اشتهر المستشرق الألماني ايكهارت شولتز بتأليف كتاب «قواعد اللغة العربية.. دراسة النحو الحديث»، وهو كتاب مخصص للطلبة الألمان. ويشغل شولتز حاليا منصب مدير الدراسات العربية والشرقية في جامعة لايبزغ بألمانيا، كما يدير معهد الاستشراق فيها، حيث يعمل ضمنه، مع فريق عمل مؤلف من عشرين باحثاً، في مجال صيانة وفهرسة المخطوطات العربية.

إضافة إلى اهتمامكم بالاستشراق، هل تهتمون بالأدب العربي الحديث؟

بالتأكيد، فهو جزء من عملنا، وخاصة بشأن أبرز الشخصيات الأدبية العربية، لأن الاهتمام بهؤلاء يعني لنا الاهتمام بالتاريخ العربي، ذلك لان الأدب في حقيقته خير معبر عن الشعوب. وهو جزء من الاهتمام بالشريعة والقانون والاقتصاد والجغرافيا الاجتماعية وتاريخ اللغة، ولدينا تخصصات وأستاذ كرسي في كل ميدان من هذه الميادين، وأشير إلى أنه تغيرت لدينا طبيعة مناخ العمل العلمي المحكم، وغدت أكثر منهجية تلتزم برؤى تجديدية، ففي السابق كان قلة من الأساتذة يسيطرون على كل شيء، بينما تبدلت الصورة الآن بمجيء الأساتذة والمستشرقين الشباب.

من أبرز الأدباء الذين تهتمون بهم في هذا السياق؟

نهتم كثيراً بالكتاب العرب الكلاسيكيين والمحدثين على حد سواء، ولدينا مترجمة معروفة، كريستينا شتوك، تعنى بدقة بترجمة الأعمال العربية إلى اللغة الألمانية، ولكن الحادث أن الكتب العربية المترجمة إلى اللغة الألمانية هي أقل بكثير مما هو الحال عليه بالنسبة للغات أخرى، وحتى الميتة منها، مثل اللاتينية القديمة، أي كتبا عمرها أكثر من ألفي سنة، ولا بد أن ألفت إلى أن العرب كانوا يسيطرون على العلوم والآداب قبل ألف سنة.

وقاموا بعمل جبار يتجسد في نقل التراث اللاتيني إلى العربية، إلا أن ما يحصل الآن هو العكس، فحركة الترجمة نشطة فقط من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ولا جدال أبدا في أن حركة الترجمة تدل على طبيعة التطور الاقتصادي والعلمي في معظم المجالات، ونحن نعرف تماما أن إمكانيات العرب كبيرة وهائلة، لكن المؤسف أنها غير مستغلة في الاتجاه الصحيح.

هل ترى أن حركة الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية لا تخدم كثيراً الأدب العربي، وأنها لا تعرف به في الأوساط الثقافية في الخارج؟

هذا صحيح، وهذا ليس في مجال الأدب والثقافة حصرا، وإنما في جميع المجالات، إن المسألة تاريخية، كما قلت قبل قليل، وهذا يترجم فعليا حركة دوران الحضارات.. ولا شك أن اللغة العربية مازالت قوية بحضورها في اللغات الساحلية في إفريقيا وفي جنوب آسيا واندونيسيا، وأيضا جميع المصطلحات الإسلامية دخلت إلى اللغات الأخرى، وخاصة في المجال الديني.

هل تقومون بتحقيق المخطوطات العربية لغرض تقديمها إلى القراء العرب بصورة سلسة ومفهومة؟

بالتأكيد، نحن نقوم بهذا العمل (تحقيق المخطوطات) منذ مئتي سنة، ونشرنا بعضها في معهدنا، ومازلنا نواصل المسيرة حسب الإمكانيات المتاحة، فنحن لسنا جيشاً، حيث اننا عشرون باحثاً ومستشرقاً فقط، ونركز بشكل محوري على ما يمكن أن أطلق عليه: تحليل المجتمعات العربية والإسلامية، لنقدم هذا إلى صانعي القرار.

وقد نجحنا وقطعنا أشواطا كبيرة في هذا الخصوص، إذ تمكنا من تغيير وجهات نظر السياسيين الذين لم يفهموا العالم العربي والإسلامي بعمق، بل أخذوا بالأفكار التي بثتها القوالب الفكرية الجاهزة حوله، إضافة إلى ما توارثوه عن المستعمرين، فاستطعنا، على سبيل المثال، تغيير موقف المستشار الألماني شرويدر من الحرب على العراق، ولذا لم تدخل ألمانيا الحرب، واقتنع السياسيون بعدم دخولها، وترى أن وجودنا في أفغانستان لا يتعدى المجال الاقتصادي.

كيف تتم عملية تحقيق المخطوطات لديكم؟ وهل تعنون بعدم وقوع التكرار في هذا المجال؟

التكرار حاصل، لكننا نحاول أن نبحث عن النسخة الأصلية الأولى، والملاحظ أن أي مخطوطة من المخطوطات العربية يوجد منها ست نسخ، واحدة في برلين، وأخرى في باريس، وواحدة لدينا في لايبزغ.. وهكذا.. ومرد هذا الأمر هو تفرق وتشتت وتعدد عمل النساخين، لهذا فإننا نحرص على مقارنة هذه وتحقيق هذه النسخ بدقة، وتحديدا في مجال المحتوى والمضمون.

