يشكّل موضوع التغيرات المناخية وسخونة الأرض أحد أهم موضوعات النقاش المطروحة أمام العالم اليوم. وهو أحد أكثر الموضوعات المثيرة للجدل بين أولئك الذين يدقّون ناقوس الخطر محذّرين منذرين من الخطر القادم إذا لم يغيّر البشر عاداتهم ويوقفوا انبعاث الغازات من المصانع والمحركات، وبين الآخرين الذين يرفضون المقولة من أساسها، ويعتبرون أن الخطأ فيها أكثر من الصواب بكثير وأنه ليس هناك تهديد مناخي ولا من يحزنون.

«بجورن لومبورغ» هو من بين المنذرين المحذّرين بالخطر المحدق كما يبدو في كتاب الذي يحمل عنوان «اجعلوها باردة باعتدال»، ويقصد بذلك الأرض. وهو يقدّم نفسه من موقع «المحامي» الأكثر إنسانية في ما يتعلّق بالنظرة إلى التبدّل المناخي. ذلك أنه، على عكس آخرين، لا يقول بحتمية «مخرج واحد» وتجاهل جميع «المخارج» الأخرى الممكنة. ذلك على خلفية نظرته للأرض بشموليتها ودراسة جميع المشكلات التي ينبغي على البشر مواجهتها بمنظور التأمل بأفضل الحلول الممكنة وبالكيفية التي ينبغي تطبيقها على أساسها.

يشير المؤلف في بداية كتابه إلى أن اهتمامه ينصبّ بالأحرى على المشكلات الحقيقية دون التوقف طويلاً عند نقاشات وسائل الإعلام. ثم يفنّد مباشرة أسطورة «الدببة البيضاء» المعرّضة للخطر مبيّناً أن سلسلة الرسوم المتحركة التي اشتهرت بها لا تستند إلى ما يسندها في العالم الحقيقي، حيث إن عدد هذه «الدببة» يزيد، بل وزاد بخمسة أضعاف منذ سنوات الستينات المنصرمة.

في الفصول الأولى من الكتاب يشرح المؤلف المظاهر التي تجلّت فيها أشكال الخوف من التبدّل المناخي، وفي مقدمتها الازدياد الكبير بدرجات الحرارة، بحيث يصبح العيش صعباً، ووصولاً إلى «الموت بسبب الحرارة» ومظاهر أخرى هي «انقراض بعض الأنواع» والكلفة الباهظة للحد من انبعاث غاز الفحم والتكنولوجيات المطلوبة للتوصل إلى ذلك.

وحيال مجمل هذه المظاهر يؤكد المؤلف قناعته الحازمة الجازمة بأن «التغيّر المناخي قادم». وهو يقدمّ من موقع «رجل الإحصاء» مجموعة من التقديرات عن كلفة هذا التغير المناخي وكلفة مواجهته. ويصل في النتيجة إلى القول: «إننا سوف ندفع بنهاية المطاف مبالغ أكبر في بحثنا عن حلول جزئية مما هو لو لجأنا إلى معالجة المشكلة كلها جملة واحدة».

إن المؤلف يقبل بوضوح المقولة الشائعة حول أن النشاط الإنساني هو المسؤول من زيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، الأمر الذي كان بدوره مسؤولًا عن زيادة سخونة الأرض خلال العقود الأخيرة المنصرمة. لكنه يؤكّد في الوقت نفسه، أن المطلوب والملحّ هو التصدي لأسباب المشكلة وليس فقط لنتائجها. إذ يرى أن «المطلوب هو سياسات تستهدف العوامل الاجتماعية أكثر مما هو تبنّي سياسات مناخية». ثم يضيف كي لا يتهمه البعض بعدم الاهتمام الجدي بالتحدّي المناخي: «من السيّئ بالتأكيد المبالغة في التقليل من خطورة التغيّر المناخي».

