قبل اختراع الكاميرا، وولادة فن التصوير الضوئي، وتطور وسائل إنجازه وبثه، بالطريقة المذهلة التي حوّلت الأرض إلى قرية كونيّة صغيرة، لعب الفن التشكيلي، بضروبه وأنواعه المختلفة، أدواراً عديدة ومهمة، إلى جانب دوره الأساسي، في رصد وتجسيد جماليات الإنسان والحياة، منها: التوثيق والتأريخ، لجوانب الحياة كافة: الثقافيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، والحضاريّة، والعسكريّة، وأسهم بعدة أشكال، في التحريض على الثورة والنضال، ضد أشكال الاضطهاد المختلفة،

بحيث يمكن القول، إن القسم الأكبر من تاريخ البشريّة القديم والحديث، وصل إلينا عبر الرسم والتصوير المتعدد التقانات، والنحت، والخزف، إضافة إلى الشعر الذي يُعتبر واحداً من أسرة الفنون الجميلة التي تنتمي إليها الفنون التشكيلية.

انكفاء فن وتقدم آخر

مع مزاحمة الصورة الضوئيّة، للفنون التشكيليّة، على مهامها ووظائفها القديمة، ووضعها أمام جدار مسدود، وجعلها تنكفئ لتحصر إنجازاتها في مرحلتها المعاصرة، في لغتها البصريّة، والعمل عليها، دون التركيز أو الاهتمام، بما تقدمه هذه اللغة من مضامين وأفكار، وصولاً إلى الاتجاهات التجريديّة والطليعيّة وما بعدها، التي أسقطت من اهتمامها، تقديم فكرة، أو حكاية، أو مضمون محدد، وإنما تركت للمتلقي، أن يقرأ في النص البصري، ما يريد، وبالشكل الذي يريد...

مع هذا التحول الكبير، في وسائل الاتصالات البصريّة، تصدت الكاميرا بأشكالها وأجناسها المختلفة، لمهمة رصد وملاحقة وتوثيق الحدث السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والطبيعي، وتقديمه للناس، بسرعة مذهلة، ومن موقع الحدث مباشرة، بعد أن تحمّله الأبعاد والغايات والأهداف التي يريدها أصحاب وسائل الاتصال، من خلال المبررات ووجهات النظر، التي يقدمون فيها الحدث، ذلك أن خواص هذه الوسائل، وقدرتها على تمثل الحدث ونقله إلى مفردات بصريّة مكثفة وواضحة ومؤثرة في البصر والبصيرة، جعلت منها الفن الأقدر على التأثير والفعل والغواية والتدجين لكافة شرائح المجتمع، لاسيما بعد التطور المذهل الذي لحق بتقانات الصورة الضوئيّة التي صارت تنقل الحدث إلى المتلقي أينما وجد: في البيت، أو المكتب، أو وسيلة النقل... إلخ.

لقد استفادت وسائط الإعلام المعاصرة، من الفنون الإبداعية التقليديّة، لاسيما الفنون التشكيليّة والموسيقى، وتوجت بقوة، سلطة الصورة الثابتة والمتحركة، وهذه الأخيرة، أصبحت أكثر إبهاراً وتأثيراً وفعلاً، بل وتحولت إلى نوعٍ من الغواية التي تتلذذ باستقطاب المتلقي، وسكب ما تريد، في بصره وبصيرته، بل وتدجينه حتى!

فردية الفنون التشكيليّة

مع كل هذه السطوة والسيطرة وقوة الفعل والتأثير، لسلطة الصورة الضوئية الثابتة والمتحركة، ظل للفن التشكيلي بشقيه الرئيسين: التصوير المتعدد التقانات اللونيّة والنحت، أي التعبير المسطح والتعبير بالحجم، دوراً مهماً ومؤثراً، في التوثيق والتأريخ للأحداث المهمة في تاريخ الأمم والشعوب، لاسيما تلك المتعلقة بالنضال والثورة والدفاع عن الأوطان والقيم النبيلة والخيّرة ومحاربة أنواع وأجناس وأشكال الاضطهاد كافة.