فالمصاحف، على سبيل المثال، تختلف في الزخارف والأغلفة، بينما المخطوطات في ميادين الصيدلة والهندسة والطب والرياضيات وعلم الفك، لا يعرف أحد ما هو مكتوب فيها، ربما لو قمنا بتحقيق بعض المخطوطات العربية لدينا، سنجد علاجاً لأنواع السرطانات التي تهتك بالبشرية، ويحتمل أن يسهم ذلك في إعادة تنشيط الحركة العلمية في البلدان العربية، إلا أن الصعوبة تكمن هنا في إيجاد الكادر المتخصص القادر على إنجاز المهمة، فحتى الخريجون الذين ينتهون من دراساتهم في معهد المخطوطات في جامعة لايبزغ، هم لا يواصلون العمل معنا، كون المناصب محدودة، انظر إلى مساعدي الذي جاء معي إلى دبي، إنه ينتظر موتي ليرث منصبي، «ضاحكاً بسخرية»، على العرب أن يمولوا كراسي الأستاذية في الجامعات المختصة باللغة العربية.

كيف حصلتم على المخطوطات العربية؟

تفردت ألمانيا من بين جميع دول العالم بأنها لم تحصل على المخطوطات العربية والشرقية عن طريق السرقة والحروب والعنف، إذ اقتنتها من خلال الشراء، وتتسم الفهرسة المتبعة في ألمانيا بأنها تعمل على التصوير الالكتروني للمخطوطات العربية، وكذلك نضعها على أفلام الميكروفيلم من أجل صيانتها وحفظها، لأن التقنيات الحديثة غير مضمونة، لكننا متأكدون أن الميكروفيلم يمكن أن يعمّر لمدة 500 سنة، وجدير بالذكر هنا أن جامعة لايبزغ وحدها، تحتوي على 2500 مخطوطة شرقية، عربية وفارسية وعبرية قديمة.

ما الجهات التي تتعاونون معها في مجال المخطوطات وصيانتها وترميمها؟

نتعاون مع مراكز عالمية، مثل مركز جمعة الماجد وغيره من المراكز، وذلك سعياً إلى الإفادة من التجارب الأخرى، وخاصة في مجال الترميم الذي لا يقل في مستواه لدى المركز المذكور عما هو موجود في ألمانيا، وأقول هذا على الرغم من أنني لا أوافق كثيراً على عمليات الترميم التي يراد منها التزيين والزخرفة، لأنني أفضل أن تبقى المخطوطة كما هي في الأصل، دون تعديلات تشوهها، كما أن عمليات حفظ المخطوطات ليست واسعة في العالم لأن من يعتني بها أقلية.

ما النشاطات الأخرى التي يقوم بها معهد المخطوطات في جامعة لايبزغ؟

استدعتنا اندونيسيا لتصوير ما تبقى من مخطوطات بعد كارثة تسونامي الشهيرة، لأنها دمرت الكثير من المخطوطات العربية والشرقية هناك، وقمنا بتصوير المخطوطات المتبقية وحفظها في ألمانيا.

ما اللغات الشرقية الأخرى التي تعتني بها ألمانيا إلى جانب اللغة العربية؟

تعتني ألمانيا بالثقافة الشرقية عامة، مثل الصينية والأثيوبية والمنغولية والهندية، ولدينا مخطوطات يعود تاريخها إلى القرن الثاني الهجري أي قبل ألف سنة، وتتضمن مكتبة جامعة لايبزغ 300 نسخة مخطوطة من القرآن الكريم، وهي من أجمل النسخ في العالم.

كيف يتم الترويج للكتب العربية في الخارج؟

هذه مسألة معقدة كما تعلم، هناك كتب لا أهمية لها ويتم الترويج لها وتحصل على شهرة واسعة، إن التأثير السياسي كبير فينا، شئنا ذلك أم أبينا، ونحن كعلماء وباحثين ومستشرقين، لا نعرف كيف نتصرف مع التأثير السياسي، وازداد وتفرع هذا في ظل ظهور الإرهاب، وما يصاحبه من موجة العداء للإسلام، ولكننا كمستشرقين يجب أن نقدم الكتب الجميلة فحسب، ونستغل وسائل الإعلام الحديثة لنشر صورة موضوعية عما يدور في الوطن العربي والإسلامي.

ايكهارت في سطور

ولد ايكهارت شولتز في عام 1952. درس اللغتين العربية والفارسية في جامعة لايبزغ (1973 -1978)، وحصل على شهادة الدكتوراه في العام 1986، ثم شهادة دكتوراه الدولة في العام 1991، وهو يعمل أستاذا للدراسات العربية في الجامعة نفسها، ضمن معهد الدراسات الاستشراقية منذ عام 1993، كما انه يعمل من العام 1978 أستاذاً زائراً ومحاضراً في كل من مصر والكويت والمغرب والمملكة العربية السعودية وسوريا وسلطنة عمان والإمارات واليمن. ويشرف منذ عام 2005 على مشاريع المسح الالكتروني للمخطوطات الشرقية وفهرستها وعرضها.

أهم المؤلفات

قدم ايكهارت شولتز عدة مؤلفات تتميز بقيمة علمية عالية، وأبرزها: تعليم العربية المعاصرة ـ ميونيخ 1995، تدريس العربية المعاصرة ـ ميونيخ 1997، قواعد اللغة العربية ـ منشورات جامعة كمبردج ـ المملكة المتحدة 2000.

شاكر نوري