أصبح بيت ومتحف الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في بلدة أراكاتاكا في كولومبيا. الواقعة شمال البلاد، على أتم استعداد لاستقبال الزوار، وذلك بعد أن مضى على عملية إعادة بنائه وترميمه أكثر من ثلاث سنوات، حيث يعيد المنزل، مع تحوله إلى متحف، إنشاء الفضاءات والأمكنة التي ترعرع فيها صاحب نوبل للآداب، أيام الطفولة والمراهقة، بأدق تفاصيلها.

يقوم هذا المنزل ـ المتحف على 14 خاصية مستوحاة من بيئة المساكن الكاريبية التي كانت سائدة في النصف الأول من القرن العشرين، وتمت استشارة ماركيز وأخذ موافقته المسبقة على تسمية كل ركن من أركان المنزل، الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من أماكن أراكاتاكا الممثلة بامتياز لأصل وفصل حيز لا بأس به من مصادر الإلهام الأدبي التي استمد منها ماركيز الكثير من أعماله. وما كان لعملية إعادة بناء هذا المسكن المهجور وشبه المهدم، منذ أكثر من أربعين عاما، أن ترى النور كما يجب، لو لم تأخذ وزارة الثقافة الكولومبية في الاعتبار الوصف الذي استعرضه له ماركيز في كتاب سيرته «أعيش لأرويها»، الصادر عام 2002 .

إضافة إلى شهادات والدة صاحب نوبل، لويسا سانتياغا ماركيز، وعمليات استكشاف وتحقق تمت في العقار، وأيضا الحرص على التأكد من صحة شهادات الأقارب والأصدقاء، وهذه القضايا بمجموعها شكلت حجر الأساس في هذا المشروع الرائد الذي سمح بإعادة إبداع الخواص والمواد نفسها في صلب توصيف وسمة عمارة المنطقة وبيوتها، المبنية آنذاك من ألواح خشبية بسقوف ألواح من الزنك. إعادة بناء البيئة الثقافية وفي هذا الصدد، قالت باولا مورينو وزيرة الثقافة الكولومبية:إن الهدف في عملية البحث والتحقق هو إعادة بناء البيئة الثقافية وتوزيع فضاءات المنزل انسجاما مع الأوصاف الواردة في السيرة الذاتية للكاتب.

وللقيام بهذا العمل البحثي الهائل وكتابة قصة المكان من منظور متحفي، لجأت الوزارة إلى مجموعة من الخبراء والباحثين الذين أمعنوا النظر في مذكرات وأعمال مؤلف «مئة عام من العزلة»، إلى جانب مؤلفات المؤرخين الكولومبيين عموما، ومؤرخي المنطقة على وجه الخصوص، ومقابلات مع أقارب وأصدقاء مؤلف «خريف البطريرك.

ولا شك أننا نستدل من كلام الوزيرة باولا في هذا الشأن، أن قصة المنزل تلك، تروي حياة وأعمال الكاتب في كافة بيئاتها العائلية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، السائدة في المنطقة الواقع فيها المنزل المتحف، وفي البلاد عامة.

«آتي لأطلب منك أن تسدي لي معروفا وأن ترافقني في رحلة بيع المنزل. ما كان عليها أن تقول لي أي منزل ولا أين يقع، لأنه لا يوجد، بالنسبة لنا، إلا منزل واحد في العالم، منزل الجدين القديم في أراكاتاكا، الذي ولدت فيه من حسن حظي، والذي لم أعد للعيش فيه قط بعد الثماني سنوات من عمري». هذه الفقرة مأخوذة من مذكرات الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز «أعيش لأرويها».

ثلاثة منازل

إن قطعة الأرض، الواقعة في بلدة «أراكاتاكا» بولاية «ماغدالينا» على الساحل الكاريبي، التي شيد عليها نيكولاس ريكاردو ماركيز ميخيا وترانكيلينا إيغواران، جدي غابرييل غارسيا ماركيز من طرف أمه، منزلهما، تحتضن في يومنا هذا ثلاثة منازل وقاعة لم يكتمل بناؤها، والمنزل الأول عبارة عن بناء متواضع من الطوب، يستقبل زائره بلافتة كتب عليها:

«بيت ومتحف غابرييل غارسيا ماركيز»، والثاني مكون من حجرتين ومصطبة مدعمة بألواح خشبية سميكة وسقف من الزنك وهو نسخة مطابقة للأصل، تحاكي المنزل الأصلي الكبير الذي ولد فيه مؤلف «مئة عام من العزلة».

