يعد المخرج والمؤلف المسرحي والسينمائي الإماراتي، صالح كرامة العامري، من أبرز المبدعين والمبرزين، الذين استطاعوا تحقيق نجاح وشهرة ومكانة عربية، لا تقل عن نظيرتها على المستوى العربي والعالمي، وذلك من خلال أعمال متقنة وشيقة، أهله بعضها، وبجدارة، لحصد العديد من الجوائز المرموقة، وعلى رأس هذه الأعمال مسرحية «حرقص»، المقتبسة من رواية «الشيطان والآنسة بريم»، للكاتب البرازيلي باولو كويلو.
يختار صالح في شرحه لماهية ودوافع تركيزه على الكتابة المسرحية التي تألق في رحابها، وبات من ألمع المؤلفين فيها، يختار أن يتطرق إلى أرضية وعوامل توجهه نحو هذا المجال، مخصصا مساحة كبيرة في حديثه بهذا الخصوص، لتوضيح وتفسير مضمون ومكنون وتأويلات نص «خذ الأرض»، إذ يقول حول هذا: مؤكد أنني أعنى إلى حد بعيد، بتناول وعكس مواقف وحالات الشخصيات الإنسانية خلال معايشاتها الحياتية المختلفة.
وطبيعة تصرف وأداء وأفكار وصفات كل إنسان إزاء أي من الأحداث والمجريات، وهذا ما يظهر بشفافية في مساقات أعمالي بالغالب، ولكننا نلحظ أنه بين وعميق أكثر، في «خذ الأرض»، حيث تتميز هذه المسرحية بالبساطة والتشويق، إذ تشابك العلاقة فيها بين الرئيس والمرؤوس، فالشخصية الرئيسة هي السيد «فتون»، ذلك الرجل الذي يملك مؤسسة أمنية، ولا يستطيع حراسة نفسه، فيميل إلى تخصيص واستقطاب حارس شخصي له يدعوه «مراسم»، ويصبح (مراسم) الشخصية المحورية في هذا العمل المسرحي،
تفاعل
ويتابع العامري، حول هذه النقطة:إن هذا التصاعد في الأحداث، يؤدي إلى التطورات في الشخصية التي أحدثت التماس مع الخشبة: «أن يقضى عليك وأنت حي»، ولا شك أن هذا الارتقاء المصاحب للشخصية الرئيسية في المسرحية، جعل جميع الشخصيات تنفتح على بعضها البعض، فيتضاعف هنا مستوى صراعها، لنجدها لاحقا تنكفئ على نفسها، فتدور في صياغة همومها اليومية ضمن قالب إنساني بحت.
محاكاة شفافة
هناك عنصر تميز خاص في هذا العمل، نتلمس معه كما من الأبعاد الدلالية الفلسفية والإنسانية العميقة، وذلك بفعل ذكاء حبكة صالح، مضمنا إياها باقة تساؤلات متشعبة. فماذا عن هذه المسائل، وكيف عكس واسقط محتواها؟. . ، يقول صالح في هذا الصدد: تعيش الشخصيات الرئيسة الأربع في العمل:فتون، مراسم، مرتضى، شافع، في أجواء كابوسية مقترحة ومفترضة من صميم السياق الموجه والناظم لها.
وبذا فهم يصنعون ويخلقون منحى تساؤلات مكانية متفرعة تترسخ في أنفسنا، فتبرمج وتنصقل لتبقى الشخوص الأخرى تقود الحدث المسرحي، فيصبح الصراع في قمته، لحظة يأخذون في تسيير وتوجيه الحدث نحو الشخصية المحورية، وهذا ما جعل النص المسرحي عمليا، رهنا بالنقطة الثابتة، وملتصقا بها لا يغادرها. إنه تصوير محاكاة عميقة للواقع اليومي، هي تتجلى في صيغ طرح تأملي، لا بد لنا من البحث عن حلول مثالية معه.
