في معرضه الذي أقيم في رواق الفنون بالشارقة، يستكمل التشكيلي عبد الرحيم سالم سيرة مهيرة، الشخصية التي تحولت أسطورتها إلى باعث على المزيد من العبث الإبداعي، العبث المنظم، المرتب، الموثوق بمنطق خاص، والذي أسسه الفنان لترتيب علاقته مع أشيائه الجادة، مع فكره وفلسفته التي يريد لها أن تتواصل مع الآخر.
حيث يقف المتلقي أمام لوحته متأملا امرأة مختبئة خلف اللون، وفي مكنون تجاويف تخلقها انزلاقات الخطوط وتداخلاتها، فمهيرة شخصية أسطورية يستمر سالم في رواية قصص مختلفة عنها، تنطلق جميعها من أرضية قصتها الأصلية، لكننا نجدها أصبحت أكثر مراوغة في الظهور والتخفي، وعلى المتلقي أن يتحلى بعين قناصة، قادرة على إدراك حالها وواقعها الآني، وليس قصديتها فقط.لماذا هي تظهر صغيرة في العمق؟ وماذا عن سبب تعمد سالم إبرازها بوجهة ودرجة وضوح تحيل إلى مستوى التلاشي؟ وهل هناك سر يا ترى في تركيزه على إخفاء معالمها فلا يظهر منها شيئا واضح البتة؟ وما الدلالة المباشرة في جنوح سالم في كثير من الأحيان نحو جعلها مغرية وقابلة للعشق؟
قصدية تشكيلية
إنها في الواقع طقوس بوح حر ومطلق، هكذا تبدو أعمال سالم حين لا تفارقها مهيرة..، وهو تحدث ذات مرة، على هامش معرض أقامه في مقر جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، كاشفا عن اللعبة التي يمارسها بين الورق واللون، لعبة تبدو قائمة على نوع من المقامرة، وليس المغامرة، قائلا:
لحظة سكب الأحبار، ولحظة تمرير الورق أو طويه أو ليه، والانفعال الذي يصاحب هذه العملية، هذه كلها تدفع إلى تشكل اللوحة، ثم في النهاية تأتي الضربات الأخيرة، وهو تداع حر، تنمو فيه الفكرة ملتصقة بالفعل وباللحظة، ويبدأ معها الكولاج ينز بدلالاته وتشظياته..
فهل ظهور مهيرة أو إخفائها، هو فعل قصدي، متعمد؟، مشاكسة يمارسها الفنان لإيقاعنا في المطب، وبالتالي يصل إلى مبتغاة اعتمادا على إغواء سيدة سمراء ذات جسد جميل؟ في كل مرة تبدو مهيرة سيدة متشكلة: أم، أخت، حبيبة، امرأة غريبة. أو، بعيدة، صديقة، أليفة، متوحشة، فقيرة، مقهورة، شامخة ومنكسرة، وكأنها جميع النساء، وكأن النساء جميعا يتجسدن ويتلخصن بها هي.
امرأة قالت «لا»
مواضيع عديدة تغوص في عوالمها وحيثياتها ريشة الفنان التشكيلي سالم، لتمر عبر أعماقها في قوالب إبداع تشمل الرسم والنحت والتجريب مع مختلف المواد، هو قال كل شيء أراد قوله، لكنه توقف بعد ذلك في مكانه، واستدار دورة كاملة، وسلك طريقا مغايرا بتأثير أسطوري كبير سببه امرأة كانت بطلة قصة روتها له جدته ووالدته.. امرأة قالت «لا»، رفضت واقعا فرض عليها فاختارت مصيرها حتى الموت..، استدار لها سالم.
فمضى معها تاركا خلفه تراكم كبير من التجارب، ليحصر طاقته الإبداعية في لوحات تلو الأخرى، متمثلا حركة تلك المرأة، عاشقا لها، باحثا عن مصيرها، محاربا بها، داعما لها، وفي مرات كثيرة هو يتحول إلى شاعر وحكيم في رحابها..، إن «مهيرة» التي تسيطر لزمن طويل على لوحة سالم، تستمر في الإغواء، فبعد الفحم والباستيل، تأتي الأحبار، وشيء من المغامرة مع حركة الورق وحركة الحبر الحرة، مع الانطلاق في فضاء يحوي الكثير من المجازفة، لكنها مجازفة المحنك والخبير..
