إنها قصة مشوقة لزي وموضة تقليدية تاريخية، انتشرت في العالم العربي، فترة طويلة من الزمن. هي حكاية الطربوش وما يحيط بها من أحداث ومفاهيم واعتبارات، حيث لا تخلو من طابع الأهمية والطرافة والدور التاريخي.

خاصة وانه شهد رواجا كبيرا في مجتمعاتنا خلال سنين عديدة، كان فيها سيد الساحة بين مختلف أنواع أغطية الرأس الأخرى، ليتجسد كعنوان يعكس بوجه مضموني متشابك، منظومة قيم وعادات وأعراف للمجتمعات العربية والإسلامية في ذلك الزمن، فبعد العمامة ثمَّ العقال، جاء الطربوش، كأنَّه فاصل بين تاريخين أو زمنين، ليزين ويكلل الرؤوس لأكثر من مئة عام، وليتلاشى حضوره لاحقا، فيولي، ولتبقى العمامة والعقال، أو حتى الرؤوس الحاسرة.

إن غطاء الرأس هذا(الطربوش)، والذي شغلنا وصار «موضة» العصر، لفترة لا بأس بها، لم يقتصر على كونه قطعة قماش تؤدي غرض حجب أو حماية الرأس، بل مثل تعبيرا عن الأناقة والمكانة الاجتماعية أو الفكرية أو السياسية، وبذا نجد تميز وتمظهر فنونه في إطار مضطرد، حيث تتدرَّج ألوانه من الأحمر الفاتح إلى الأحمر الغامق، على شكل مخروط ناقص، وتتدلَّى من جانبه الخلفي حزمة من الخيوط الحريرية السوداء، كما يوضع على الرأس مائلاً إلى الوراء أو إلى أحد الجانبين.

وكان الرجل، عندما يظهر «وطرةَ» طربوشه إلى الأمام- نحو الوجه-، يعني بذلك رغبته في التعبير عن شدَّة غضبه. وهناك فعليا نوعان من الطرابيش، بعضها يصنع من الصوف المضغوط، أو من الخوص المُحَاك، أو من الجوخ الملبَّس على قاعدة من القش، فيستعمل عازلا للرطوبة، ليكسبه متانة أكثر، وبعضها الآخر يصنع من القش.

صناعة دقيقة

وفي خصوص ماهية صناعة وتصميم الطرابيش، نرى أنها ليست بسيطة أو سهلة في جانب دقتها، فهي تحوي عناصر متنوعة وآليات عمل محكمة، وترتكز إلى قواعد عديدة. وبطبيعة الحال، فإن لكل رأس قالبا خاصا، يتراوح حجمه ما بين 25سم و 75سم، لهذا فإن الحرفي الذي يقوم على هذه الصناعة يعنى في المرحلة الأولى بتفصيل القماش اللازم والمناسب للقالب، وبعدها يدخل إليه القش، ويركَّب «الشرَّابة» السوداء، ثم يكبس على الستارة. ورغم تشابكها، نلحظ أن هذه العملية في مجملها، لا تستغرق أكثر من نصف ساعة.

للشباب والشواب

ولا تغيب عن هذه الصناعة، أو الموضة، اعتبارات مواءمتها للسن والمكانة، الخاصين بمن سيقتني هذا الطربوش المصنع، لذا فإننا نكتشف تضمنها جماليات وتحديدات كثيرة، ومثالنا هنا أنه كان لون طربوش المتقدِّمين في السن أحمر داكناً، بينما طربوش الشباب أحمر فاتح، واللافت هنا وجود تخصص محدد ومنفصل في غسله، فعندما يتَّسخ الطربوش يوكل أمره إلى معنيين بتنظيفه، يُسمَّى الفرد منهم ب (كوى) الطرابيش، وحين يتقادم العهد على الطربوش، كان يُقص من دائرته بعرض 2سم أو أكثر، وتلف تلك القطع على شكل دوائر تُسمَّى «السركي».

دلالات واعتبارات «طرابيشية»

ظلَّ الطربوش مستخدماً في عدد من الدول العربية إلى عهود قريبة، ومازال رائجا في بعضها حتى الآن، وأبرز هذه الدول:المغرب ومصر وسوريا وفلسطين ولبنان وتونس والجزائر، إذ عُد ضرورياً لاستكمال المظهر الرسمي، آنذاك.

علاوة على تموضعه كأهم مقاييس الوجاهة والرجولة المطلقة، كما طغت مجموعة من الطقوس والمفاهيم الدقيقة بخصوصه، وحتى أنَّ جنازة الميِّت عندما كانت تُحمل على الأكتاف لا يغيب حضور الطربوش معها، في حال كان الميت رجلاً عادياً، وتظهر عمامته محمولة، عوضا عن الطربوش، إذا كان عالماً، وأيضا كان هناك لفَّة تسمى «لام ألف»، عبارة عن قطعة قماش مزركشة باللون الأصفر مع الأبيض، تحيط بالطربوش، تستخدم لغرض الدلالة على أنِّ الميِّت رجل دين، أو أنَه ذو مكانة اجتماعية رفيعة.

بين المنع والإلزام

وفي مصر لم يكن مسموحاً لأيِّ موظَّف في دوائر ومؤسَّسات الدولة أن يدخل على رئيسه دون ارتداء الطربوش، هذا طبعا علاوة على إلزامية لباسه من قبل طلبة المدارس، حيث يطرد من لا يلبسه، وبقي ذلك إلى أن جاءت ثورة يوليو 1952، إذ اعتبر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أن الطربوش رمز للرجعية والإقطاع، فاستغنى عنه، وذلك بعد ان اشتهر بلبسه أفراد العائلات المصرية العريقة، كعائلة سعد زغلول، وحبيب باشا السعد، وفكري أباظة، إلى جانب عميد الأدب العربي د. طه حسين.

