كتب الروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا عن الدكتاتوريات في أميركا اللاتينية، سواء في أعماله الروائية أو مقالاته، ولكنه تميز بأسلوب طرحه لهذا الموضوع، الذي عادة ما تغلب فيه السياسة على الأدب.
إنها المغامرة التي قادها الكاتب البيروفي بنجاج، فوفق في المزج بين الواقع والخيال بمقدرة إبداعية عالية. وهذا ما جعله يحوز على جوائز أدبية متعددة، منها جائزة ثرفانتس وجائزة أمير استورياس وجائزة بلاتيتا، وهو مرشح لجائزة نوبل للآداب. وله العديد من الكتب التي ترجمت إلى معظم اللغات العالمية، كما ترجمت له أكثر من ثماني روايات إلى العربية، وفي طليعتها «حفلة التيس» و«الفردوس على الناصية الأخرى» و«دفاتر دون ريجوبيرتو»، ومن رواياته أيضا «ليتونا في جبال الانديز» و«محادثات في الكاتدرائية» و«الخالة خوليا» و«مغامرة الطفلة الشقية».إن أبرز ما يميز روايته «حفلة التيس» هو تمكنها من طرح موضوع الدكتاتورية في إطار روائي، دون أن يكتسحها الهم السياسي.
لذا يمكن تصنيف هذه الرواية ضمن الروايات التي أراد بها نخبة من الكتاب الأميركيين اللاتينيين أن يصوروا الأنظمة الدكتاتورية في بلدانهم.تغوص «حفلة التيس» في العمق النفسي للشخصيات، وما أصابها من خراب روحي عميق نتيجة لآثار الاستبداد والطغيان، سواء في تأثيراته على المجتمع أو الأفراد على حد سواء.
ويحرص المؤلف في هذه الرواية، على أن يسرد سيرة حياة دكتاتور الدومنيكان «رفائيل تروخييو»، الذي استولى على السلطة منذ عام 1930، فوضع جميع ثروات البلاد ومقدراتها في قبضته مدة ثلاثين سنة كاملة، ويصور الكاتب نهايته المفجعة على يد مجموعة من الضباط المتآمرين، من الذين كانوا، حتى وقت قريب، من بطانة نظامه وحراسه الشخصيين، ويلفت الكاتب إلى أن تروخييو الدومنيكان، شأنه شأن جميع الدكتاتوريين في العالم، يضع نفسه في موقع التفخيم والتقديس.
حيث تنتشر صوره وتماثيله وأصنامه وقصوره في طول البلاد وعرضها، ولا يكاد يخلو أي منزل للمواطنين من صورة له، سواء ببزته العسكرية ونياشينه الكثيرة أو بملابسه المدنية. ويدور في فلكه أبناء متنفذون وقساة وشاذين، يصولون ويجولون في البلاد ويعبثون بمقدرات الناس الأبرياء.
تؤرخ رواية «حفلة التيس» لثلاثين عاماً من حكم الدكتاتورية في الدومنيكان، عبر ثلاثة مسارات، يسرد الأول حكاية اورانيا، ابنة رئيس مجلس الشيوخ، التي يقدمها والدها، في لحظة ضعف ودونية، لرئيسه الدكتاتور فيغتصبها، ثم تهرب إلى الخارج وتظل في المنفى ثلاثين سنة، وبعد عودتها تروي قصتها المهينة لمن تبقى من عائلتها.
ويتعلق الثاني بسيرة الدكتاتور وطبيعة حكمه ونزواته وعلاقاته، بينما يرتبط المسار الثالث بوقائع عملية الاغتيال، التي يتعرض لها تروخييو، فيقتل في إثرها. إلا أن المتآمرين الذين يتصدون له في الشارع، ويطلقون عليه الرصاص، لا ينجحون في السيطرة على السلطة، فيعتقلون جميعاً، ويخضعون لتعذيب بشع، إلى ان يعدموا في نهاية المطاف.