قصة عشق خاصة
كان لا ينفك سالم وفي مفاصل ومحطات عديدة، على هامش معارضه التي أقامها داخل وخارج الدولة، يواجه السؤال ذاته: من هي مهيرة؟، وفي كل مرة يذهب إلى محطة من محطاتها في حياته ويروي سيرة لوحته، لتختفي مهيرة خلفها..، هل هو عشق الغائب؟ هل أسرته وكبلته، كما كبلت شهرزاد شهريار بحكاياتها وأساطيرها الليلية؟ أم أن سالم لا زال يجد فيها سحرا لم تجف نبوءاته ومشهدياته المحفزة على القراءات البصرية؟
أسئلة تبقى معلقة دائما، طالما تستمر سيرة مهيرة تتوالى في فصولها عبر لوحاتها التي مرت بانعطافات فنية كبيرة لدى الفنان سالم، فمن يعود إلى لوحاته السابقة، سيجدها كبيرة، تحتفي بالألوان جميعها، وتبدو فيها مهيرة كبيرة، تبرز مفاتنها أكثر وبوهج وبقوة، ومن ثم تضاءل حجم اللوحة، ومورس عليها شيء من التركيز والاختزال، بدءا من الألوان وانتهاء بالضربات المجنونة لإبداعه القيم، وبعد ذلك نقل سالم لعبته إلى خامات مختلفة، فعاد مرة أخرى إلى الأسود والأبيض، رجع إلى الطباعة البدائية.
وكأنه يدفعنا إلى منحها الاعتراف الكامل بأنها الأسطورة الباقية، ليبقيها أحفورة، فلوحاته الأخيرة تدفع بدلالات قوية إلى العتق والقدم، وكأن مهيرة تأتي من كهوف إفريقيا، مطبوعة فوق جدرانها الرطبة، وبأحبار الأولين.
أسطورة مهيرة..
هكذا تتراكم الخبرة وتنجلي صورها الإبداعية في عبق عالم عطاء فنان مميز كسالم، فكما يقول ابن عربي:
«كلما ضاقت العبارة كبر المعنى»، بذا فقط تذهب الخبرة به إلى البدائية العتيقة المعتقة، ليدلل على أن مهيرة تتعتق مع الوقت، ويصبح ثمنها أغلى وأصعب منالا.
إننا اليوم، وحين تتجول في معرض عام أو خاص تحضر فيه أعمال التشكيلي الإماراتي عبد الرحيم سالم وتحضر معه «مهيرة»، يظهر لنا بقوة وسيطرة محكمة عنوان كبير له علاقة بقضايا المرأة، وكأن لوحات مهيرة، هي شعار كبير، أو يافطة احتجاج تنتصر للمرأة، فهو لا يتوقف عن أسطرة مهيرة في لوحاته، ليبدع لوحات مغرية على القراءة البصرية والتأمل، جميلة جدا، فيها صنعة مبدع وفنان ودرس معلم.
وبمقدورنا هنا التساؤل بوجهة منطقية إذا كان هذا الأسر وهذا الاستسلام يخيفان أو يغريان ناقدا مشاكسا على القول إن مهيرة قد تكون هزمت فنان قدير وأسرته في إطارها الواحد؟، إنه احتمال مطروح في عالم النقد.
ففعلا يتبادر لأذهاننا أن نستوضح إذا ما كان الأمر يغري مثل هذا الناقد أن يرسل سهاما حادة باتجاه التجربة؟ أم أن الفنان سالم، قد انتبه باكرا لهذا الناقد المغاير والمباغت، فراح يسد الثغرات ويضيق الخناق على مثل هذه الأسئلة الجامحة؟
مرعي الحليان

