الصندوق.. السر الذي نخشى عليه ومنه، وهو يتراوح بين الثابت في مكانه، إذ يعني كلاً منا، في سره الشخصي، والمتحرك، أي ما هو قابل للتبادل والتفاعل باسمه في علاقاتنا الاجتماعية، وحتى خارج حدودنا المحلية الضيقة .

هل نحن محكومون بالصندوق حقاً؟ قد يأتي جواب أي كان ودون تردد بالرفض، وحتى الاستهجان: كيف لصندوق، صندوق دون تحديد، أن يكون متحكماً بنا؟! ولعل سؤالاً، قابلاً للتخيل، يطرح هكذا: ما الذي أضفى على الصندوق أهمية ليكون في واجهة اهتماماتنا؟ ما هذا المحتوى: الصندوق الذي لا نغفل عنه ولا شعورياً؟

لا دخل للصندوق في كل ما يمكن أن يتردد عنه ذهنياً، إنما ما يلح على حضوره، على أنه مؤثر فينا.

نتحدث عن عبوة ما، عن شكل مجوف، عن جسم يغلَق بإحكام، وثمة قفل هو حارس متنقل في يد أي منا، أو في مكان معين، يتحدد أهمية تبعاً لأهمية ما نُعنى به. إننا نشير هنا إلى كل ما يخصنا من ألبسة وأوراق وأموال وودائع ومعلومات...الخ، نتحدث عن تاريخ حافل بالمستجدات، بطرق مركَّبة ومبتدعة لنا في علاقاتنا بما حولنا وبأنفسنا وفيما بيننا، تنتهي إلى هذا الصندوق أو تنطلق منه أو تدور حوله الصراعات، وما أكثرها!

أليس الكون ذاته على هيئة صندوق غير مرئية أطرافُه أو مداخله، أو قفله وأكثر من ذلك ونحن مقيمون داخله؟ ألسنا أنفسنا مودعين في صناديق متحركة إلى حين، ولكل منا صورة معينة قابلة للتفسير، وثمة من يرصدنا ويتهيَّأ للغوص داخلنا وتحرّي محتوياتنا(ما يخصنا في تركيبنا النفسي والعقلي والاجتماعي..الخ)؟

أليس الصندوق، دعك من الخلاف أو الاختلاف حول الشكل أو الاسم أو اللون، وجهة الصنع..، قادراً على إظهار مدى الثراء والتنوع فيما نعرَف به أو نختلف عليه، عندما نتحدث عن أمناء السر في أمور معينة، تخصنا جماعة ما، أو هيئة اجتماعية، أو مؤسسة، أو لجنة، أو سلطة خاصة، أو دولة قائمة بذاتها، أو عالم كامل بعينه؟!

حتى سياراتنا أو مراكبنا أو ما يقلنا براً وبحراً وجواً، أشبه بصناديق نودع فيها، وهي تحملنا من أمكنة لأخرى، ليس لأننا رحالون، متنقلون داخلها فقط، وإنما نعرَف بها، وقد تكون شاهدة على مدى وعينا واتصالنا بالأشياء من حولنا، إن تذكرنا هنا (الصندوق الأسود)، والقيمة الحياتية التي يتضمنها هذا المفهوم الرهيب!

ثمة صندوق الأسرار الجماعية والفئوية والشخصية، ثمة الصندوق الذي يحيل إلى شخص بذاته وفي موقع معين.

ثمة صندوق يسهل الكشف عنه جهة الفرز أو الفصل بين ما يخصنا ذكوراً وإناثاً، شيباً وشباناً..

ثمة صندوق يواجهنا بحقيقة أسطورية مركَّبة عن تجنيس القيم (صندوق باندورا السيئ الذكر).

ثمة صندوق يكتسب قيمة دينية تاريخية، يتجاوز حدود الأراضي اعتبارياً (على الأقل: تابوت العهد يهودياً)!