ويشتم من عملية إعادة البناء المصغرة هذه، رائحة فئران وملابس قديمة، لكن على الرغم من صغر حجمه ومظهره وتدهور حالته لسنوات طويلة قبل ترميمه خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، إلا أنه كان البناء الأكثر حداثة والمنزل المرتجل المؤقت الوحيد الذي كان يستقبل السائحين، والذين راحوا يحجون إلى أراكاتاكا بعد فوز ماركيز بجائزة نوبل للآداب عام 1982.

قطعة الأرض

وعلى هذا النحو، يتذكر ماركيز قطعة الأرض في مذكراته ويقول إنها كانت تحتضن دائما ثلاثة بيوت على الأقل، كانت تتبدل شكلا ومضمونا بين الحين والآخر، وذلك تبعا لمن يروي قصتها، وربما لهذا السبب بالذات، لا يبدو أي من تلك المنازل الثلاثة غريبا بصورة إجمالية.

وعمليا ففي أقل من خمس دقائق كان يمكن رؤية كل ما يستحق أن يرى في المنزل الثاني هذا، فبضع صور حديثة العهد بحالة سيئة، وجهاز هاتف وصورة من الجص لقديس بترت بعض أطرافه، وصندوق يشبه ذلك الصندوق الذي أحضرته أورسولا إلى ماكوندو مع ثياب امرأة متزوجة حديثا من المزرعة التي اتحدت فيها حياتها مع حياة خوسيه أركاديو بوينديا، وموقد للفحم، وآلة كاتبة متخلعة.

وبعد عبور هذا المنزل الصغير يطل الزائر على الفناء الذي تنتصب فيه بعض النباتات التي تعانق الممر القديم المحاط بأصيص الياسمين، الذي يعبق المكان برائحته، وعند النظر إلى الجهة اليمنى، نرى شجرة تدفعنا إلى الخروج عن منطق الأشياء والشك في أن الأمر ربما كان يتعلق بشجرة الكستناء الأسطورية المذكورة لدى ماركيز في رواية «مئة عام من العزلة»، إن الزائر ليقف مذهولا أمام حضورها المهيب .

ومن لا يتمتع بجرعة لا بأس بها من الفطنة، يظن أن شجيرات الزينة المطاطية المحيطة بها، أطول عمرا حتى من عمر ماركيز نفسه، فالشجرة ولدت إلى جانب شجرة أخرى، ومع مرور ثلاثة عقود من الزمن راحت تمتد وتتطاول حتى وصلت إلى غرفة الضيوف.

وهذا الضيف الجديد، الذي أصبح عمره 35 عاما، حل محل الشجرة الأكثر كثافة وضيافة، وهي شجرة كستناء تبدو وكأنها تعيش على هامش العالم ببعديه الزماني والمكاني، حيث يغص المكان بأوراق أشجار ونباتات قديمة كان محتما عليها الموت بعد أن بال عليها أكثر من عقدين متعاقبين من الحروب الأهلية الكثيرة التي كانت تندلع في القرن الماضي.

عنصر إلهام الرواية

وعلى الجانب الأيمن من الشجرة، يقع المسكن الثالث الذي يضم حجرة واحدة فقط، إذ أعيد بناؤه أيضا باستخدام ألواح خشب سميكة ووضعت عليه علامة كتب عليها «كافيتريا»، علما بأنه لا وجود لأي «كافيتريا» هناك، وهذا طبعا بينما يبقى باب الحجرة مغلقا بقفل.إن المنزل الأول كان العنوان الأول الذي فكر أن يضعه المؤلف لرواية «مئة عام من العزلة».

لكن منزل جديه في أراكاتكا، لا يزال راسخا في مكانه، ليس كحالة العظام التي كانت تحملها معها ريبيكا عندما وصلت إلى منزل بوينديا، وإنما كما وجدت ريبيكا وأورسولا نفسيهما وكذلك آل خوسيه أركاديوس وآل آوريليانوس وأماراتنا ورميديوس، والكثير من الشخصيات الأخرى التي أتت منذ الأزل كي تقطن عالمنا غير المادي.