ظهوره الأول

كان الظهور الأول للطربوش في العالم العربي، ضمن مدينة دمشق أيام «إبراهيم باشا»، الابن الأكبر لمحمد علي باشا والي مصر، والذي حكم سورية مدَّة تقارب العشر سنوات 1831-1841، فعمم أثناء حكمه الشام (سوريا الطبيعية)، لباس الطربوش بدل العمامة، وقد حرص محمد علي باشا قبل ذلك، وفي إطار برنامجه لتحديث البلاد واستقلالها، على إنشاء مصنع للطرابيش في مصر، إذ كانت، وحتى بداية عهده، تستورد الطرابيش من الخارج، لكن محمد علي اتخذ موقفا مغايرا إزاء هذه المسألة، بعد أن هزمته وطوقته الدول الغربية باتفاقية 1840، ركز معه على تفكيك مصانعه كاملة، بما في ذلك مصنع الطرابيش.

طربوش لرأس «مبجبج»

إن من أبرز الطرائف التي تُروى عن الطربوش، تأرجحه في حالة شد وجذب وتناقض، بين واقع حضوره وأهميته في كل من الدولة العثمانية وسوريا، فيروى أنَّ الرئيس السوري حسني الزعيم 1897-1949، والذي حكَمَ سورية عام 1949 لمدة 137 يوماً، أصدر مرسوماً جمهورياً منعَ بموجبه الموظفين والمستخدمين لدى الحكومة من ارتداء الطربوش.

وهذا طبعا خلافا لوقائع مناهج بعض السلاطين العثمانيين تاريخيا في هذا الصدد، وعلى رأسهم السلطان العثماني سليمان القانوني، إذ أصدر مرسوماً بتعميم ارتداء الطربوش في دوائر ومكاتب الجهات الرسمية العثمانية.

أمَّا الزعيم الوطني ورئيس الوزراء السوري فارس الخوري 1873-1962، والذي كان رأسه كبير الحجم، ما سبَّب له الكثير من المواقف الطريفة في هذا الشأن، ويروي الكاتب والأديب عادل أبو شنب، قصَّة في هذا الخصوص حول طربوش الخوري، وذلك في كتابه «شوام ظرفاء»، حيث يقول:

«مرّ فارس الخوري بأحد أسواق دمشق فرأى طربوشاً يناسب رأسه، فجرَّبه وسأل عن ثمنه فوضع البائع رقماً كبيراً، ولعلَّه رفع الثمن لندرة وجود طربوش يستوعب رأس زبونه، لكنَّ الخوري استغلاه وهمّ بالانصراف.

فقال له البائع: اسمع يا فارس بيك، لو درت الدنيا كلها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، لما وجدت طربوشاً كهذا يناسب رأسك «المبجبج»، ما شاء الله. وردّ عليه فارس الخوري في الحال: اسمع يا أخانا، أنتَ أيضاً لو درت الدنيا كلها لما وجدت رأساً كرأسي يجيء طربوشك عليه- حفر وتنزيل-، ويُقال إنَّ الخوري أخذ الطربوش برأسماله.

عائلات وطرابيش

قد يختلف شكل الطربوش ومقاسه من بلد إلى آخر، ففي سوريا وفلسطين كان طويلاً وأشد احمراراً عن ما هو عليه في تركيا، وشهد الثلث الأخير من القرن العشرين شهرة عظيمة لعدد من الطرابيش، ومنها طربوش «الأبيش»، «المهايني»، «العظمة»، «البكري»، «الحسيني»، «السبيعي». وفي لبنان، اشتهر آل حيدر وآل أرسلان وآل الخازن وآل سلام وغيرهم من كبار العائلات ورجال الحكم، في لبس الطربوش والتفاخر به، حتى قيل إنَّ المسؤول في الوزارة أو في مجلس النواب، إذا كان لا يلبس الطربوش، يستحيل كونه مؤهلا للمسؤولية والجدية في اتخاذ القرارات، بل إنَّ أحد مقاهي بيروت، كان يمنع دخول أيَّاً من مرتاديه إلاَّ إذا كان معتمراً الطربوش.

«طربوش غوار»

كثيرا ما ترتبط لدينا صورة الفنان السوري دريد لحام، في أدائه لأعماله الفنية المتنوعة، بالطربوش ونمط ارتدائه وتصميمه، ونجد أنه في غالبية الأعمال التي قدمها، وبرصد وتخطيط مسبق وذكي من قبل المرحوم الكاتب محمد الماغوط، كان استخدام وظهور الطربوش، يأتي ليعكس ويعبر عن رسالة خاصة ضمن موقف اجتماعي محدد، أو إزاء وضع سياسي وعربي عام. ولا شك أن تميز قدرة «غوار» فنيا، أضفت جماليات ودلالات عميقة في مظهره بالطربوش، أو حتى في وضعيته على رأسه، أو عندما كان يستعمله أحيانا للتلويح به، أو يضرب به أحدهم، أو أيضا حين كان يرميه ليعبر عن استيائه وفقدانه الوقار والتوازن. عموما كانت هذه الأعمال تجسد فعليا دور ومكانة وأهمية الطربوش في اعتباراتنا وثقافتنا المجتمعية، إلى وقت قريب جدا

أنور محمد