إسقاطات
يتساءل الجميع، جمهورا ومتخصصين، عن هدف وسر تركيز صالح في عمله«خذ الأرض»، على حيثية الهزيمة، فما هو مرماه، وما مساق رؤاه التجسيدية، إضافة إلى الإحالات العامة التي أرادها؟..:
كما قلت، أردت في شبك وتوليف درامية شتى الأحداث في هذا العمل، أن أصور ملمح الحياة بكامل تفاصيل التفاعل الإنساني وجوانبه، فلو دققنا في مضمون العمل، لن نحتاج إلى جهد كبير لنكتشف أن المسرحية تعتمد في أحداثها على أربعة أشخاص يلتقون في محطة الحافلات، وبينما هم ينتظرون الحافلة، التي تأخرت يدخل عليهم «بائع اللب»، وهو شخصية محورية.
هذه هي قاعدة انطلاق وتناغم مكونات أرضية حبكتي وعالمها المتطور الذي سعيت إلى ولوجه بدقائقه كافة، وهكذا تحولت باتجاه صوغ حقيقة التصدي لهذه الشخوص المقهورة، الناسجة لحلقة الصراع مع رئيسها، حيث يكشف «فتون» شخصيته بشكل تدريجي، هو أشبه بلعبة الحجلة، فجميعهم يتقافزون، ويبقى هو من يصنع أحداث الشخوص في تتابع عام، ليظهر لنا الشخصيات البقية.
هامشية وتتوالى على الورق وعلى الخشبة بشكل انسيابي، إن هذا هو ما يفرز الكثير من الإيحاءات التي يدخل معها القارئ أو المشاهد في عالم فتي، وفق نمط وشكل قناعة تامة بان كل شيء محصن وفعال، خصوصا وان سردية وتأسيس حكاية الحبكة اعتنت بالتصوير والإسقاط الغنيين الذكيين، فمنذ البداية، كانت معظم الشخصيات تنتظر قدوم الحافلة في محطة الحافلات، ولا تتصور أو تتخيل انسياقها في خط مثل هذه التفاعلات، لكنها عندما تلج تلك العوالم، تتورط في صراع مع منافسها، ومع محركها الأساسي.
وبذا فإننا نرى أن الاستفزاز الممارس عليها، جعلها تتورط، وأخضعها لصيرورة الحدث المسرحي، فرئيسهم «فتون» هو الذي أعطى نكهة لهذا لحدث ودفعهم للإيمان بأنه جزء من ديمومة الحدث المسرحي، وهذا عبر الحوار مع «بائع اللب»، الذي أتضح أنه السيد «فتون» ذاته، وهو الرجل الذي يمتلك مؤسسة أمنية، حيث أجرى عملية تجميل حولت شخصيته الأمنية المعروفة، إلى شخصية اعتيادية، ولكن نجد انه عندما يتعرف عليه حارسه الشخصي «مراسم»، يبدأ يذكره بأيامه السابقة، وكيف أنه توالت أحداثها فأوقعته في قالب من التجاذبات المهنية التي أخضعته إلى كثير من التوصيفات الاعتيادية الفذة في الشخصية الاعتبارية هذه، ودفعته إلى أن يتنكر لماضيه.
اللغة مفتاح الإقناع
يصر صالح على أن عوامل تميز وإمتاع وجذب اللغة ضمن عمله «خذ الأرض»، وبشكل عام أيضا، هي بمثابة محور القوة ومنطلق التفوق، وربما أنها هي التي أهلتها-برأيه-لنيل تلك الجائزة:
اللغة التي كتبت بها نص عملي هذا، هي أقرب إلى الواقعية، وبمعنى أخر فإن النص برز معها لا يتملق أو يتنمق في لغته، فالفصحى فيه كانت عادية سهلة، وانسيابية غير مقعرة، كما غلب على النص البعد الفلسفي، إذ ذخرته ببعض الرمزية، ليغدو مطواعاً ومستساغا.
