يعد هذا الكتاب توثيقاً نوعياً معمقاً، لسيرة حياة ونهج الحاج محمد مدبولي، أبرز وأهم الناشرين العرب، والذي لعب دوراً كبيراً في حركة الثقافة والنشر في العالم العربي، ليجسد شخصية عربية مصرية مميزة، تربعت، رغم ما واجهته من تحديات وتهديدات عدة، على عرش الشهرة والنجاح في عالم نشر الثقافة والفكر، فشغلت مكانة خاصة، استقطبت معها اهتمام وتركيز مختلف المثقفين والمسؤولين والهيئات في الوطن العربي.

عاش ضد الرقابة التي تقمع الفكر فظل مناصرًا لكل صاحب موهبة حقيقية ومفجرًا للأزمات التي تنتج عن كتب ينشرها عبر مكتبته وسط القاهرة. يرصد كتاب «الحاج مدبولي قصة كفاح»، الصادر عن مكتبة مدبولي في القاهرة، قصة الحاج محمد مدبولي، أحد الناشرين الكبار في العالم العربي، وذلك في إطار الاحتفاء بشخصية ثقافية لها تأثيرها الكبير في أجيال مختلفة، حيث يبين هذا الكتاب أنه عاش ضد الرقابة التي تقمع الفكر، فظل مناصرًا لكل صاحب موهبة حقيقية، ومفجرًا للأزمات التي تنتج عن كتب ينشرها عبر مكتبته التاريخية في وسط القاهرة.

يضم الكتاب ثلاثة أقسام، إلى جانب ملحق مخصص لصوره الفوتوغرافية، ويتناول أولها حيثية وجانب «السيرة والمسيرة» 1950 ؟ 2008، ويحرص ثانيها على عرض «الحوارات» التي أُجريت مع الحاج مدبولي باعتباره «وزير ثقافة العرب»، كما قالت عنه الدوائر الثقافية، وفي القسم الثالث تبرز كتابات من تحدثوا عنه في حياته وبعد رحيله، وأخيرا لقطات من حياة مدبولي مضمنة في مُلحق صور.

يتحدث الفصل الأول في الكتاب «السيرة والمسيرة»، عن مسيرة الحاج مدبولي، التي امتدت قرابة ستين عاما، وبدأت بعد الحرب العالمية الثانية، عندما كان صبيا، يساعد والده في توزيع الصحف والمجلات، فبدأ يفكر في بيع الروايات والقصص، بناءً على طلب المثقفين العرب والأجانب؛ فعرف طريقه إلى دور النشر في «بيروت، دمشق، بغداد»، واستورد كل جديد في مجالات «الرواية، الأدب، الفلسفة»، ويوضح الكتاب في هذا الفصل أنه ومنذ تلك الفترة، امتلك «محمد مدبولي» ملكة تذوق الكتب، وصار على دراية باحتياجات السوق، سواء في مصر أم في البلدان العربية، ما ساعده بعد ذلك في دخوله إلى سوق النشر.

وحول زوار مكتبته، يحكي القسم الثاني من الكتاب، على لسان الحاج مدبولي نفسه، ومن خلال رده على سؤال في احد الحوارات، حول زواره من المسؤولين، إذ يقول: «إن كثيرين كانوا يزورونني في المكتبة، بعضهم منذ أن كان طالبا، ومن الحكام الذين أتوا إليّ حاكم اليمن الجنوبي، والرئيس بن بيلا».

وتحت مسمى «كتبوا عنه»، يعرض الكتاب لأبرز الكتاب والإعلاميين، الذين كتبوا عن الحاج مدبولي، وفي مقدمتهم الإعلامي أحمد منصور، ضمن مقالة بعنوان «مدبولي هرم مصر الذي لن يُهدم»، قائلاً: «إن الحاج محمد مدبولي ظاهرة متميزة في تاريخ الثقافة والنشر العربيين، هو فلاح يحرث حقول المعرفة منطلقًا من «أم الدنيا» إلى جناحيها العربيين: المشرق الأيمن والمغرب الأيسر، لقد كان هذا الرجل جامعة، تعلم القراءة بنفسه، من أسماء الصحف، وعناوينها، وأخذ يتعامل شيئا فشيئا مع الزبائن المصريين، العرب، الأجانب، فأدرك ما نوعية الكتاب الذي يُروَج، من الكتاب الراكد، فغدا خبير الكتاب الأول في مصر».

