الشقة التي كانت تسكنها عائلة فكتور هيغو في الساحة الملكية، ساحة '«فوج»' حالياً بباريس من عام 1832 حتى عام 1848إلى متحف يضم مجموعة من كتبه ومخطوطاته ولوحاته والتحف الفنية التي اقتناها طيلة حياته. هذه الشقة البالغة مساحتها 280 متراً مربعاً آصبحت فناراً مضيئاً يجذب اليه ألوف السياح من جميع أنحاء العالم.
الغرف والسلالم والممرات فيه شهدت تغيرا لافتا، إذ لم تكن الشقة تشغل سوى الطابق الثاني من المبنى في الأساس، بينما يشغل المتحف (الشقة المذكورة) حاليا، ثلاثة طوابق، وأهدى بول موريس، صديق هيغو ومنفذ وصيته، في عام 1902، جميع الكتب والمخطوطات والتحف والصور واللوحات والأثاث، الخاصة بهيغو، إلى بلدية باريس لتقيم هذا المتحف.
كان المبدع هيغو معتزا بنفسه إلى درجة كبيرة تقترب من الزهو. فقد قال عن تاريخ ولادته: «عامان هما عمر هذا العصر»، وذلك لأنه ولد في عام 1802 في مدينة بيزانسون الفرنسية، وله أخوان، أبيل المولود في عام 1798، وأوجين 1800 ، وقد أمل والداه أن ينجبا بنتا يطلقان عليها اسم فيكتورين، ولكنهما فوجئا بالمولود ذكرا، فأسمياه فيكتور، وبين عامي 1827- 1830، سكن فكتور وآدل في منطقة «نوتردام دي شامب»، وهي الفترة التي أمضياها سوية، وآنذاك تحول منزل هيغو إلى ملتقى لكبار الأدباء والكتاب في فرنسا، من أمثال لامارتين وموسيه وتيوفيل غوتييه وديلاكروا وميرميه وغيرهم الكثير، كما انه ألف في تلك الفترة، وبعد عدد من الروايات والمسرحيات، روايته الشهيرة «البؤساء».
وبدأ هيغو يجسد هيامه بهوايات رائعة، فأخذ يبحث عن التحف والأثاث فيجمعها، وقد علق الكسندر دوما على ذلك قائلاً: «أثاث الشقة كان ملكيا»، واللافت هنا أن عائلة هيغو صدمت من هذه الحادثة، واضطرت للانتقال إلى شارع «ايسلي»، ومن بعدها إلى ضاحية «تور دي اوفيرن»، وتزامنا مع هذه الأحداث والتفاصيل تلك الآونة، شرع هيغو في إطلاق خطابات سياسية حول حرية الصحافة والبؤس والتعليم والانتخابات في فرنسا، وفي عام 1851، تعرض بعض أفراد عائلته للسجن، عندما نشر ابنه شارل هيغو مقالا يهاجم فيه حكم الإعدام.
مصمم وفنان
أبرز الصالونات التي صنع ديكوراتها هيغو، الصالة الحمراء، حيث كسا جدرانها بالحرير الأحمر، وكذلك الصالون الصيني، كما وضع بعض المخططات التي صممتها زوجته، وفي السياق نفسه، نجد روعة وقيمة قطعة النسيج المهداة إليه من الجزائر، والمصنوعة في حي القصبة، ومع مسيرة هيغو سنكتشف الكثير من مناحي الإبداع، فإضافة إلى كونه كاتبا عملاقا، كان مبدعاً في فن الديكورات، وعادة ما كان يوقع بحرفي ض.ب. في هذا المجال، ولا يغيب عنا في طبيعة الحال شغفة بالتحف والأثاث، إذ أثار ذلك إعجاب واهتمام معاصريه، وتبدو الطرافة في هذه الحيثية أن ابنته أديل كثيرا ما أعابت عليه اهتمامه بالأقمشة المستخدمة والأباريق المهشمة وصحون البورسلين القديمة.
ظهرت وتشكلت معالم مرحلة جديدة في حياة هذا الكاتب والمبدع العظيم، بعد أن دخلت ابنته إلى مستشفى الأمراض العقلية وتوفي ابنه فرانسوا ـ فكتور، ومن ثم توفيت زوجته في بروكسيل عام 1868، حيث استقر في شقة بمنطقة «بورا دي كلشي»، وبمقدورنا رؤية صور الكاتب في شيخوخته ولوحة تجسد أحفاده جورج وجانين وتمثال نصفي له، ضمن الغرفة التي كان يكتب فيها في هذه الشقة، وبالنسبة للمخططات والمخطوطات، سنجد أنها تملا شقة الكاتب، إذ كان ينفذها بكثرة، فوصل عددها إلى 600 تخطيط، جميعها مودع في متحفه حاليا، وهي في عمقها تصور جميع مراحل حياته، وسنقرأ في موضوعاتها ودقتها، مدى تعبيرها الصادق عن خياله الخصب وموهبته الفنية، وهناك أيضا جمالية مميزة فيها، وهي اختياره لساكني تلك القرى التي يصورها، ليكونوا أشباحا لا بشرا، وطبعا غالبا ما يكون معمارها غريبا.