وعكفت على تسخير جميع هذا لخدمة التصاعد الدارمي، فتمخض ذلك عن تجسد النص بوجهة بعيدة عن الهامشية، يعبق بالروحية، ويواكب ما يدور من أحداث في أرض الواقع، مستفيدا من سلاسة لغته، وقدرة إقناعها المتحصلة عبر قربها من المتلقي، ومحاكاتها لفرديته وخصوصياته. إن أوضح دليل على ما أقول نجده في ذلك الاتجاه الذي قاده «فتون» في مسرحية «خذ الأرض»، حيث أجج معه الأحداث ورفعها إلى المستوى الدرامي العملي . ولا بد أن أشير إلى أن هذه الأسس هي فعليا ما تشكل منهج ومبادئ الجانب اللغوي والسسيولوجي في عملية التأليف لدي.
إشكالية الافتعال
تلفتنا كثيرا طبيعة تشخيص وتحليل صالح في مجال النص المسرحي، وكذلك ما يتداول حول أزمة النص في العالم العربي، فهو يفضل في الحديث عن هذا الجانب، أن يذكر اشتراطات وقوانين ومعايير ونظم النص المسرحي الجيد: تتلخص المشكلة التي تصادف مختلف النصوص المسرحية العربية، في أن هذه النصوص غالبا ما تقع أسيرة الانطباع الأول، وهذا مكمن الخلل، فالمسرح لا يحتمل هذا النوع من التسطير، لان الإشكالية فيه تتمثل في أننا نفتعل موضوعاً ما، سواء كان واقعياً أو فنتازياً.
ومع هذا الطابع نستمر في الدوران حوله «كالثور في الساقية». إذا المأخذ والعطل يتركز في مفصل تتبعنا لما يحدث من تشظ في هذا الموضوع، فهناك خلف التلة تقيم وتنتظرنا عدة معضلات. وأعتقد أن حل هذه الهفوة، يتأتى من خلال القراءة المستفيضة والاغتناء من شتى الفنون والعلوم، وأنا أجزم أن السينما هي مسرح في واقع الحال.
لكن بشكل متحرك وواسع له شخوصه، وكذا التشكيل، فهو مسرح ممنهج ينبني على حركة اللون. وأريد أن أخلص في هذا التشبيه، إلى سرد وتأكيد حقيقة مبرهنة، مفادها انه إذا تم تناول فكرة النص على أنه نص فج محفوظ، سيغدو نصاً صلباً، وعصيا على قابلية العكس والتناول في خشبة المسرح، الأمر الذي يخلق ضرورة مغادرة ركائز وجمل النص المكتوب، بصيغته الجامدة، إلى فضاء حيوية التحريك والإنعاش، لنذيب قوالبه الصلبة فنؤهله ليتصافح مع المتلقي.
قوالب وصيغ
تبين تجربة هذا العمل، والعديد من النصوص الأخرى لدى صالح، وجود منحى توجه إبداعي محدد ومغاير، فكيف يفهم ويجمل ماهية تجربته الكتابية إذا؟. .
أزعم أنني مؤلف يحق له أن يحدد قوالبه الكتابية وصيغه الفنية، وأنا نجحت في الواقع بتحقيق بعض تلك الرؤى، إلا أنني مؤمن بضرورة متابعة التحسين والتجديد، فما زال أمامي الكثير في هذا الطريق، وهو المعروف بدقته وصعوبة مراحله، في حال أراد الكاتب أن يبلغ مستوى الفرادة والتميز، لكنني جاهز لأية مشاق في هذا السبيل، وأعي جيدا أنها ليست نزهة بقدر ما هي عمل مضن يحتاج إلى سنوات من البحث والتقصي، لكنني سأمضي وأجد وأغذ السير، حتى لو كنت سأهلك قبل أن أصل.
