي. لكن شريطة عدم إهمال العوامل الاجتماعية والثقافية كما يؤكد المساهمون.

هكذا تقول «ميشيل لامونت» المشرفة الثانية على الكتاب، أن «مسائل الثقافة والمعتقدات العامة السائدة والهوية الجماعية هي أمور لم يتم أخذها حتى الآن بعين الاعتبار كثيراً في طرق تفكير أخصائيي انتشار الأوبئة بمسائل الصحة العامة». وتشرح المؤلفة في مساهمتها الكيفية التي كان فيها للتمييز العنصري دور في خلق تفاوت «صحي» حقيقي بين الأميركيين من أصول إفريقية وبين البيض.

بهذا المعنى تقوم المجتمعات بإنتاج نمط التعامل مع الصحة العامة لأبنائها. وفهم هذا النمط لا يستدعي اللجوء إلى خبراء الصحة والطب فقط ولكن أيضاً، وربما خاصة، إلى علماء الاجتماع والمؤرخين والاخصائيين بالمسائل المتعلقة بالأوبئة. بتعبير آخر من المطلوب القيام بتحليل «ثقافي ومؤسساتي واجتماعي- بنيوي» لتحديد مستوى «نجاح المجتمع» على صعيد الصحة العامة لمواطنيه. لكن هذا لا ينفي أبداً أهمية الموارد الاقتصادية للمساهمة في صياغة المجتمع الناجح.

وإذا كانت مساهمات هذا الكتاب تؤكد مسألة تعريف: «المجتمع الناجح» من خلال مستوى الصحة العامة لأبنائه، فهي تذهب أبعد من الميدان الصحي حصراً. ذلك من خلال التأكيد أن الزيادة في المرتبات والأجور قد تساعد على زيادة درجة رفاهية المعنيين بها. ولكن «الصحة الاجتماعية» لشعب ما يمكن اعتبار أن مجتمعه قد حقق له درجة من «النجاح» لا ترتبط أبداً بالنموذج الذي يقدمه اقتصاد السوق بنسخته «العشوائية» بعيداً عن المنظومات الثقافية للتضامن. ثم إن إجابات المجتمعات على مسألة الصحة تختلف حسب ثقافاتها وأنماط المؤسسات السائدة فيها.

هكذا تقارن إحدى مساهمات الكتاب التي كتبتها «آن سويلدر» الباحثة الاجتماعية العاملة في جامعة بيركلي بكاليفورنيا بين إجابات بلدين إفريقيين يعانيان من كثرة الإصابات بمرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» وهما اوغندة وبوتسوانا.

وفي الوقت الذي يتم فيه النظر إلى هذه الأخيرة، بوتسوانا، أنها الأفضل من حيث التنظيم على الصعيد الصحي ومستواه، فإن اوغندة هي التي حققت النجاح الأكبر على صعيد الحد من انتشار المرض.

السبب الجوهري الذي تقدمه التحليلات المقدمة يكمن في القول إن شبكات التضامن الاجتماعي بين المجموعات المحلية في اوغندة دعمت برامج صحية أكثر فاعلية مما كان الأمر عليه في بوتسوانا.

التفاوت الكبير على الصعيد الاجتماعي له إذاً آثاره المباشرة في مستوى النجاح الاجتماعي في المجتمعات. ولا يكفي امتلاك مؤسسات النجاح الاجتماعي في المجتمعات. ولا يكفي امتلاك مؤسسات متقدمة وممارسات «إدارية» فاعلة لتحقيق «المجتمع الناجح».

ونقرأ في ما كتبه بيتر هول عن هدف المساهمين بالكتاب: «ما نعتقده هو أن وصول الجميع إلى العلاج الطبي ليس في النهاية الحل الحاسم لتحسين الصحة. ذلك أنه ينبغي اندماج هذا الحل في إطار الإجراءات التي تؤدي إلى تحسين نوعية العلاقات الاجتماعية بين مختلف مكونات السكان، والنقاشات حول العلاج الصحي ليست سوى الجزء البارز من جبل الجليد».

أبعد من العلاج

تتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي تتردد في مختلف مساهمات هذا الكتاب بالقول إن الواقع الصحي أصبح يمثّل أحد مراكز اهتمام الدول والحكومات في مختلف البلدان. لقد أصبح «قضية وطنية». لكن ما يتم تأكيده هو أن الأهمية المركزية ليست مرتبطة ب«مستوى العلاج ونوعيته» بمقدار ما ترتبط بنوعية الحياة اليومية للناس.

المشرفان في سطور

المشرفان الرئيسان على هذا الكتاب الجماعي، بيتر هول وميشيل لامونت، أستاذان جامعيان. يعمل الأول أستاذاً للدراسات الأوروبية في جامعة هارفارد وهو أحد مديري برنامج «نجاح المجتمعات» في المعهد الكندي للدراسات المتقدمة. من مؤلفاته: «إدارة الاقتصاد» و«تنوعات الرأسمالية».. الخ.

والثانية، ميشيل لامونت، هي أستاذة الدراسات الإفريقية والإفريقية-الأميركية في جامعة هارفارد. من مؤلفاتها: «كرامة العاملين» و«المجالات الثقافية والعرق» و«إعادة التأمل بعلم الاجتماع الثقافي المقارن».

الكتاب: المجتمعات الناجحة، كيف تؤثر المؤسسات والثقافة في الصحة

تأليف: بيتر هول ميشيل لامونت، وآخرون

الناشر: جامعة كمبردج 2009

الصفحات: 358 صفحة

القطع: المتوسط

Successful societies, how institutions and culture affect health

Peter Hall, Michelle Lamont and

Cambridge University Press 2009

358p.