«الجانب الغربي والجانب الياباني يتعايشان جنبا إلى جنب في ذهني من دون أدنى إحساس بالتضارب»، هذا ما قاله ذات مرة، عملاق السينما اليابانية الراحل أكيرا كوروساوا(1910-1998)، الذي كان يوصف في بلاده بأنه المخرج الأقل يابانية بين أقرانه من المخرجين اليابانيين.

والذي مرت مئويته في 23 مارس الماضي، من دون أن يشهد مسقط رأسه، طوكيو، ضجة كبيرة أو فعاليات ترقى إلى مستوى هذه التجربة السينمائية العملاقة والقامة الفنية الاستثنائية التي نهل منها ولايزال، عدد كبير من أهم السينمائيين حول العالم. صحيح أن مئة عام مرت على ولادة المخرج السينمائي الياباني كوروساوا، الملقب بإمبراطور الفيلم الياباني، إلا أن وصية هذا الياباني المتقن لعمله حد الكمال والتعقيد والذي يوصف بالعبقري الخشن، لا تزال حية ترزق في الكثير من الأعمال السينمائية التي تنتج في هذه الآونة اعتمادا على تركته السينمائية المكونة من 30 فيلما، بسط من خلالها أشرعة نظرة رحيمة وقلقة وكونية ولدت من رحمها سينما قاومت ولا تزال، القوالب الجامدة والحدود الضيقة، متطلعة دائما إلى عوالم ذات آفاق فنية وإنسانية أرحب.

ولا بد هنا من تسجيل ملاحظة ربما يغفل عنها البعض، وتتمثل في واقع يفيد بأنه على الرغم من أن كوروساوا اقتبس أعمالا كثيرة لكل من شكسبير وغوركي ودوستوفسكي وتولستوي وإد مكباين وجورج سيمينون ولإسكيلو، فإن ما أخذه من الآخرين وثقافاتهم أعاده أضعافا مضاعفة للحضارة الإنسانية، بعد أن راحت أفلامه تشكل مصدر إلهام أو أنموذجا خالصا لقائمة طويلة من الأسماء والأفلام على غرار: «الرائعون السبعة» ـ 1960 ـ «من أجل حفنة من الدولارات» ـ 1964 ـ و«دويبات» ـ 1998.

«تأثير فضيحة السلف»

الصحيح أيضا أن أعمال كوروساوا ظلت طوال سنين تحظى بمعجبين في العالم الغربي أكثر مما هو في اليابان، حيث يتذكره في يومنا هذا، وبعد مضي قرن من الزمن على ميلاده، يتذكره بكل فخر واعتزاز من باتوا يعتبرونه أحد أعظم مخرجيهم.

لكن من دون فعاليات رسمية أو أهلية بارزة، وربما يعود ذلك إلى أن الاحتفالات بمئوية السينمائي الكبير قوضتها الفضيحة التي لطخت نفسها بها «مؤسسة أكيرا كوروساوا، التي أنشئت بعد وفاته عام 1988، ويديرها ابنه هيساو كوروساوا، حيث ذكرت صحيفة محلية في نهاية فبراير الماضي، أن السلطات اليابانية تجري تحقيقا حول مصير نحو 380 مليون ين ياباني (حوالي ثلاثة ملايين دولار) ودور هيساو البالغ 69 عاما من العمر، في جريمة اختلاس محتملة، وعلاقة ذلك بالإعلان عن إفلاس المؤسسة التي يديرها.

في غضون ذلك وبينما كان العالم أجمع في انتظار الإعلان عن موجة واسعة من الفعاليات الاحتفالية بمناسبة مئوية السينمائي الشهير، ظهر ناطق باسم المؤسسة مشيرا إلى أن كل ما يتعلق بالمعلومات الخاصة بفعاليات إحياء المئوية هي بين يدي استوديوهات «توهو» التابعة لشركة إنتاج كوروساوا، التي لم تعلن بدورها إلا عن إقامة معرض استعادي واحد حول المخرج، افتتح مؤخرا في العاصمة اليابانية طوكيو، علما أن هذه الاستوديوهات بالذات، شهدت عام 1936 خطواته الأولى في ميدان السينما، عندما عمل بصفته مساعد مخرج مع المخرج كاهيرو ياماموتو، الذي أصبح لاحقا، معلمه الأول.