هكذا خط صالح معالم البدايات في روض الإبداع، مشكلا في هذا المنهج، أرضية عطاء لافت، تمخض لاحقا، عن تقديمه أعمال مميزة، شرعت تحصد الجوائز، وتحظى بالثناء النوعي، وقد توج هذا بعدد من الأعمال المميزة، وفي مقدمها فوزه، مؤخرا، بجائزة الكتابة المسرحية، في أيام الشارقة المسرحية لدورة هذا العام 2010، عن مسرحيته «خذ الأرض»، وهذا طبعا بعد أن كان فاز في العام المنصرم، في مسابقات وجوائز الأيام، بجائزة التأليف المسرحي عن نص «هواء بحري».
الجوائز
حصد المسرحي والسينمائي الإماراتي صالح كرامة العامري، مجموعة من الجوائز المهمة، وعلى رأسها جائزة أفضل فيلم، في مسابقة أفلام من الإمارات، عن فيلمه «عربة الروح» في العام 2008م. وجائزة أفضل فيلم خليجي، في مسابقة أفلام من الإمارات، عن فيلمه «حنة» في العام 2008م . والجائزة الأولى في مهرجان «البيدا غوجي» الأول في المغرب، عن مسرحيته «حاول مرة أخرى». وحصلت مسرحيته «حرقص» على العديد من الجوائز، كان آخرها جائزة الإخراج التمثيلي في مهرجان «إرفود» المسرحي الدولي الثالث، في المغرب، في العام 2010 م.
عربة الروح
قدم المخرج صالح كرامة عدة أفلام سينمائية، ومنها «عربة الروح»و«حنه»، حيث شارك بالثاني خلال الدورة الثانية من مهرجان الشرق الأوسط، التي أقيمت في أبوظبي في العام 2008 ، كما شارك في هذا الفيلم نفسه، ضمن مهرجان «مزنة» السينمائي، في دورته السادسة، في مدينة مينيسوتا الأميركية. ويحكي فيلم «حنه» قصة المجتمع الإماراتي فترة السبعينيات، فيصور بملامح تشويق نوعي، طبيعة الحياة الاجتماعية المتآلفة التي كانت تسوده آنذاك.
كما اختير فيلمه «عربة الروح» من قبل الجهة المنظمة لمهرجان «سان سيباستيان» السينمائي الإسباني العالمي، في دورته الـ «55»، ليكون ضمن أفلام المسابقة الرسمية الخامسة عشرة. وجدير بالذكر أن هذا الفيلم من إخراج الإنجليزي كونراد كلارك، وإنتاج الصينية «وندي كوان». وصورت جميع مشاهده في «شانغهاي»، كما ترجم من اللغة الصينية إلى الإنجليزية، وهو يعد أول فيلم عالمي لكاتب إماراتي، يشارك في مهرجان عالمي، وأيضا الفيلم الأول الذي يحمل اسماً إماراتياً، ويجري توزيعه وبيعه من خلال موقع «أمازون» العالمي.
بدايات
عاش كرامة طفولته في منطقة «الباورهاوس» وسط حي شعبي في أبوظبي، وبدأت علاقته بالمسرح من هناك، حيث انخرط في عوالمه جوانب إبداعه، متدرجا في سلم تميزه فيه، من متخصص في الديكور ثم عامل إضاءة، فبائع تذاكر.
وطوال هذه السنوات، تسلح بعزيمة وإرادة التصميم على بلوغ التميز، فاستطاع إثرها وبفعلها، أن يلج مجالات التمثيل والتأليف بقوة وثقة واقتدار، إذ قدم العديد من المسرحيات الرائدة، بعد أن امتهن الكتابة المسرحية في العام 1984، وكان ذلك مع عمله المسرحي الأول«لا فات الفوت»، وهو مسرحية شعبية الطابع والحبكة، قدمها أعضاء فرقة مسرح «الاتحاد»، وتجسدت بمثابة علامة فارقة، أنارت وأذكت انطلاقة مسيرته الفنية، خصوصا وأنها أخذت تنال الشعبية والقبول الفريد أينما حلت.
عبير يونس