تسعى الرواية إلى المزج بين الواقع والخيال، من خلال طرح روائي تاريخي، ويختار الكاتب البيروفي الأحداث المعاصرة ليعكس ما يدور في أذهان الشخصيات، الحقيقية والمتخيلة، لكن تجدر الاشارة هنا على أنها ترصد بعمق أحداثا واقعية بحذافيرها تتمثل في اغتيال الدكتاتور، ونجد أن هناك بعض الأحداث التي يبتدعها الروائي، وقصة حياة عائلة كابرال، هي فعليا متخيلة بالكامل، ويستخدم الروائي التاريخ من أجل أن يبني قصة متخيلة، وذلك خاصة في ما يتعلق ب«الاستعمار الروحي» لبلد بكامله على يد عائلة واحدة.
وقد أتاح تخيل الروائي لعائلة كابرال، توفر فرصة حيوية له في إظهار جانبين من جوانب حكم تروخييو، ويرتقي في هذا السياق ليبدع في رسم صورة للنظام بموازاة الأحداث التاريخية، ويؤكد على نموذج حالة فريدة في هذا الشأن: «ليس ما أكتبه تاريخاً، بل رواية، كانت الحدود الوحيدة التي فرضتها على نفسي هي أن لا أبتدع شيئاً لا يمكن أن يحدث في الدومنيكان. فقد احترمت الحقائق الأساسية لكنني غيرت أشياء عديدة من أجل أن تكون القصة أكثر إقناعا. ولم أبالغ في سرد أي تفصيل».
إن أسلوب الرواية الواقعي، وزخم السرد البنيوي الرائع فيها، أنتجا فعليا، وجود إقبال نوعي من القراء عليها، وهذا ليس بمستغرب طبعا، فهي إضافة إلى المزايا المذكورة، تتجسد كذاكرة قصصية ماتعة وشيقة، تتضمن إسقاطات كثيرة وذكية، وأكثر الجوانب المواجهة فيها، هي الجزء المتعلق بأورانيا كابرال، وعودتها إلى جمهورية الدومنيكان، بعد مرور ثلاثين عاماً على منفاها، إذ كانت مجبرة على مواجهة الواقع الذي خلفته الدكتاتورية.
وكذلك مواجهة والدها الذي قادها إلى الدكتاتور وهي في الرابعة عشرة من عمرها، لتكون إحدى ضحاياه، وتبرز لنا هنا بينما تروي تلك الليلة السوداء في حياتها إلى عمتها وأبناء عمومتها، الذين لم يعرفوا السبب الحقيقي لتركها البلاد.
لا تلتزم هذه الرواية موقف المحايد أو المتجاهل إزاء قوة ودور الذاكرة والتاريخ، فهذه الذاكرة هي محورها ونبضها الأساسيين، حيث تشغل حيزاً كبيراً فيها، فهي تبدأ وتنتهي بقصة أورانيا، من خلال تذكر الماضي وفهم الحاضر، عبر دراستها الأكاديمية لتاريخ النظام الدكتاتوري.
ولا يرى ماريو فارغاس يوسا، أن الدكتاتورية هي فقط بعين واحدة، فيظهرها لنا بتدرجات لونية متعددة، إذ لا يصف الدكتاتور كوحش وسفاك وقاتل فحسب، بل يقدمه في إطار شخصيته الإنسانية، وتحيلنا الرواية إلى غطاء وقائع وحقائق سياسية، في إطار حبكة درامية، مبينة لنا انه كان دكتاتور الدومنيكان، تروخييو، مدعوماً من الأميركان، طوال السنوات الأولى من حكمه، لكن تراجع هذا الدعم بعد أن بدأ المذكور في الخروج عن الطاعة، لنرى ان أميركا تشارك في النهاية بدعم وتسليح المتآمرين عليه.
الكتاب: حفلة التيس
المؤلف: ماريو فارغاس يوسا
الناشر: بيكادور برنت 2001
الصفحات: 404 صفحات
Mario Vargas Llosa
The feast of the goat
Picador imprint 2001
Picado
شاكر نوري

