يحاول كتاب « الصحوة في ميزان الاسلام» رصد ظاهرة الصحوة وإخضاعها، على ما يذكر، لميزان الشرع. وتبرز أهمية هذه المحاولة من أن صاحبها عاش وعايش تيار الصحوة ورموزه وانضوى تحت لواء التيار، ما يؤهله للشهادة على المرحلة وتعريف القراء بالأصول التي بنيت عليها، ثم هل هي مشروع حضاري أم سياسي.
ومن أين نبعت فكرتها وهل هي فكرة دولة، أم أفراد، وهل هي أصيل نؤسس به منهجاً يملأ فراغاً أم بديل نزيح به ما لا يستحق أن يكون قائماً؟ وإن كان تناول المؤلف يشير إلى قدر من الترصد، بالشكل الذي يثير التساؤل حول حياديته.ويرى المؤلف أنه نظراً لطبيعة المجتمع وسهولة اختراقه نجح المنظرون في تحقيق غاية نكوص المجتمع وارتداده للخلف في قلب المفاهيم وتحوير مشاعر الناس في أقل من عشرة أعوام ما ساهم في انشطار الناس إلى فسطاطين أحدهما للملتزمين والآخر للمارقين!ويرى المؤلف في نقده لتيار الصحوة أنه لم يبن مشروعه الدعوي «التحريضي» على المعرفة، بل اعتمد أنصاره على تفعيل العاطفة من خلال افتعال الخطر الداهم على العقيدة من قبل التيارات الآخرى.. هذا رغم أن القرآن رفع مرتبة ومكانة العلم الذي يعني إعمال العقل وفهم الخطاب بأدوات معرفية ومنهجية حيادية وغير منحازة مسبقاً.
وعلى ذلك يؤكد المؤلف أهمية الفصل، لدى قراءة أدبيات خطاب الصحوة بين منهج الإسلام الحضاري وبين خطابات التسييس التي ظهرت بتوافق بين عدد من قوى المجتمع الدولي ثم العربي ملزمة بتبني الثقافة الشمولية المهيأة لتقاطع المصالح بين السياسة ورجال الدين، ما أعطى كل فريق من الساسة ورجال الدين حق التسلط ما يوحي بدوره بادعاء العصمة والوثوق بالنفس حد القداسة.
وهنا يستشهد المؤلف علي بن محمد الرباعي في التأكيد على ما يذهب إليه بما يطرحه البعض من أن أشد الثقافات وثوقاً بذاتها هي أشد الثقافات خوفاً من الرأى الآخر، ما يسلب الناس القدرة على تحمل الاختلاف والتوجس من المغاير.
وفي استعراضه لبعض الحركات على أرض الواقع السعودي يشير المؤلف إلى أفكار جماعة جهيمان، واصفاً إياها بأن أفكار زعيمها خلطت الفقه بالحديث على نحو خرج برؤيته المبررة للحراك المسلح، وكان نهجه في ذلك مغايراً لنظرائه من دعاة ووعاظ الوهابية الذين لم يكن فيهم من يعتني بعلم الحديث وطرقه ورجاله، إلا بعد دخول ناصر الدين الألباني إلى السعودية واشتغاله بالتصحيح والتضعيف والترجيح والتوضيع للأحاديث النبوية.
ويذكر المؤلف في نقده للأساس الفكري لجهيمان، أن تعليمه لم يتجاوز السنة الرابعة الابتدائية، وإن استطاع رغم ذلك قيادة أكبر حركة تمرد عرفتها السعودية منذ 1929 وحتى بروز حركة القاعدة من خلال رمزها الأسطوري، حسب وصف المؤلف، أسامة بن لادن.
وفي سياق استعراضه لقضيته يشير الرباعي إلى مفارقة أن الهند تعد إحدى الجهات التي تم منها تصدير الرؤى المتشددة للإسلام إلى أرض الحرمين الشريفين، من خلال حركة ديوباندي، على يد سيد أحمد خان، وأبو الأعلى المودودي في ما بعد.
وقد تعمق هذا التأثير بفعل جماعة الإخوان المسلمين التي وصفت نفسها بأنها إصلاحية شاملة، مشيراً إلى أنه من المعروف تاريخياً أن حسن البنا سعى خلال زيارة له للسعودية لأداء مناسك الحج إلى فتح مكتب للإخوان هناك.
ويذهب المؤلف إلى أنه ربما مما ساعد على ازدهار الصحوة إعلان الثورة الإيرانية على يد الإمام الخميني في منتصف السبعينات الميلادية من القرن الماضي، وكانت تلك الحقبة زاخرة بالتوترات، حيث إن الحرب الأفغانية كانت تدق طبول الاستنجاد، وجحافل جبهة الإنقاذ في الجزائر تجتاح الساحات والمشاعر، وكذا بقية الأحزاب في العالمين العربي والإسلامي كانت تمور موراً وتسير نحو السلطة سيراً حثيثاً.
وهنا يتوقف المؤلف معبراً عن شكوكه بوجود ما يعتبره صنيعة أجنبية وصياغة خارجية لحركة الصحوة، المسربة باقتدار عبر مجموعة رموز دعوية طموحة.
وضمن انتقاداته اللاذعة لقادة الصحوة على النحو الذي يبدو معه أن المؤلف لا يرى فيهم إيجابية واحدة، يقول إنه من المؤسف أنهم لم يسجلوا لأنفسهم أي حضور إيجابي وحضاري في واقع المجتمع، فهم غالباً، حسبه، لا يتبنون فكرة إنشاء المباني المدرسية، ولا حفر الآباء ولا الشفاعة لطالب يريد دخول الجامعة.. إلى غير ذلك من مثالب يراها المؤلف.
وفي محاولة للإجابة على سؤال بشأن ما إذا كانت الصحوة صناعة دولة أم أفراد، يقول إن الواقع يدل وبقوة على أن جماعة من أفراد أذكياء تمكنوا من اللعب على مشاعر قادة وزعماء وعلماء، تحت ذريعة حماية الدين من الثورات والمد الفكري القادم من المياه الباردة والمتجمدة، وتمكنوا من فرض أنفسهم كصناع قرار.
واستمراراً للسجال مع ممثلي الصحوة يحاول المؤلف أن يدعم الرؤية التي تدحض فكرة أن الإسلام دين ودولة، وحجته في ذلك أن مصطلح الدولة من المصطلحات الحديثة التي عرفت مطلع القرن التاسع عند قيام الدولة القومية وموات فكرة الأمة.
ويختم المؤلف بإعادة التأكيد على مجمل ما أشار إليه في ثنايا مادة الكتاب، وهي عبارة عن مقالات متناثرة، ويتمثل في أن الخطاب الصحوي خطاب استمالي ومراوغ يقوم على مخاطبة الوجدان ودغدغة أو استثارة العواطف والمشاعر، ليظل جمهور المسلمين أسارى للخطاب الوعظي المحرك في كل الاتجاهات عدا الصائبة منها.
الكتاب: الصحوة في ميزان الإسلام
تأليف: علي بن محمد الرباعي
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2010
الصفحات: 86 صفحة
القطع: المتوسط
مصطفى عبدالرازق