البيت الأدبي في مدينة «بييفر»
يمثل البيت الأدبي لهيغو في مدينة «بييفر»، قصر ا قديما كان ملكا ل بيرتن مؤسس مجلة تعنى بالجدال والنقاش.وهو يعد في الحقيقة منزلا ريفيا رومانسيا، كثيرا ما استقبل بيرتن فيه كلا من شاتوبريان وفكتور هيغو وروسيني وغيرهم، لكن ضيفه المفضل دوما هو هيغو، والذي أوحت له حديقة هذا القصر بقصائد عديدة، منها القصيدة الشهيرة «حزن اولمبيو».
سكن هيغو هذا القصر مع عائلته في عام 1828 ، وكد واجتهد في العمل والإبداع خلال إقامته فيه، خاصة في الصباح الباكر، وبعد أن غادر هيغو هذا المنزل، لم يكن يزره إلا في عام 1837 ليقوم بجولة في تلك المنطقة، وعلى الخصوص في وادي «بييفر» وغابة «هوم مور»، بهدف شحن ذاكرته، وجدير بالإشارة، أن هذه الجولة هي التي أوحت له بكتابة قصيدة «حزن اولمبيو».
إن تأسيس هذا المنزل الأدبي المتحفي الموثق لحياة وسيرة كاتب عظيم بحجم هيغو، احتاج عمليا إلى جهود مدروسة وموسعة لجمع مئات المخطوطات الأصلية والرسائل والصور القديمة والمذكرات والوثائق التي تخص شباب الكاتب وأعماله، إلى جانب حبه وسنوات منفاه وتطوره السياسي، ليبلغ مجموع هذا 1900 قطعة، عرض منها نحو بين 350 و400 قطعة، لان البقية منها هشة ولا تحتمل.
اختص الصالون الأزرق باحتضان الوثائق التي تتعلق بشباب الكاتب وأعماله المسرحية والشعرية والروائية، وضم صالون بيرتن الوثائق المتعلقة بعائلة هيغو ويذكر في هذا الصدد أنه من المنازل التي اعتز بها هيغو، منزل ابنته، الكائن في مدينة «فيليكيير»، والذي سكنته ليوبولدين بعد أن اقترنت بالسيد فاكيير، وكان هذا المنزل يطل على نهر السين، حتى أن حديقته تصل إلى النهر.
ومنه كتبت رسالة إلى أبيها تقول فيها: «كل ضفاف السين جميلة لدرجة أنها عندما تعبر من هنا لا تجعلنا نشعر بالضجر»، وتعود صالونات هذا المنزل إلى القرن الثامن عشر، فزوج ابنته عاشق للفن، وتدلنا براهين كثيرة على مدى تعلق هيغو بهذا المنزل، وعزز ذلك أن زوج ابنته أحبه إلى درجة كبيرة، إلا أننا سنكتشف، رغم ذلك، ما يحمله هذا المنزل من ذكرى أليمة لدى هيغو، كون ابنته ليوبولدين غرقت في النهر المجاور، بعد مرور أشهر عدة على زواجها، وهو ما أصاب هيغو بإحباط شديد، فلم يستطع بعد هذه الحادثة المأساوية أن يزور تلك المنطقة، إلا بعد سنوات طويلة من النسيان.
يتألف هذا المنزل (متحف هيغو)، بالإضافة إلى الصالون الكبير ، من صالة بليارد، والتي رسم تصميمها هذا الكاتب الكبير، وكذلك الغرفة الوردية والخضراء والحمراء والزرقاء والرمادية، وكان الصالون الصغير يمثل منفى الشاعر، ونرى أن الصالون الأصفر يطل على نهر السين، حيث تنتشر كتب هيغو الخاصة بالقراءة، وهذا المنزل هو ما تحول فعليا إلى متحف فكتور هيغو، وأيضا المنازل الثلاثة التي سكنها هيغو تحولت إلى متاحف، يمكن زيارتها في الوقت الحاضر.
