من المؤكد أن هناك عدة سمات تبدو مخيفة للقراء في رواية ستيفن كينغ الجديدة «تحت القبة»، فوزنها يعادل وزن قالب طوب ثقيل، وهي تضم خارطة للأماكن والشخصيات التي لا تقل عن مئة شخصية ومع ذلك فإن المقدمة التي تنطلق منها يمكن تلخيصها في ثوان قلائل.

جوهر هذه المقدمة هي أنه في يوم خريفي جميل تتجسد قبة شفافة فوق بلدة تشسترز ميلر في ولاية مين، وبمجرد هبوط القبة إلى موضعها فإن كل تفاصيل الحياة اليومية تتوقف، وتسود الفوضى كل الأمور وتغدو مخيفة بلا حدود، ويصبح أبناء البلدة ألعوبة بين أصابع القدر.

هذه المقدمة تتيح العديد من الخيارات أمام المؤلف للمضي قدما بروايته، وهو يؤثر المضي خطوة فأخرى في تحديد هذه القبة المجهولة، التي تفرض حضورها المخيف على البلدة، ففي الخطوة الأولى نجد أن حيواناً من نوع المرموط على الأرض ومدرباً على الطيران في الجو يدعى تشك يذهبان ضحية لهبوط القبة الذي يشبه تأثير حافة المقصلة.

وفي الخطوة الثانية نجد البطل، الذي يعمل طاهياً، والذي كان من قدامي المحاربين في العراق، ويدعى ديل بربارا، يتطلع إلى أعلى، فيرى مقدمة طائرة تشك وهي تهوي إلى الأرض، بينما مؤخرتها يسحقها حاجز خفي، أصبحنا نعرف أنه يمتد عاليا في السماء. وعلى الرغم من أن الكوارث المترتبة على القبة، والقاتلة بالتأكيد، لا توصف بصورة مخيفة.

وفي الخطوة الثالثة يلوح ديل بربارا في فزع لغريب طالباً العون، فيسير الغريب باتجاهه، ويرتطم بجدار خفي. وهكذا فإن وجود القبة يعلن عن نفسه، ثم يحدد كينج محيط القبة عبر الرصيد على الطرق المختلفة التي تفضي إلى بلدة تشسترز ميل، ويكتب: «وقبيل ظهيرة يوم القبة يغلق كل طريق منها».

وبالكفاءة نفسها ينطلق كينغ ليقدم أنشطة الأعمال المختلفة في البلدة من مطاعم وصحف ومؤسسات كالمستشفى والمسؤولين كالشرطة موقعة على خريطة البلدة، وهكذا فإن القبة تحاصر الهواء في البلدة، وتبدو جلية كحاجز ريح متسخ في سيارة. وهكذا يمضي كينج عبر حوالي 1100 صفحة من دون أن يكون مضطراً للإجابة عن الأسئلة الواضحة: ما هو هذا الشيء؟ كيف وصل إلى هنا؟ لماذا وصل إلى هنا؟ ماذا إذا لم يبتعد؟ والرواية لا يمكنها أن تتجنب هذه الخواطر إلى الأبد، ولكنها لا يمكنها أن تؤجلها بسهولة تعد درجة إضافية من درجات إعطاء المؤلف أهمية للإنسانية أكبر مما يعطيه للرعب.

وعلى امتداد الرواية نجد أصداء أحداث الحادي عشر من سبتمبر والإعصار «كاترينا» والعراق تساعد في تشكيل رؤية هذه البلدة الأميركية للعالم الأوسع نطاقاً، وتصل أطقم التصوير التابعة لمحطات التلفزيون الوطنية إلى مدار القبة لسبر أغوار هذا الحدث الهائل، وينقل ما يلاحظوه في يوم زيارتهم للمكان عندما يسمح لأقارب أبناء البلدة من خارجها بالاقتراب من سطحها الخطر إحساساً حقيقياً بالمأساة.

وفي مواجهة هذا المشهد نجد أنفسنا أمام الموضع الأكثر تحليقاً في مجمل أعمال كينج من حيث اصطدام عالمي الواقع والفانتازيا بمثل هذا العنف وتلك الضراوة. هذه العودة من جانب ستيفن كينغ إلى الرعب الفائق للطبيعة لا يمكن إلا أن تكون عملاً شديد الجاذبية ولا يقاوم، فهذه القوة الغامضة التي تحيط بالبلدة في صورة القبة الخفية تفرض على أبناء البلدة بذل قصارى جهودهم ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة.

ذلك أن الموقف يتردى بسرعة بالغة بسبب التأثيرات البيئية المروعة للقبة والوسائل التي يلجأ إليها جيم ريني الكبير، ذلك السياسي المحلي وتاجر المخدرات الذي تروق له فكرة وجود الهيمنة على سكان البلدة المعزولين، ويتصدى له بالمقابل ديل باربرا وجوليا شومواي رئيسة تحرير الصحيفة المحلية بالبلدة وعدد من شباب البلدة.ويعالج كينغ هذا الحشد الهائل من الشخصيات باقتدار وببراعة لا يمكن إلا أن تلفت نظرنا حقاً.

ومن المحقق أن القراء سوف يتعرفون في هذه الرواية على موضوعات وصور وملامح من أعمال كينغ السابقة، وبينما لا تحظى «تحت القبة» بالثقل الأخلاقي الذي تتمع به رواية مثل «المنصة» لكينج نفسه، إلا أنها تظل انطلاقة بلا توقف من الإثارة والتشويق، فضلاً عن أنها تظل تأملاً مؤثراً ومثيراً للقلق في قدرتنا على التعامل مع الخير والشر على حد سواء.