وفي الوقت الذي يفقد فيه المنجز البصري الضوئي (صورة ثابتة أو فيلم متحرك) وهجه مع تقادم الزمن، يحافظ المنجز البصري التشكيلي على وهجه وحضوره وتأثيره، نتيجة لجملة من المقومات والخصائص التي يتفرد بها العمل الإبداعي التقليدي (التشكيل، الموسيقى، الشعر، الرواية) ومنها: ارتباط هذا العمل باسم مبدعه، وخضوعه لعملية الاختزال والتكثيف، واعتماده على الواقع والمخيلة، في آنٍ معاً. بمعنى أنه لا يقدم الواقع كما هو، وإنما يُعيد صياغة هذا الواقع.

وفق رؤية المبدع، وموقفه العميق والحاسم منه، وتالياً قراءته البعيدة لأسبابه والخلفيات المنظورة وغير المنظورة، الكامنة وراءه. أي أن المبدع يأخذ خلاصة الحدث، وبأقل ما يمكن من مفردات وسيلة التعبير التي يشتغل عليها، ويعكسه في منجزه، بأبعاده كافة، وبرؤية ورؤى شخصيّة متفردة، تشير إليه دون غيره.

أعمال خالدة

ففي الفن التشكيلي، لاتزال الأعمال التي أنجزها فنانون مثل: الإسبانيين (غويا) و(بيكاسو) والمكسيكيين (ديوجو ريفيرا) و(وسيكيروش) والفلسطينيين (إسماعيل شموط) و(تمام الأكحل)، ومجموعة كبيرة من الفنانين التشكيليين الصينيين والسوفييت وغيرهم الكثير، والمكرسة لقضايا نضالية وطنية وإنسانية نبيلة، لاتزال حاضرة ومتفاعلة ومهيمنة، على التاريخ المعاصر، وتستدعيها الذاكرة الجمعيّة، مع كل حدث مشابه للحدث الذي أرخت ووثقت له.

فأعمال غويا عن الحرب والنضال، ماثلة بقوة، في تاريخ الفن التشكيلي العالمي المعاصر، وكذلك هي لوحة (بابلو بيكاسو) الشهيرة (الجورنيكا) التي دان بها القصف النازي الهمجي الحاقد واللئيم، لبلدة (جورنيكا) الإسبانية الوادعة، وكذلك فعل (ريفيرا) و(إسبكيروش) اللذين وثقا للثورة المكسيكية، بأعمال فنية جدارية مهمة، وهو ما فعله الفنانان الفلسطينيان الزوجان (إسماعيل شموط) و(تمام الأكحل) تجاه قضية شعبهما وأمّتهما، القضية الفلسطينية التي لاتزال نازفة منذ ستين عاماً وحتى اللحظة.

فنان الجرح الفلسطيني

يُعتبر الفنان شموط الرائد الأول للفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، ومن أبرز وأهم الذين أرّخوا بفنهم للجرح الفلسطيني منذ البدايات الأولى لهذا الجرح وحتى آخر مرة مارس فيها فعل الفن المقاوم، (رحل صباح الثلاثاء 4/ 7/ 2006)، الذي حكى من خلاله عن آمال وكفاح شعب مازال في مهمّة تحرير أرضه حتى الآن، ما جعله بحق فنان القضية الفلسطينية، وحارس الذاكرة الفلسطينية ومؤرخها بالفن التشكيلي. بل هو بامتياز، فنان الحزن الفلسطيني الذي وسم العقود الستة الأخيرة من تاريخ العرب المعاصر بسمته، ومازال يحفر فيها عميقاً وبعيداً.