لوحاته
يجهل الكثيرون أن هيغو كان غزير الإنتاج في مجال الفنون المرئية، بالقدر نفسه الذي كان عليه في مجال الإنتاج الأدبي. فقد قام برسم أكثر من أربعة آلاف لوحة خلال الفترة التي عاشها. وبدأ الرسم كهواية عابرة لتزداد أهميته في حياته بعد ذلك، في الفترة التي سبقت نفيه بمدة قصيرة، حين قرر التوقف عن الكتابة ليكرس حياته للاشتغال بالسياسة، وأصبح الرسم هو المتنفس الوحيد، الذي يعبر من خلاله عن إبداعاته الفنية، وذلك في الفترة من عام 1848 وحتى عام 1851.
رسم هيغو إبداعاته على الورق فقط، وعلى نطاق ضيق؛ مستخدماً، عادةً، اللون البني الغامق أو اللون الأسود في الصور المائية التي تستخدم القلم البوصة وحجر الحبر، وأحياناً كان يضيف رتوشاً باللون الأبيض، ونادراً ما كان يستعمل الألوان، وتتميز اللوحات التي حفظها لنا الزمن، من أعماله، بدرجة عالية من البراعة والحداثة في أسلوب رسمها وفي طريقة تنفيذها.
وتعتبر هذه اللوحات بمثابة مؤشر تنبأ بظهور الأساليب التجريبية الخاصة بالمدرسة السريالية والمدرسة التعبيرية التجريدية، واحتفظ هيغو بأعماله الفنية بعيداً عن الأضواء، خوفاً من أن تخطف الأضواء من أعماله الأدبية، ومع ذلك، فإنه كان يستمتع بمشاركة عائلته وأصدقائه في أعماله الفنية المرسومة؛ فكان يستعين بموهبته في الرسم في صنع بطاقات يدوية الصنع ومزخرفة، وكان يهدي الكثير منها لزائريه في الفترة التي كان فيها في المنفى السياسي، وعرض بعضاً من أعماله على فنانين معاصرين له، فنالت استحسانهم، ومن هؤلاء الفنانين: فان جوخ، وديلا كروا.
غرف الذكريات
يتوفر الطابق الأول على عدد من الغرف، سمى هيغو كل غرفة منها بأسماء مختلفة، طبقا لما تحتويه من ذكريات عن عائلته: الغرفة الوردية والغرفة الحمراء والغرفة الرمادية والغرفة الزرقاء. وبشكل خاص تحتوي الرمادية منها على النص الذي كتبه فكتور هيغو حول غرق ابنته، وذلك بعد أن احتوت الغرف الأخرى على تفاصيل حياتها وذكرياتها من الطفولة، ثم زواجها ومختلف حاجياتها.
شقة تفوح برائحة الزهور
كانت شقته الباريسية تطل على الحدائق الخضراء، حيث يستنشق من نوافذها رائحة الزهور والأوراق. وكان الكاتب الفرنسي الكبير (هيغو)، يقيم علاقات طيبة مع الحكام، إذ أقام حفل استقبال كبير في عام 1838 لـ دوق ودوقة أورليونز، ليشكرهما على إهدائه لوحة فنية بمناسبة صدور إحدى أعماله. كما لم يكن بعيدا عن السياسة، وتم انتخابه نائبا لمدينة باريس في عام 1848 ، والمؤسف أن شقته تعرضت لسطو ومحاولة تخريب من قبل المتمردين، لكنهم لم يلحقوا بها أية أضرار، وهي لا تزال قائمة، وغدت متحفا شهيرا في قلب باريس.
نصب تذكارية
تحمل إحدى الطرقات الموجودة في المنطقة الإدارية السادسة عشرة في باريس، اسم طريق فيكتور هوجو، ويربط بين «بلاس دو ليتوال» والمنطقة المجاورة في «بوا دو بولون»، قاطعاً ساحة «بلاس فيكتور هوجو»، وأطلق اسم هيغو على هذا الميدان الذي يخدمه موقف مترو باريس، تكريماً له. وكذلك على عدد من الشوارع والطرق، في جميع أنحاء فرنسا، وتحمل المدرسة الثانوية في مسقط رأس فيكتور هيغو - بيزانسون - في فرنسا، اسمه. كذلك، تم إطلاق اسمه على الطريق الموجودة في شوينيجن في إقليم كيبيك في كندا.
وعاش هيغو فترة قصيرة في مدينة «أفيلينو» في إيطاليا، في المكان الذي يعرف الآن باسم قصر الحضارة؛ وهو المكان الذي اجتمع فيه مرةً أخرى مع والده ليوبولد سايجيزبرت عام 1808، وكتب هيغو في وقت لاحق عن فترة إقامته القصيرة في هذا المكان فقال: «كان الرخام يكسو القصر...»، كما يوجد في مدينة ادنبره في اسكتلندا متجر لبيع الأطعمة الجاهزة سمي باسم فيكتور هيغو.
شاكر نوري