وفي هذا الحشد الكبير من الشخصيات الذي تضمه الرواية، والذي يصل إلى مئة شخصية، لا نملك إلا أن نتوقف عند مجموعة محددة من الشخصيات تتميز باستعصائها على النسيان.في صدارة هذه الشخصيات ديل باربرا الذي ينتمي إلى قدامى المحاربين، ولا يكف عن الانتقال، ويمضي مثقلاً بالشعور بالذنب من جراء الوقت الذي أمضاه خلال الحرب في العراق، وعمله كطاه في مطعم سويتبراير روز هو أقرب شيء بالنسبة له إلى الحياة العائلية. وعندما يتصل به قائده القديم كولونيل كوكس من خارج البلدة فإن العبء الذي يثقل كاهله يصبح هو البلدة ذاتها.

ومن الشخصيات التي تستقطب اهتمامنا أيضاً شخصية جوليا شومواي رئيسة تحرير الصحيفة المحلية في البلدة وناشرتها، والتي تتسم بالجاذبية الشديدة، وهي تبدو واثقة من نفسها إلى حد كبير، وتجد نفسها منجذبة إلى ديل باربرا، وتكتشف أن أكثر لحظات حياتها ضعفاً وتهافتاً هي أكثر لحظات عمرها تحريراً لها.

وتلفت نظرنا شخصية جيم ريني، أو جيم الكبير كما يطلق عليه الجميع، وقد كان أصلاً تاجر سيارات مستعملة، يلفت النظر بابتسامته الحادة، وتجرده من الدفء، الذي لا يمنحه لجيرانه ولا لزبائنه ولا لزوجته المتحضرة ولا ابنه المتردي، لأنه دفء لا يملكه أصلاً، وهو يمضي في حياته كرجل اعتاد أن يركل المؤخرات، وبالتالي فإن مأساة البلدة تبدو له شيئاً يمكنه التوافق معه، حيث تتيح له أن يحكم سيطرته الباطشة على أبنائها.

ونتوقف أيضاً عند جوزيف ماكلاتشي، أو جوزيف الفزاعة كما يدعوه أبناء البلدة، وهو فتى في الثالثة عشرة من عمره، وعلى الرغم من ذلك فإنه يفوق الجميع ذكاء ولماحية، ويبرهن على ذلك عبر العديد من المواقف المعقدة.

وبمعنى من المعاني يمكن قراءة هذه الرواية باعتبارها محاولة لتلخيص العقد الماضي من حياة أميركا، وصولاً إلى التمزقات السياسية في واجهة وجود بلدة أميركية، ويرغب بعض أبناء البلدة في المضي قدماً بصورة عقلانية، ويرغب البعض في استغلال الموقف لصالحهم، وبتطور الكفاح من أجل الحفاظ على الطابع العادي للحياة إلى صراع من أجل البقاء، فيما تفسح العادات والتقاليد المجال أمام الإيقاع اللاهث للوحشية المفزعة.

وعندما تتداعى الأحداث في البلدة إلى صراع وحشي بين «نحن»، و«هم»، فإن كينغ يغوص عميقاً في تفاصيل الحياة والطعن في الظهر والتقولات في البلدان الأميركية الصغيرة مما يجعل الثلث الأوسط من الرواية غارقاً في محيط التفاصيل.

وليس هذا هو العيب الوحيد في الرواية، بالطبع، فهي تعاني أيضاً من تأثير انعطافها الفائق للطبيعة، وجانب يعتد به من ذروتها يعطي القارئ الشعور بأنها أمام حل وسط اعتمده الكاتب.ومع ذلك فإن الكثير من مباهج هذه الرواية ومصادر المتعة فيها ينبع من استمتاع القارئ بالأداء الرشيق لروائي متمكن وهو يقدم أفضل ما لديه من خلال رؤية يشوبها التشاؤم.

وفي نهاية المطاف، تظل أمام رواية شديدة التميز، ربما احتاجت إلى عدة عقود لتنضج على مهل، فإذا بها تطل أمامنا في نهاية المطاف عملاً روائياً شديد الجاذبية، على الأقل بالنسبة لمن يحبون هذه النوعية من روايات الإثارة والتشويق.

الطائرة والأفق

«من ارتفاع ألفي قدم، حيث كانت كلوديت ساندرز تتلقى درساً في الطيران، بدت بلدة تشسترز ميل متألقة في ضوء الصباح، مثل شيء أعد حديثاً ووضع مكانه لتوه. مضت السيارات تشق طريقها على امتداد مين ستريت، عاكسة التماعات من الشمس، وبدا برج كنيسة كونجو مستدقاً بما فيه الكفاية لاختراق السماء التي لم تسترد صفاءها. وبدت الشمس متألقة على سطح غدير بريستيل فيما كانت الطائرة من طراز «سينيكا ـ 5» تحلق فوقها، وكان كل من الماء والطائرة يخترقان البلدة في الاتجاه الشاقولي ذاته».

الكتاب: تحت القبة

تأليف: ستيفن كينج

الناشر: سكريبنر

نيويورك 2009

الصفحات: 1088 صفحة

القطع: المتوسط

Under the Dame

Stephen King

Scribner,N.Y., 2009

1088P.