يركز هذا الكتاب على شرح أوجه الفشل في آليات ورؤى مواجهة الدول العربية للمشروع الصهيوني، وطبيعة عجز تنظيمها لأسس الصراع معه، فيبين انه إذا نظرنا إلى النظام الرسمي العربي الذي يفترض به أن يواجه المشروع الصهيوني، لوجدنا أن معظم الدول العربية الموجودة، أخفقت في صوغ قاعدة مواجهة علمية ناجعة، جراء تشتت أفكارها وجهودها، وتحولها إلى التركيز على أهمية استقطاب دعم ورضا الولايات المتحدة الأميركية، متناسية ضرورة ودور توظيف إمكانياتها. ولا يهمل الكتاب، توصيف وتحليل ماهية الأزمة الحقيقية الناتجة عن انقسام القوى الفلسطينية، وما عكسه ذلك من تأثيرات على قضية الصراع وقوة مجابهة المشروع الصهيوني.
تقلص المشروع العربي المناهض للصهيونية من حركة ملموسة إلى نظرة غيبية تحاول البقاء على قيد الحياة بدوافع واهية يلقي كتاب «التقصير..الخلل في إدارة الصراع العربي الصهيوني»، لمؤلفه الياس شوفاني، والصادر عن دار الحصاد بدمشق، الضوءَ على الظروف والعوامل التاريخية والذاتية التي أدت إلى التقصير والخلل في إدارة الصراع مع العدو الصهيوني، من الجانب العربي.
ويشير شوفاني في استهلال أبحاث كتابه إلى أن المشروعين العربي والصهيوني، تلازما في الظهور، وذلك خلال بداية القرن العشرين، تقريباً، لكن الفارق هو أن المشروع الصهيوني حقق على أرض الواقع، وبدعم من المراكز الإمبريالية المتعاقبة، قسماً لا يستهان به من أهدافه، وبالأخص في جانبه الامبريالي العدواني، بينما تقلص المشروع العربي المناهض له، من حركة ملموسة إلى نظرة غيبية تحاول البقاء على قيد الحياة بدوافع واهية، ويؤكد الكاتب في هذا الخصوص أن هذا أمر محتوم، لأن بين المشروعين علاقة جدلية عكسية، فكلما تقدم أحدهما، تراجع الثاني وانحسر.
ويتطرق شوفاني إلى أسباب وأرضية هذه النتيجة، لافتا إلى أن العرب لم يشكِّلوا، بعد أكثرَ من قرن على مواجهتهم للمشروع الصهيوني، وعياً معرفياً مطابقاً للواقع عن هذا المشروع، وذلك بصفته ظاهرة استيطانية استرجاعية مرتبطة بالمخططات الإمبريالية تجاه منطقتنا..، وبرايه، أن أدل براهين هذا يظهر في التخبط في الخطاب العربي، الرسمي والشعبي، وحتى في المصطلح الفكري والأدبي، حول طبيعة المشروع المذكور، إلى جانب توصيفه وتحديدات أبعاده وتقدير حجم مخاطره.
ولا يفوت المؤلف أن يبدي لنا كون تواكب وتزامن المحطات الرئيسية في صياغة المشروع الصهيوني وبنائه مع المنعطفات التاريخية المهمة في السياسة الدولية، لم يكن بمحض الصدفة، ويصر شوفاني في هذا الشأن، على أن العلاقة بين انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في سنة 1897، والتحول الكبير في «المسألة الشرقية»، بالنسبة إلى مصير السلطنة العثمانية، وطيدةٌ جداً.
وأيضا لا مجال للفصل بين وعد بلفور في سنة 1917، ونهاية الحرب العالمية الأولى في العام 1918، إضافة إلى الترتيبات التي اتخذت عالمياً بمقتضى منعكساتها، وكذلك الحال بالنسبة للحرب العالمية الثانية التي انتهت في العام 1945، فصدر قرار تقسيم فلسطين سنة 1947، وأعلن قيام دولة إسرائيل سنة 1948. وأما الحرب العالمية الثالثة المتضمنة سلسلة من الحروب المدمرة تحت مسمى (الحرب على الإرهاب)، فهي تتحدث عن نظام عالمي جديد بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وهنا بالطبع لن تقف إسرائيلُ متفرجة على هذه الحروب، فما انفكت ترتب أوضاعها للانخراط في إستراتيجية هذا النظام الجديد.
وينتقل الكاتب إلى محور خاص يعرفنا فيه على أنه لعبت المنظمة الصهيونية العالمية، خلال قرن ونيف من الزمن، دوراً كبيراً على الصعيد الدولي، وهو دور مهم للغاية في صياغة العلاقات بين القوى الدولية الفاعلة، فحركة هيرتزل، استغرقت زمناً طويلاً في الحصول على «البراءة» الإمبريالية، وفي شرح الفوائد التي ستجنيها القوى المعنية من قيام الكيان الصهيوني في فلسطين.