ولا تغيب عن الكتاب لمحات تشويق وإمتاع خاصين، يتركزان بلغة مميزة تلتزم خط وصنف ال«عمل تذكاري»، فيدور حول ذكريات الحاج مدبولي، مشتملا على مجموعة شهادات وآراء لكبار الكتَّاب والمثقفين، ومن بينهم الروائيان جمال الغيطاني، ويوسف القعيد؛ فتحت عنوان «وداعا.. الحاج محمد»، نقرأ ما كتبه الأديب جمال الغيطاني: «عرفته بائعا للصحف، مجرد «فَرْشَة» في ميدان طلعت حرب ورثها عن والده.

ثم أصبح صاحب كُشك، لم يكن كشكا عاديا للصحف، إنما كان يقدم الكتب لمثقفي القاهرة، كان الحاج ذا ذاكرة مدهشة، لا تسأله عن عنوان إلا وتجده يستخرج من ذاكرته العجيبة كل ما يتعلق به، واكتسب ثقة الناشرين جميعا، حتى أصبحوا لا يفضلون التعامل إلا معه، لم أره في حياتي يُحرر «شيكا»، كان الجيب العميق للجلباب خزينة عامرة، وكان رغم تعليمه البسيط، يقوم بأعقد الصفقات، ولا يكتب ورقة».كما نجد سطورا مميزة للصحافي رشاد كامل في هذا الصدد: «لم يكن مدبولي في حياة القراء والمثقفين مجرد ناشر يبيع الكتب، بل كان ظاهرة فريدة في عالم النشر، طوال أكثر من نصف قرن، فكان فخورا بأصله البسيط الفقير.

ولم يتنكر لأيام الطفولة الصعبة، وبعد أن أصبح واحدا من أكبر نجوم عالم النشر في الوطن العربي، لم يتخل عن جلبابه الشهير الذي سافر به إلى معظم عواصم العالم العربي والأجنبي، وإذا قرر مدبولي أن ينشر لكاتب شاب، أو يعرض كتاب لمؤلف شاب، فهذه شهادة ميلاد من وزير الكتاب العربي بميلاد هذا الشاب في دنيا الكتابة». وأيضا يحوي هذا الباب كتابات لعدد من الكتاب العرب عن الحاج مدبولي، مثل: الكاتب الليبي سالم الهنداوي، والصحفي اللبناني محمد الجعيري.

ويتطرق الكتاب في بحث معمق إلى جدية وموضوعية رؤى ونهج مدبولي في مجال النشر، إذ جعله ذلك حريصا على تبني الترويج للكتاب البناء والحيوي، ومحاربة أو مواجهة الكتاب الهدام، في مقابل ذلك. ويلفت الكتاب في هذا الخصوص إلى انه تمتع بعين ثاقبة مكنته من اختيار أفضل العناوين لإصدارها من مكتبته.

وخاصة معاركه الخاصة ضد المتشددين، فقدم من خلال مكتبته كتبا مثيرة للجدل؛ أثارت انتقادات واسعة، حتى أن متشددين هددوه بالقتل، لكنه لم يخف، واستمر على منواله، ودفعته جرأته إلى نشر كتب المفكر نصر حامد أبو زيد، المنفي في هولندا، ووزعها، فاعتبره المتطرفون ناشرا علمانيا، وفي المقابل أتلف إصدارين للمؤلفة المثيرة للجدل نوال السعداوي، لأنه «يخاف من غضب الله»، كما قال، وهذا ما كشف تحولا مهما في مسيرته كناشر، بنى سمعته كلها على تجارة الكتب الممنوعة والعداء للرقابة.

ويفرد الكتاب في عكسه لحياة ومسيرة وأعمال الحاج مدبولي، فصلا حول الأقوال والاستشهادات، وما يتردد عن مكتبته، على لسان المثقفين في مصر والعالم العربي والإفريقي: «إن الناس تذهب إلى القاهرة، لتستمتع بالنظر إلى نهر النيل، وتشاهد الأهرامات، وتستمع إلى أم كلثوم، وفي ختام الرحلة تذهب إلى مكتبة مدبولي».

وكما قالت الدوائر الثقافية في الصحف العربية عنه: «إن مدبولي هو وزير ثقافة العرب»، وقال بعض الحكام وكبار المسؤولين: «تعلمنا في مكتبة مدبولي مثلما تعلمنا في جامعة القاهرة، فأحيانًا كنا نستعير الكتاب أو الرواية، بل نقترض بعضًا من المال من الحاج مدبولي، حتى تصلنا التحويلات من أهلنا، فالمكتبة وصاحبها مَعلم من معالم القاهرة، لا تكتمل زيارة أي وفد أو مسؤول إلا بزيارة المكتبة، والتعامل مع صاحبها الذي رحل عن دنيا الكتاب والثقافة».

دار الاعلام العربية

الكتاب: الحاج مدبولي قصة كفاح

الناشر: مكتبة مدبو لي القاهرة 2010

الصفحات: 241 صفحة

القطع: المتوسط