يرصد كتاب «تاريخ الإذاعة الفلسطينية ـ هنا القدس»، لمؤلفه نصري الجوزي المقدسي، والصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب -2010، أحداث وقصة أول إذاعة حكومية في الشرق الأوسط، (هنا القدس)، وهي الإذاعة التي أسسها الإنجليز في عام 1936، بغرض استمالة العرب الفلسطينيين، الذين بدأوا يكرهونهم وينقمون عليهم جراء سياساتهم المحابية لليهود، لا سيما فيما يتعلق بتشجيع الهجرة «الهجرة اليهودية» إلى فلسطين، وبيع الأراضي للصهاينة.

يروي المقدسي في هذا الكتاب، ذكرياته عن تاريخ الإذاعة ومَن عمل فيها من الأدباء والأعلام، وكيفية انتقال الحراك السياسي إلى أروقتها، متوقفاً بشكل مطول عند نقاط وقضايا شؤونها وشجونها، والظروف الصعبة والمعارك السياسية والإعلامية التي خاضها رواد هذه الإذاعة، من الكتّاب والأدباء الفلسطينيين، في مرحلة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين.

ويطلعنا المؤلف على حقيقة أن المثقفين الفلسطينيين قبلوا التحدي آنذاك، وشاركوا في برامج الإذاعة للكشف عن الأكاذيب والتزوير الرهيب الذي خُطِّطَ أن تمارسه هذه الوسيلة الإعلامية، ويتابع المقدسي سرد مختلف المسائل والجوانب في تاريخ وأعمال هذه الإذاعة، فيعرفنا على أن المدير الأول للقسم العربي فيها، كان الشاعر إبراهيم طوقان، الذي أخذ على عاتقه إدارة الإذاعة وتوجيه دفة مسؤولياتها لخدمة أمته وتنبيه الناس إلى الأخطار المحيطة بهم.

ويشرح الكاتب أن سياسة طوقان في إدارة وأداء الإذاعة، تمحورت حول المحافظة على اللغة العربية الفصحى وتقديم التمثيليات الاجتماعية الوطنية وإلقاء المحاضرات التاريخية، حيث أشرك العديد من الكتاب والأدباء في تقديم القصص القصيرة وبرامج الأطفال، وتعاون مع مجموعة من الملحنين والمغنين لتحسين أنواع الأغاني البلدية المقدمة فيها.

وفي محور غني وشيق، ينتقل المقدسي، إلى تبيين ما قدمته تلك الإذاعة من برامج وأعمال في عهد طوقان، وأبرزها: مسرحية صلاح الدين الأيوبي، برنامج حقيقة وفاء السموأل، قصة «عقد اللؤلؤ» (كانت السبب المباشر في إقالته)، ويشير الكاتب إلى أن هذه البرامج أثارت الكثير من التأملات والمعارك الإعلامية والمشادات السياسية الساخنة، ولكن أية محاربة ومواجهة، لم تكن تثني طوقان عن تقديم الصور الحقيقية للأحداث والكشف عن خلفيات بعض السياسات.

ثم يحدثنا المقدسي في مبحث جديد في كتابه، عن عجاج نويهض، المدير الثاني للإذاعة، شارحاً انه اشترط على الإنجليز أن يكون القسم العربي فيها، مستقلاً إدارياً ومالياً، وألا تتدخل الحكومة في ماهية العمل ضمنها، وان يحظر على أي يهودي الدخول إليها. ويتطرق الكاتب إلى محتوى برامج الإذاعة في هذه الفترة، فيوضح أنها ركزت على تشجيع الأدباء والموسيقيين، وتحفيز جميع المواهب لتقديم نتاجاتها الإبداعية عن طريق الإذاعة، وهذا طبعاً إلى جانب عنايتها بتغطية ومواكبة شعائر وفعاليات ومناسبات المواسم والأعياد الإسلامية والمسحية.

وفي خصوص المدير الثالث للإذاعة، الصحافي عزمي النشاشيبي، يختار المقدسي أن يتوسع في سرد إنجازاته، ملخصاً أبرزها بالبدء في البث المباشر من الحرم الشريف والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة، لنقل المناسبات الدينية، إضافة إلى حيوية وتميز التمثيليات والأحاديث والمسرحيات والروايات، إذ لاقت قبولاً نوعياً من المستمعين.