نباهة خلدت اسمه

وفي عام 1943 كتب كوروساوا وأخرج فيلمه الأول «سوغاتا سانشيرو» (أسطورة الجودو العظيمة)، الذي يحكي قصة صراع بين اثنتين من مدارس الفنون القتالية، إذ حقق على الفور نجاحا غير مسبوق، ما دفع مخرجه بعد مضي سنتين إلى تصوير جزء ثان من العمل نفسه تحت عنوان «زوكو سوغاتا سانشير» (أسطورة الجودو العظيمة الجديدة)، ما أهله لاعتلاء منصة الصف الأول في السينما اليابانية.

لكن الفضل في النجاح والشهرة العالميين اللذين حققهما، يعود في المقام الأول إلى فيلم «راشومون»، الذي ظهر في عام 1950، ولعب دور البطولة فيه الممثل الساحر توشيرو ميفوني، من حصد جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقة وجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي.

إن تأثير كوروساوا بات يغطي جزءا لا بأس به من السينما المعاصرة في اليابان والعالم. فله تعود الريادة في تلك الإزاحات للكاميرا التي أصبحت في يومنا هذا من المبادئ الأساسية في هوليوود وفي السينما الآسيوية، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: كيف يمكن أن تنصقل وتتخلق أعمال وسير آنغ لي أو جون وو أو شانغ ييمو، من دون أن تظلل تجاربهم تركة كوروساوا؟

«معلم السينما»

ويطرح الناقد بيتر كويي الخبير بالسينما اليابانية هذا السؤال الكبير، في حين أصدر في نيويورك بمناسبة مئوية المخرج، كتابا تحت عنوان «أكيرا كوروساوا: معلم السينما»، يغوص معه في سيرته الذاتية، ويرصد مدى تأثير أعماله وحالة البحث عن الكمال التي كانت تشي بحالة من الهوس، ويظهر فيه أنه يتحدث مع زميله المخرج الأميركي مارتن سكورسيس مشيدا بتجربته السينمائية.

كما صدرت بمناسبة مرور 100 عام على ولادة كوروساوا، مجموعات جديدة من الاسطوانات المدمجة، تضم أفلامه، وفيها أربعة منها توزع لأول مرة على اسطوانات من هذا النوع.

وكذلك نشرت نسخة رقمية منقحة من فيلم «راشومون»، وتخصص له أيضا مهرجانات كثيرة حول العالم. ودورات خاصة في اليابان، وعلى الرغم من الفعاليات الاحتفالية المتواضعة، أعلنت جامعة رويوكوكو في مدينة كيتو أن الأرشيفات الشخصية للمخرج العبقري الراحل أصبحت في متناول الراغبين على شبكة الانترنت، وذلك بعد أن قامت هذه الجامعة العريقة بعمل رقمي رائع.

وانتهت العام الماضي من وضع أضخم أرشيف مفتوح لكوروساوا على موقع خاص به على الانترنت، يضم حوالي 200 صفحة من الملاحظات والرسائل والرسوم والسيناريوهات الغرافيكية والصور الخاصة بمعلم السينما اليابانية العظيم. وحول هذا العملاق المبدع في تاريخ وحركة السينما.

يقول مارك شيلنغ، الناقد في صحيفة «يابان تايمز»: إن «كوروساوا يحظى باحترام النقاد والمعجبين في اليابان. فلقد كان هناك فعاليات كثيرة في الذكرى العاشرة لرحيله، وكان هناك عدد كبير من الكتب التي صدرت حوله وحول أفلامه.

لكن من الطبيعي أن الشباب لا يشاهدون أفلامه بالقدر نفسه من الحماس والاهتمام الذي يشعر به آباؤهم وأجدادهم، عندما يشاهدون الأفلام ذاتها».

باسل ابوحمدة