وعندما يعود الزائر أدراجه، عبر طرقات البلدة وأزقتها الضيقة، فيلقي نظرة على نهر أركاتاكا ويتحقق من أنه لا وجود لأي قاع مليء بأحجار هائلة بيضاء مصقولة، كبيض يعود إلى عصر ما قبل التاريخ، تظهر حالا مزارع الموز وزيت النخيل، ويتساءل عن إمكانية تكرار هذا المشهد حتى تتمكن أورسولا من الاستمرار في كنس المنزل، الذي أصبحت على يقين في يومنا هذا، من أنها لن تتركه طيلة ما تبقى من حياتها. بعد كل شيء أو قبله، لا فرق، فإن الحقيقة في ماكوندو بالكاد تعتبر البداية بينما لم يكتب، حتى النسيان، نهاية الحكاية قط.

النشأة.. لبنات الإبداع

ذلك المنزل القديم شكل اللبنة الأولى في وعي المبدع ماركيز، الذي راحت تتراقص فيه حكايات الجدين ومشاهد بلدة أراكاتاكا الاستوائية الصغيرة، الواقعة على الساحل الشمالي لكولومبيا والمحاطة بالجبال والبحر الكاريبي، وهو الموقع المفترض لبلدة «ماكوندو» التي أبدعها ماركيز في عالم الخيال والأدب في وقت لاحق.

نشأ الطفل الصغير في بيت الجد، نظراً لسفر أبيه وأمه إلى مدينة أخرى وضيق حالتهما المادية، فكان جده الكولونيل يقصّ عليه حكايات الحروب وأبطال الحزب الليبرالي الذي ينتمي إليه، ودوره في الحرب الأهلية الأخيرة بين حزبه وحزب المحافظين وصراعهما المرير على السلطة، وهو ما جعل الطفل يتشرب تلك النزعة الليبرالية والتوق إلى الحرية ورفض الاستبداد، وهو الأمر الذي يتجلى في العديد من أعماله، كما في رواية «خريف البطريرك».

كما يلاحظ تأثير جدته عليه من خلال حكاياتها عن الأشباح والخوارق، التي لم تبهره بقدر ما راق له أسلوب السرد ذاته، فتمكنت الجدة من خلاله، أن تسرد حدثاً غامضاً غريباً بطريقة سلسة تجعله يبدو كأنه حدث طبيعي يتكرر في الحياة اليومية، وهكذا ظهرت للطفل الصغير إمكانية رؤية واقعه من منظور سحري وخرافي، وإضفاء الرموز والدلالات العجيبة على الواقع، ملكة راحت تتطور إلى أن باتت في تيار الواقعية السحرية، الذي ذاع صيته وأصبح له مريدوه على امتداد العالم.

أبرز أعماله

قدم هذا الكاتب الكبير مجموعة من الروائع، ومن أهمها:«خريف البطريرك»، 1975، «قصة موت معلن» عام 1981، «الحب في زمن الكوليرا«، 1985، كما كتب سيرة محرر أميركا سيمون دو بوليفار في رواية «الجنرال في متاهة»، ورواية «ليس للكولونيل من يكاتبه».

و«مآتم الأم العظيمة»، و»خبر اختطاف»، و«الحب وشياطين أخرى»، و«في ساعة شر»، و«الأم الكبيرة»، و«أشباح أغسطس»، و«الموت أقوى من الحب»، و«ثمن عشرين قتيلا»، و«بائعة الورد»، و«اثنا عشر قصة مهاجرة».

ولم تحل إصابة ماركيز بالسرطان دون استمراره في الكتابة، فنشر أربع روايات حتى عام 1997، وهي «عن الحب وشياطين أخرى» و«مغامرة ميغل ليثين السرية في تشيلي»، و«خبر اختطاف»، و«أهرب لأحلم»، كما كتب سيناريو لفيلم واحد فقط «أوديب رئيس البلدية»، وتوقف ماركيز بعد ذلك عن الكتابة، ليصدر في عام 1999 كتابا يضم جميع أعماله الصحفية.

وفي نهاية عام 1999، سحب ماركيز رصيده من جائزة نوبل من أحد البنوك السويسرية واشترى مجلة «كامبيو» الكولومبية، وفي 2002 أصدر الجزء الأول من مذكراته تحت عنوان «عشت لأرويها»، والتي تتناول حياته وطفولته حتى عام 1955.وفي سبتمبر 2004 نشر رواية جديدة بعنوان «ذاكرة غانياتي الحزينات».

باسل أبو حمدة