كان الفنان شموط يردد دوماً، أنه لا يعرف كيف يستطيع أن يضحك، وهو يعلم أن أناساً يموتون هناك في فلسطين كل يوم. فإذا حزن حزنت رسومه، إلا أن الحزن ليس كل شيء، ففي رسومه أيضاً، التمرد والثورة والفداء والموت. الأبطال في لوحاته عرفوا السعادة عن طريق الموت، لذا فإن بسمة تطوف على شفاههم، بسمة ساخرة، متحدية، عرفت الحكمة في أن الموت هو طريق الحياة. كانت مواكبة الفنان شموط وزوجته الفنانة تمام الأكحل، للقضية الفلسطينية، مواكبة صادقة، نبيلة، عاشقة لأرضها وناسها وأمتها، وللغة التشكيلية التي اشتغلا عليها. وهو ما جعل أعمالهما (على اختلاف حجومها وتقاناتها) تاريخاً موثقاً وصادقاً للنضال الفلسطيني.

كان الفن بالنسبة للفنان شموط، نشاطاً إنسانياً مرتبطاً بالواقع بشكل مباشر أو غير مباشر، والواقع عنده ليس دائماً ذلك الواقع السطحي الذي نراه بالعين، بل إن الواقع هو ما تراه وتبصره البصيرة، هو ذلك الواقع الذي يعكس جوهر الحياة بحلوها ومرها.لقد جسدت أعمال شموط ملحمة النضال الفلسطيني، بلغة فنية مختزلة، ثرة بالألوان، حاضرة الخط، حاشدة بالعناصر والمفردات والرموز والإشارات المستوحاة من الواقع والإرث الحضاري الفلسطيني الضارب في القدم..

واقعية شموط التعبيريّة، لا تشبه أبداً واقعية الغرب والشرق، لأنه ينسج من خلالها عباءته الخاصة، وموضوعاته الحميمية التي لا يمكن أن يحس بها سواه، وسوى الملتصقين بالجرح الفلسطيني النازف والحار، وألوانه المسحوبة من هذا الجرح، مفعمة بالأمل وحتمية الانتصار.

يقول شموط: (عندما أعود بذاكرتي إلى الوراء، لا أتذكر إلا الدماء، الدماء، الدماء في كل مكان، الدماء على الحجارة، على الشارع، على الثياب، على الأجساد، ولا أرى إلى الدموع والأسلاك الشائكة. ثم بعد ذلك، عن ماذا تنتظرون مني أن أعبّر؟). مزج الفنان شموط في أعماله بين الرمز والواقع، مؤكداً التمسك اللامحدود لشعبه بأرضه وإرثه الحضاري المنتهك والمسروق من قبل الصهاينة، وحق أطفال هذا الشعب، في مستقبل آمنٍ مستقر وكريم.

عكست أعماله الملحمية كل هذه القيم والمضامين، عبر مشاهد متداخلة، غنية بتفاصيل البيئة الفلسطينية، رافلة بأحاسيس عالية ومؤكدة، بقدرة هذا الشعب الجبار، على النهوض من وسط الدمار، كطائر الفينيق، وبناء حياته الجديدة فوق أرضه المتجذر فيها كالشجر العتيق، رغم حجم التحدي الصهيوني، وقسوة الظروف المحيطة به محلياً وعربياً ودولياً.

تنافس لا يهدأ

استفادت الفنون التشكيليّة من إنجازات الصورة الضوئيّة، وبالمقابل تسعى الصورة الضوئية لتمثل إنجازات الفنون التشكيليّة، والتشبه بها، ومنافستها على أدوارها.

تباين واختلاف

في الوقت الذي يتمكن فيه الرسام من تضمين أعماله موقفه من الحدث، واختزاله وتلخيصه، يعجز المصوّر الضوئي عن ذلك في إنجازاته الثابتة أو المتحركة.

أدوار مختلفة

لعب الفن التشكيلي إلى جانب تجسيده جماليات الإنسان والحياة دور التأريخ والتوثيق والتحريض على الثورة والنضال، ونقل الموقف واستشراف المستقبل.

طريق مسدودة

وضعت (الكاميرا) وإنجازاتها المتعددة، الرسم أمام طريق مسدود، وجعلته ينكفئ ليحصر إنجازاته في لغته البصريّة والعمل عليها، دون إيلاء المضمون اهتماماً كبيراً

د. محمود شاهين