وفي سياق استعراضه لما عايشته وشهدته الإذاعة من ظروف ونجاحات وعقبات، يتناول المؤلف انعكاسات الصعوبات والقوانين المجحفة التي سنتها السلطات الإنجليزية في مجال الإعلام،على الإذاعة الفلسطينية، حيث أخذت الرقابة والصحافة اليهودية تمارس قدراً كبيراً من الضغوط والحد من حرية البرامج، فتدخلت كثيراً في مضمون المسرحيات والتمثيليات، وعرقلت عمل عدد منها.

ويلفت المقدسي، في شأن الحركة الفنية والأدبية الواسعة التي قامت بها الإذاعة، إلى دورها وأعمالها الرائدة في هذا المجال، خاصة وأنها تعاونت مع عدد من الأدباء والمسرحيين والفنانين، فنتج عن ذلك رفدها للحركة والساحة الفكرية والإبداعية بروائع فنية وأدبية خالدة.

ويذكر المؤلف أن من الأدباء الذين تعاونوا مع الإذاعة، وكان لمشاركاتهم وقع خاص، أسمى طوبى، التي ركزت على موضوعات الأم العربية وتربية الطفل. والكاتب عبداللطيف الطيباوي، الذي اعتنى بموضوع التعليم والتربية في العصور الإسلامية، ومحمد عبدالسلام البرغوثي، من أتحف الإذاعة بأحاديثه التاريخية الممتعة، وخليل بيدس، إذ جسد اهتماماً لافتاً بثقافة الشباب، فضلاً عن العديد من الكتاب الآخرين، وفي مقدمهم، إبراهيم عبدالقادر المازني، عباس محمود العقاد، محمد كرد علي، الشيخ عبدالعزيز البشري، نسيم مردم بيك، حنين تقي الدين.

ويتطرق المقدسي بتوسع، إلى موضوع الفرق المسرحية والفنية المتعاونة مع الإذاعة في تلك الآونة، وعلى رأسها «الجوزي»، «جمعية فنون التمثيل»، «الفرقة التمثيلية العربية لجمعية الشبان المسيحية»، «الثقافة والفنون»، «الممثلين العربية»، «اضحك».

وينهي المؤلف كتابه بالتعبير عن حزنه الشديد على الإهمال الذي لاقاه موضوع الإذاعة الفلسطينية، رغم أنها تمثل جزءاً ركيزياً في التاريخ الوطني الفلسطيني، وتفي بدور شحذ ذاكرة كل من يؤمن بأن النضال الثقافي والفكري والإعلامي، لا يقل أهمية عن النضال السياسي.

نضال فكري

تتبدى ملامح تميز هذا الكتاب، طبقاً لموضوعة دراسته، والأسلوب القصصي التاريخي، الذي اعتمد في ذكر معلوماته وتفاصيله، حيث يروي حكاية نضال فكري وإعلامي وثقافي، أدته وتحملت العبء فيه، الإذاعة الفلسطينية (هنا القدس). ونتعرف في مضامينه ونقاط تطرقه، على ماهية الدور الذي مارسته هذه الإذاعة في شحذ وإذكاء مسيرة العمل النضالي الفلسطيني، إلى جانب إطلاعنا على دور وإسهامات رجالات الفكر والوطنيين الذي أداروها وشاركوا في برامجها.

المؤلف في سطور

نصري الجوزي المقدسي، ولد في مدينة القدس عام 1908، وتعلم في مدرسة سان جورج، ثم حصل على شهادة عالية في اللغة الإنجليزية، ثم دبلوم في الصحافة من لندن. مارس التدريس مدة تزيد على ثلاثين عاماً، وأسس جمعيات أدبية وفرق تمثيلية عديدة. واستقر عقب العام 1984 في سوريا، حيث أصبح (ومازال) يدرّس في مدارسها مادتي اللغة الإنجليزية والعربية، وكان عمل في المركز الثقافي الأميركي، كما ترأس قسم الترجمة في القسم الثقافي في السفارة الأميركية. ألف المقدسي مجموعة من المسرحيات والتمثيليات الإذاعية، ولديه كتب منشورة متنوعة، ومنها: تاريخ المسرح الفلسطيني 1918-1948.

رشيد الحاج صالح

الكتاب: تاريخ الإذاعة الفلسطينية هنا القدس

تأليف: نصري الجوزي المقدسي

الناشر: الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2010

الصفحات: 406 صفحات

القطع: المتوسط