ساهم العالم العربي في انتقال تقنيات صناعة الورق من الشرق الأقصى إلى أوروبا، وقد جاء انتشار الورق كنتاج لتلك الصلات المكثفة مع الثقافة الإسلامية التي ساهمت في تطور الحضارة الأوروبية خلال العصور الوسطى، وهو الأمر الذي ترك آثاراً لا تمحى في مجالات الرياضيات والطب والفلك والفن والعمارة وكذلك في تاريخ الكتب والمواد المتصلة به.

معرض «رحلة الورق» الذي شهدته مكتبة الإسكندرية أخيرا ونظمه متحف الآثار بالمكتبة الذي تديره بدرية سري، بالتعاون مع المعهد المركزي لترميم وصيانة التراث الوثائقي والمكتبي بإيطاليا الذي يديره أرميدا باتوري، يأتي انطلاقاً من أهمية الورق كوسيلة من أبرز وسائل الاتصال عبر القرون، واعتباره جسرًا للفكر ومصدر للمعرفة بين الثقافات والحضارات. حيث كشف أهمية الورق كوسيط ناقل للمعرفة في تاريخ البشرية منذ ما يزيد عن ألفي عام، وتناول الجوانب المختلفة للورق من حيث الإنتاج والانتشار والاستخدام والصيانة، كما تضمن ورشة عمل حول صناعة الورق.

المعرض يشكل رحلة الورق عبر التاريخ، ويعبر عن تطوره من الشرق إلى الغرب. والجوانب المختلفة للورق من حيث الإنتاج والانتشار والاستخدام والصيانة، وتوضيح كل ذلك بالصور والمواد الفيلمية والوثائقية المتنوعة.ويعود الفضل في اختراع الورق للصينيين وينسب هذا الاكتشاف إلى تساي لون وقد بدأ الصينيون في إنتاج الورق بداية من القرن الأول الميلادي وقد تم اكتشاف بعض القصاصات الورقية التي سطع تاريخها بالقرن الأول، وقبل اختراع الورق استخدم الإنسان مواد مختلفة للكتابة بما فيها ألواح الطين وأوراق النخيل وجلود الماعز والبردي وهو نبات مصري.ظلت صناعة الورق سراً لدى الصينيين في القرون الأولى حتى القرن الرابع عندما بدأ ينتقل سر الصناعة إلى كوريا واليابان. وفي العالم العربي لعب اكتشاف الورق دوراً هاماً في تطور وانتشار الإسلام والثقافة العربية كالكتب المقدسة والمخطوطات وفن المنمنمات.. إلخ.

وللحفاظ على هذا التراث يستلزم وجود مجموعة من الأدوات والتقنيات التي تحافظ على هذا التراث الورقي ويأتي هذا المعرض المسمى «رحلة الورق» لإبراز أهمية هذا التراث الورقي والأساليب الجديدة المستخدمة في حفظه.

وقالت كارلا كازيتي براك، مديرة معهد ترميم التراث المكتبي بالمعهد المركزي لصيانة وترميم التراث الوثائقي والمكتبي بروما، أن المعرض هدف لتقديم شيئاً مفيداً للباحثين والمهتمين بعالم الورق، لذا قدمنا كتيبا يحتوي على مقالات ترجمت من الإيطالية للعربية، تشرح تقنيات ومناهج الترميم والصيانة. قبل اختراع الورق كانت هناك مواد متنوعة استخدمت في عمل الوسائط الكتابية مثل: دروع السلاحف وعظام الحيوانات، والفخار، والحجارة، واليشب والبرونز.

يتكون الورق من طبقة لبادية (من اللباد) متشابكة الألياف، ويتم الحصول عليه من خلال تمرير مزيج مائي من الألياف النباتية عبر منخل، وعند انحسار المياه، تنزع الورقة من المنخل ويتم تجفيفها.

ونظرا لتكون الألياف بشكل رئيسي من مادة السليلوز (وهو المكون الرئيسي البنيوي في الجدران الخلوية للنباتات) يؤدي تفاعلها مع الماء وتلاصقها مع بعضها البعض إلى منح الورق ليونة ومقاومة وهي الخواص الرئيسية المميزة للورق.

وقد تم إنتاج أول الصفحات المصنوعة من الورق في الصين حوالي عام 105 م، من خلال تعطين لحاء الأشجار والنباتات والحشائش، كما أدخل الصينيون حوالي عام 700 م تقنية التغرية بنشا الأرز لعمل سطح للكتابة مستوٍ وغير منفذ للحبر. وخلال الفتوحات العسكرية في آسيا الوسطى وتحديداً في معركة أطلخ عام 751م.

استولى المسلمون على مدينة سمرقند وأسروا عدداً من صناع الورق الصينيين، الذين كشفوا لهم سر صناعة الورق، وهكذا بنى العرب المسلمون في سمرقند مركزاً لصناعة الورق من الكتان والقنب.

ومنذ هذه اللحظة وعلى مدى خمس قرون أرتبط الورق بالتطور الحضاري في العالم العربي والإسلامي، الذي شهد انتشار مراكز إنتاج الورق في بغداد واليمن ودمشق وطبرية وطرابلس (الشرق) ثم اتجهت نحو الشمال الغربي عبر أنطاكية والقسطنطينية، وبشكل خاص تجاه الجنوب الغربي.

ظهر الورق في مصر مع نهاية القرن الثامن الميلادي تقريباً ( في الفسطاط والإسكندرية) حيث حل تدريجياً محل البردي، وقد تخصص وادي النيل والشام في إنتاج نوع فاخر من الورق المصنوع من ألياف الكتان والقنب، كما ظهرت مراكز إنتاج الورق في الأندلس أثناء الحكم الإسلامي. وأثناء الحكم الفاطمي لمصر ( وهي الأسرة الحاكمة التي أسست مدينة القاهرة عام 969 م)، ومن خلال الأراضي التابعة لهم في تونس وفلسطين والمغرب وصقلية، وصل الورق إلى شمال إيطاليا.

واعتباراً من عام 1495 انتشرت صناعة الورق في أماكن مختلفة من قارة أوروبا، وقد جعلت عملية التغرية ؟ التي يتم الحصول عليها بالغمر في مادة جيلاتينية الورق أكثر متانة وملاءمة للكتابة عليه.

ويختلف الورق المصنع آليا عن نظيره المنتج بطريقة يدوية، خاصة في شكل الألياف. ففي حالة الورق المصنع يدوياً يؤدي ؟ غمر حامل عجينة الورق في مستعلق سائل من الألياف والماء ثم تحريكه، ثم انحسار الماء- يؤدي كل هذا إلى تكون نسيج الألياف بطريقة عرضية مما يمنح الورقة في النهاية درجة مقاومة مرتفعة، على عكس ما يحدث في حالة الورق المصنع آلياً، الذي تصنعه بكرة تدور باستمرار وتؤدي الحركة الدائرية للماكينة إلى أن تتخذ الألياف اتجاه و احد مما يجعل الورقة هشة نسبيا على طول الحبيبات أو في نفس الاتجاه الذي تسير فيه حركة الماكينة. ويظهر خط الحبيبات هذا واضحا في منتجات أخرى مثل الورق المقوى.

محمد الحمامصي