بالمقابل يقدّم المؤلف في كتابه نظرة شاملة، وموجزة، للحالة التي وصل إليها «علم المناخ». ويؤكد بناء على ذلك واقع زيادة درجة سخونة الأرض خلال العقود المنصرمة، وأن نسبة هذه الزيادة هي «أكبر» من تلك الناتجة عن التغيرات الطبيعية. كذلك يرى أن المائة سنة القادمة قد تشهد تأثيرات ممكنة على البيئة كنتيجة مباشرة لزيادة درجة سخونة الأرض. هذا مع الإشارة أيضاً إلى أن الزيادة لن تكون متساوية في جميع المناطق بحيث أن المناطق المعتدلة والمناطق القطبية ستشهد ارتفاعاً أكبر من المناطق الاستوائية. وفي المحصلة سيكون التبدل مهماً، لكن دون الوصول إلى إثارة أزمة حقيقية.

الفكرة الأساسية التي يدافع عنها مؤلف هذا الكتاب مفادها قبوله بواقع أن التغيّر المناخي ومظاهر سخونة الأرض والاحتباس الحراري، يثير مشكلة حقيقية تستأهل أخذها على محمل الجديّة، لكن دون الذهاب إلى حد التهويل والقول إن الأمر سيؤدي إلى كارثة، كما يقول البعض. إنه يرفض من جهة، حالة «الهستيريا» التي تدفع أصحابها إلى حد الحديث وكأن نهاية العالم قريبة، كما يطالب من جهة أخرى، بضرورة مواجهة المشكلة كواقع شامل وليس «التبذير في الإنفاق» لمجموعة من الحلول الجزئية التي لن تؤدي إلى أية نتيجة حاسمة.

وأمام المشكلة «في أبعادها القائمة على المعطيات المُبرهن عليها» يرى المؤلف أنه «ينبغي وضع جميع الخيارات السياسية على طاولة البحث». ذلك أن «الغاية في نهاية المطاف ليست الحد من انبعاث غاز الكربون فحسب، لكن أيضاً جعل الوضع أفضل بالنسبة للبشر وللبيئة». كما يرى أنه من الأهمية أكثر مواجهة المشاكل الاقتصادية الكبرى ومعالجة أشكال التبذير الاستهلاكي والبحث «على المدى القصير والمتوسط» عن سبيل الوقاية من الأمراض، وتأمين مياه الشرب للملايين ومكافحة سوء التغذية مما هو التصدّي لمشكلة زيادة سخونة الأرض.

وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يقترح المؤلف بعض الحلول «القابلة للتحقيق» في منظور الحد من آثار مشكلة التغير المناخي. إنه يقترح فرض ضريبة على غاز ثاني أكسيد الكربون «بمستوى معقول اقتصادياً يعادل نحو 2 دولار للطن وبحيث لا تتجاوز 14 دولاراً للطن». ويقترح أن «تنفق جميع الأمم نسبة 5,0؟ من دخلها القومي للبحث ولتطوير تكنولوجيات التي لا يترتب عليها انبعاث غاز الكربون».

ليست نهاية العالم

يتم التحذير على مدى تحليلات هذا الكتاب من المبالغة في الآثار المرتقبة على السخونة العامة للأرض. وفي مقدمة هذه الآثار ارتفاع مستوى البحار وحالات الجفاف الطويلة وأشكال الندرة الغذائية وغير هذا من «اللافتات» التي يرددها «مناضلو» حركات الدفاع عن البيئة. المسألة لا تتعلق إذاً بنهاية العالم ولكنها تشكل «مرحلة أولى» نحو القيام بعملية تقييم عقلانية للواقع المناخي.

المؤلف في سطور

يمثّل الباحث الدانماركي «بجورن لومبورغ»، مؤلف هذا الكتاب، أحد أشهر المدافعين عن البيئة في العالم أمام خطر تغير المناخ والاحتباس الحراري. وهو بالأصل مختص بمجال الإحصاء. من كتبه: «المدافع المتشكك عن البيئة»، و«الأزمات الشاملة والحلول الشاملة» و«كيف يمكن إنفاق 50 مليار دولار من أجل جعل العالم أفضل».

الكتاب: اجعلوها باردة باعتدال

تأليف: بجورن لومبورغ

الناشر: فنتاج بوك نيويورك 2009

الصفحات: 272 صفحة

القطع : المتوسط

Cool it

Bjorn Lomborg

Vintage Books USA New York 2009

272p.