حيث برز عقبها دور وايزمن من لندن، إذ عقد في عام (1920) المؤتمر المصيري للعمل الصهيوني، ومن ثم قام بن جوريون بسلسلة من التحركات على الصعيد الدولي، بغرض إقناع «الوكالة» الاستعمارية باعتماد إسرائيل كشرطي في المنطقة، وإثر ذلك، في عهد مناحيم بيجن، وبالتحديد في سنة 1981، تم الإعلان رسمياً عن التعاون الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، وهي مثلت خطوة جبارة لصالح المشروع الصهيوني.
وفي فصل خاص حول مشاريع التسوية، يوضح الباحث شوفاني أن العمل على إيجاد تسوية بين طرفي النزاع، يغلب عليه الابتعاد عن حل التناقضات الجذرية بينهما، فالمشروع الصهيوني، رغم نجاحاته الكثيرة، لم يستكمل بناءه بعد، على الصعيد الجغرافي والديموغرافي والسياسي، ولم ينجز دوره الوظيفي كاملاً، حسب ما تقتضيه الفكرة الصهيونية الأصلية، ولعل سلوك قادة إسرائيل أثناء العقود الماضية، في إفشال المفاوضات والتهرب من توقيع المعاهدات السلمية، يثبت أن المشروع الصهيوني غير مهيأ للتسوية.
ويفهمنا أن العرب قد وقعوا، لهذا السبب، في خطأ استراتيجي، لا يمكن إصلاحه بمناورات تكتيكية، فأضاعوا الكثير من الوقت في محاولات البحث عن تسوية، ونتبين مع الكاتب أنه من أغرب المقولات التي روجتها الفئات السياسية السائدة في الأمة العربية، هو (أن مصلحة أميركا معنا، فلماذا لا تعاملنا كما تعامل إسرائيل؟)..، فهذه المقولة أدت إلى تسابق بعض الأنظمة العربية لمنافسة إسرائيل على كسب ود أميركا!
ويرى شوفاني انه بمقدورنا القول إن الحركة الصهيونية نجحت في تحقيق الشق الإمبريالي من مشروعها الذي يتجلى في تأمين القاعدة الاستيطانية للثكنة العدوانية، وفي استمرار العلاقة المتميزة مع المركز الإمبريالي الحالي (أميركا)..، إلا أنها لم خابت في تحقيق البند اليهودي، وبقيت مسألة تهويد فلسطين تشكل أزمة رئيسية للمشروع الصهيوني، خاصة وأنها أخفقت، لغاية الآن، في تجميع غالبية يهود العالم في إسرائيل، وفشلت في خلق «اليهودي الجديد، كما يتبدى لنا بجلاء أن إسرائيل، ومع احتلالها فلسطين كاملة، وإجلائها قسم كبير من شعبها عن أرضه، أخفقت في تهويدها، وفي تغييب الشعب الفلسطيني، مادياً ومعنوياً.
وينبه المؤلف شوفاني إلى أن النظام الرسمي العربي، شكل في واقع الحال ظاهرة مأزومة منذ البداية، ولم ينجح بالتخلص منها، ولا بالتقدم للقيام بالدور المطلوب منه في مشروع الصراع مع الصهيونية، لأن هذا يتطلب شروطاً أهمها: الوعي المعرفي بوجود الأزمة، وبأن الصراع مع الصهيونية هو مسألة قومية عربية (وإسلامية) وليست مسألة فلسطينية محضة، وغيرها الكثير.
وهكذا فإن طرح إقامة دولة فلسطينية ممسوخة لا يشكل حلاً للأزمة الناجمة عن الفشل في التحرير، كما أن رفع شعار «الأرض مقابل السلام» ينسجم مع طبيعة المشروع الصهيوني والأهداف الكامنة وراء إنشائه أكثر من انسجامه مع طموحات العرب، ولا يغفل الكاتب التذكير بأن للفلسطينيين كذلك، بدؤوا يعانون منذ خروجهم من بيروت (1982)، من «أزمة العمل الوطني».
فعلى الصعيد الداخلي هناك شرخ في العلاقات داخل منظمة التحرير، تجلى في غياب الأساس المادي للوحدة بين القوى، وبالأخص ما يتعلق منها بالثوابت: الشعب والأرض. وعلى الصعيد الخارجي هناك أزمة في علاقات منظمة التحرير على المستويين القومي والأممي.
المؤلف في سطور
الياس شكري شوفاني، كاتب وباحث فلسطيني، من مواليد معليا - فلسطين 1932. حاصل على دبلوم دار المعلمين في يافا، ودبلوم معهد معالم فلسطين-تل أبيب- 1956، وبكالوريوس في الدراسات الشرقية من جامعة برنستن الأمريكية 1966، ودكتوراه في تاريخ الحضارة الإسلامية من الجامعة نفسها 1968. عمل أستاذا مساعداً وأستاذا مشاركاً في جامعتي جورج تاون وماريلاند. ورئيساً لقسم الدراسات الإسرائيلية ودائرة الأبحاث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت (1973- 1982).
خطيب بدلة
الكتاب: التقصير.. الخلل في إدارة الصراع العربي الصهيوني
المؤلف: الياس شوفاني
الناشر: دار الحصاد بدمشق 2009
الصفحات: 206صفحات
القطع: الكبير
