من سوالف الحريم في الجزيرة السورية العليا

من سوالف الحريم في الجزيرة السورية العليا

تنبع قيمة هذا الكتاب من تميز أسلوبه ومنهجه التوثيقي المشوق في تناول موضوع ثقافي وتراثي مجتمعي، ينصب على جمع السير والحكايات والقصص الشعبية من الناس العاديين في مناطق الجزيرة العليا في سوريا، وبلهجتهم المحكية، ليتجسد بمضمونه التحقيقي الغني، كجرعة مركزة للأدب الشعبي العاكس لتجارب المجتمع على اختلاف شرائحه ومستوياته، إذ يدلل بهذا على أن فهم الإرث الأدبي ليس حكراً على الآثار القديمة، ولا على ما تضمّنته الكتب من أفكار الكتّاب وأحاسيس الأدباء.

النصوص الشفهية وثائق أدبية شعبية وشواهد حضارية ولغوية قبل أن تكون حكايات مسلية.يعرض كتاب «من سوالف الحريم»، لمؤلفته الكاتبة والباحثة وعالمة الآثار الإيطالية ليديا بتني.

والصادر عن وزارة الثقافة ـ الهيئة السورية العامة للكتاب ـ دمشق 2009، يعرض ل(40) قصة جاذبة روتها نساء في الجزيرة السورية العليا وفي الشمال الشرقي من مدينة الحسكة، باللهجة المحلية (معظمهن أميات تتراوح أعمارهن بين 18 ـ 70 عاماً)، وقد جمعت هذه القصص ميدانياً في الفترة الزمنية الواقعة بين 1982 و2007، حيث قامت بتني بتسجيل القصص صوتياً.

رسمت الباحثة في كتابها هذا مجموعة خطوط تحليلية تاريخية وسردية، تظهر تلافيف حياة الناس والروابط التي تجمع بينهم ضمن تلك المنطقة من سوريا، خاصة أن معظم هذه القصص مصدرها عشائر عربية موجودة في الجزيرة السورية.

ومنها جبور، طي، شمر، وهي قبائل تتحدث بلهجة بدوية شرقية. وتقدم بتني لبحثها في هذا الشأن، من خلال استعراض وافٍ للخلفية التاريخية السكانية والحضرية في المنطقة، مبينة الفترة التي سُكنت فيها، ثم ظاهرة الإعمار في المنطقة، مع مطلع القرن العشرين، إذ نمت بوادر التحضر مع تشكل القرى التي تكثفت نتيجة لنمو التطور والنمو الزراعي الهائل في منطقة الجزيرة السورية.

ونتج عن هذا التطور تحول الأهالي من شبه بدو رحّل إلى حضر مستقرين يعيشون الآن في بيوت مصنوعة من اللبن، وأصبح اقتصادهم يقوم على تربية الماشية والحيوانات، وعلى الزراعة المروية أو البعلية.

وتنتقل الكاتبة لتطلعنا على تلك القصص، موضوع كتابها، بمضمونها المعبر والحيوي، إذ نجدها تعكس إدراك المجموعة السكانية في المنطقة، لخبراتها الاجتماعية الخاصة، مفصحة عن القيم فيها وتميز الثروة الثقافية الشعبية، والتي أصبحت معرضة للاندثار والضياع بسبب التحولات العميقة التي جلبتها التغييرات الحديثة.

وتوضح لنا بتني في توصيف عرضها لما في جعبتها من قصص، أن القسم الأعظم من هذه القصص تجري أحداثها في أجواء بدوية، ولذلك تشكّل (البرية أو الحماد أو الصحراء أو الجول)، المحور الأساسي فيها، وهو مكان غير آمن، من جراء الأخطار الحقيقية التي تواجهها شخصيات القصص، كالحيوانات المفترسة وقطاع الطرق واللصوص.

ونلحظ في مختلف محطات وفصول القصص بالكتاب، أن ذِكْرُ المدينة نادر جداً، والموصل (في العراق)، بفعل قربها، تُذْكر كمدينة تسافر إليها القوافل حاملة البضائع.

تحيلنا الكاتبة إلى جزئية مهمة في هذا الخصوص، نتلمس معها، وعبر رسائل ومقاصد السوالف الذكورة، أن امتلاك الحيوانات وكثرتها يعكس غنى شخص ما وسمو مكانته الاجتماعية، وأن النباتات المزروعة تحوز فضاء محدوداً جداً في القصص، بينما النباتات طبيعية المنشأ موجودة بشكل واسع، إضافة إلى نوع آخر من النباتات البريّة: الشجيرات الشوكية والجذور المستعملة كحطب.وفي ما يخص الراويات، نكتشف مع الكاتبة أنهن نادراً ما ينحدرن من عائلات نبيلة، ومع ذلك نرى أن القصص لديهن، غالباً ما يكون أبطالها من شيوخ القبائل الذين يعادلون الملوك في قصص الوسط الحضري.

كما نتعرف مع تلك الحكايات وراوياتها، إلى عوالم أخرى في هذه البيئة، وعلى رأسها ماهية مهنة التجارة بأنواعها، ومصادر الرزق، وحكايات الغزو والأسلحة، وارتباط القهوة بالرجال لترمز إلى المهابة والحظوة لرئيس القبيلة، وأيضاً هناك تحضير الطعام والمطبخ «البطل في القصص هو الذي يطبخ لأصحابه الذين يذهبون لصيد السمك و(الحنفيش)» ونتبين كذلك أن المهمة التي توكل إلى الإناث هي حراسة المؤونة العائلية والخبز بمراحله كافة، ويضاف إلى اختصاصات النساء، طبقاً للقصص، مهمة رعاية الطيور الداجنة، كالنعام والدجاج وما في حكمها.

وكذا فإن علاقة الزوجين وسير الحبّ، يحضران بقوة وكثرة في هذه القصص، ويبرز بوضوح اهتمام الزوج بزوجته، فهو يسألها عن صحتها وعن الهدايا التي تريدها بعد رجوعه من السفر، أو أنه يرسل العبد لإحضارها بعد أن تكون سافرت للبحث عن عائلتها.

وفي خلاصات استنتاجات دراستها، تؤكد الكاتبة بتني أن هذه النصوص الشفهية هي بمثابة وثائق أدبية شعبية وشواهد حضارية ولغوية، قبل أن تكون حكايات مسلية، لذلك فإن طريقة التدوين تحافظ عليها كما لفِظَتْ، بكل ما قد تتضمنه من تكرارات، وتناقضات وأسلوب خاص لكل واحدة من الروايات.

الكتاب: من سوالف الحريم في الجزيرة السورية العليا

تأليف: ليديا بتني

الناشر: وزارة الثقافة ـ الهيئة العامة السورية للكتاب - دمشق 2009

الصفحات: 152 صفحة

القطع: الكبير

فيصل خرتش

طباعة Email
تعليقات

تعليقات