تتعرج الطرقات صعوداً نحو «حصن الزكاتين» المكان الذي يلامس أطراف الغيم، حتى يخال المرء نفسه قد وصل سقف العالم، وقد ترامت الوديان حوله وزادتها الصخور المدببة رعباً، والسيارات التي تسلك أسفل الوادي بدت كعصافير صغيرة تطير نحو أفق مجهول، لكنها سرعان ما تتحول إلى أصوات جبارة تشق سكون المنطقة، وقد تبدد الغيم حولها لتنبثق منه سوداء داكنة تجر بقايا لهاثها نحو «حصن الزكاتين» الحصن الذي يقول عنه اليمنيون إنه بني هنا لرد هجمات الأعداء، قلت في نفسي: أي عدو يقوده قدره إلى هنا ؟!.
في اليمن لا يعرف المرء أين يبدأ التاريخ، وكيف هو الحاضر، ومتى هو المستقبل؟، هناك تتداخل الأزمنة، وتتواصل حركة الحياة صعوداً وهبوطاً. هناك لا يمكنك أن تقرأ صحيفة، ولكن تصدر في أرجاء البلد السعيد أكثر من أربعمئة صحيفة!
وهناك يعمل الناس في السياسة ولكن لا تجد حياة سياسية، بل حياة حزبية، وحول مجلس القات يمكنك أن تناقش سياسة البيت الأبيض وتخلع سيده، ويمكنك أن تدّعي ملكية المريخ وتبيع أرضه لهواة الفضاء، ولكن سرعان ما يعود أوباما إلى مكانه عندما ينتهي مجلس القات، كما يسترد مالك المريخ صكوك بيعه، فلربما ارتفعت الأسعار مستقبلاً.
لكن عندما تتجول في منطقة باب اليمن وسط العاصمة صنعاء، وتنظر حولك إلى بقايا التاريخ، ينتابك ذلك الإحساس بقوة الماضي الذي جاء منه الناس، ماضٍ تنظر إليه من موقعك الحاضر بكثير من الحذر والهيبة، والسؤال ينتابك:
لماذا تجمد التاريخ هنا، بينما دارت عجلة الزمن سريعاً في أماكن أخرى من العالم؟، سؤال يليه سؤال كما تتوالى الأزقة والحارات في باب اليمن، زقاق يقودك إلى زقاق، وحارة تسلمك إلى مثيلتها، وخلف كل الوجوه التي تصادفها ألف حيرة لا تفسير لها، ليس أولها ماذا يفعل هذا الخنجر (الجنبية) في حزام اليمني؟ وليس آخرها ذلك الخد المنفوخ بأوراق القات!.
كثير من الأسئلة تحافظ على قيمتها الغامضة عندما لا تجد جواباً لها، وتقتضي الحكمة في المناطق الغامضة ألا تنتظر تفسيراً من أحد، بل عليك أن تكون سؤالاً في المكان، بثيابك العصرية جداً، وهاتفك النقال المزود بكاميرا دقيقة، تتوقف لتلتقط مزاج الناس ولون الحجارة ومعاصر الزيت من الزمن الغابر، وبعض العيون ترمقك بنظرة عادية لأنها اعتادت على ملتقطي الصور ومؤرخي اللحظات، ولأنك ترتدي بدلة أنيقة يخاطبك الباعة بلقب «دكتور».
عليك أن تصدق اللقب، لأن المكان الذي يبني ناسه بيوتهم في أعالي جباله، ولديهم صكوك ملكية المريخ، عليك أن تصدقهم وتلتقط صورهم!، لأنهم يستحقون عيشهم في البلد السعيد.