أليس القفص ذاته صندوقاً سوى أنه يسمح برؤية من أو ما في الداخل الشبكي، ولكنه مغلَق وثمة من يهتم به؟

أليست الذاكرة ذاتها، صندوقاً يفتح ويغلق، تبعاً لاهتمامات الشخص، وفق نظام حيوي ونفسي خاص هنا؟

ألا يتحدثون أيضاً عن القلب أحياناً كثيرة باعتباره صندوقاً، يفتح أو يغلَق تبعاً للشخص ونوعية هواه ومكانته؟

ألسنا أيضاً محصورين بين صندوق لحمي نخرج منه (الرحم)، وآخر مختلف ينتظرنا في اختتام حياتنا، هو التابوت، وحتى بالنسبة لمشهد القبر، يبرز مفهوم الصندوق الأرضي جلياً، لا يعرَف سره إلا خالقه المفارق لنا؟

أهي طرافة إن تحدثنا عن فولكلوريات الصندوق، عن صندوق العجائب والمفاجآت (صندوق الدنيا)، أو الصندوق المحروس والمتروس بإحكام لما يهم طرفاً أو شخصاً ما وفي مكان معين، بحسب المودع داخله، وعن تنوع أشكاله وأسمائه بالنسبة لكل منا، بحسب انشغالاتنا ووظائفنا ونوعية اهتماماتنا. صندوق لحلي المرأة، لما هو خاص بها أوراقاً أو حاجات صغيرة، صناديق صغيرة سمّيت علباً بتخريجات شتى، تخص الهدايا.

وما أكثرها، ولا بد من التمييز بين وجه وآخر، بحسب الوضعية الاجتماعية والعائلية، ليكون الحديث هنا منصبَّاً على أكثر درجات الاستئثار بالشخصية أو التقليل منها في خصوصيتها في البيت وخارجه عبر مفهوم الفردية؟

نحن إزاء تاريخ ونصوص أسطورية وحكايات ومحاولات تنتظر التسمية، وهي كذلك لأن حياة قائمة فاعلة فينا!

ربما المطّلع وحده أقدر على التقاط الإشارات دون الدخول في التفاصيل.

الصندوق: السر الذي نخشى عليه ومنه، وهو يتراوح بين الثابت في مكانه، إذ يعني كلاً منا، في سره الشخصي، والمتحرك، أي ما هو قابل للتبادل والتفاعل باسمه في علاقاتنا الاجتماعية، وحتى خارج حدودنا المحلية الضيقة..

أن نكون في مواقعنا ونتحرك في فسحات محدودة، بينما يكون الصندوق في تنوع أدواره ومقاماته التعبير عن رغباتنا والمستوى الاجتماعي والأخلاقي وحتى الجمالي الذي بلغناه في ثقافتنا الخاصة والعامة، وما يشكّل إرثاً مشتركاً للبشرية، وحتى عبئاً عليها، من خلال مفهوم الطرود، أو الحقائب (وهذه في حد ذاتها تتطلب مقالاً خاصاً، نظراً لانفجار مفهومه وما يمثّله لكل منا على صعيد الجنس والنوع والنظرة إلى الأمور).

والتكاليف التي تترتب عليها ومدى ارتباطنا بها وهي تمثلنا إذ تنتقل معنا، أو تسبقنا أو تلحق بنا، أو تتحرك دوننا من خلال عناوين تثبت عليها، لنكون إزاء فهرست كامل ومدهش لهذا المسمَّى بالصندوق، لهذا الاسم الذي يستشرف عالماً يصعب الإحاطة به، لأنه عالمنا الذي يخصنا جماعات وأفراداً، مثلما يعنينا ثقافات وتصورات.

وبقدر ما ينفتح على الممكن البت فيه ضمن حدود، وما ينطوي على سر، له مغزى ديني أو ثقافي ما أو اجتماعي وغيره، ما يكون قابلاً للتحول في مفهومه وقيمته في المنحى الاجتماعي والسياسي والإنساني، وعلى أعلى مستوى (صندوق النقد الدولي، صندوق التكافل الاجتماعي، صندوق رعاية الطفولة، صندوق نهاية الخدمة..).

إنه بحث في السيمياء (في الدلالات)، وفي الرموز ذات الصلة بنوعية كل ثقافة وما يصلها بغيرها، وبمدوناتنا المنشورة وتلك التي تنتظر النشر والاطلاع عليها، وما يبقى في العتمة!

هل ما زال السؤال الذي افتتحنا به مقالنا هذا فاقداً لمشروعية الطرح؟

ابراهيم محمود