EMTC

الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة

الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة

صورة

يناقش كتاب «الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة» موضوع الرقابة في العالمين العربي والإسلامي، من خلال مجموعة مقالات تركز على قضايا ترتبط بعلاقة الرقابة مع كل من الحرية والإبداع والفكر وحرية التعبير.

ويعنى بحث الكتاب في تحليل آليات العمل الرقابي وأهدافه، بالإضافة إلى آثاره والجهات التي تستفيد منه. كما لا يفوت الكتاب تقديم مجموعة من النماذج التي تتحدث عن الرقابة داخل الإسلام، ودور الرقابة في الجامعة، ومن ثم الرقابة حول قضية المحرقة اليهودية، علاوة على الرقابة التي تمارسها حركة حماس ووزارة الثقافة في فلسطين.يبين سمير بو عزيز في مقالته المضمنة في قالب إجابة عن سؤال ماهية الرقابة، أن الرقابة هي آليات لفرض قيم ومعايير تكتسب سلطتها الحقيقية بفعل التسليم بأن الحدود التي تصنعها هي الحقيقة وأن الخروج عنها من العيوب، ولا بفعل القوانين وحسب. ويتم هذا الأمر من خلال قيام السلطات بإشباع الوعي العام للمجتمع عبر عدد من المسلمات التي تفرضها على الجميع، والتهديد باستعداء كل من يخالف، والتنكيل به، ما يعني أن أجهزة الرقابة لا تصنع الممنوع، بقدر ما ترصد من يأتيه وتعاقبه.

فيتحقق بذلك هذا الرصد من قبل المؤسسات الدينية بشكل أساسي، إذ تضع هذه المؤسسات الضوابط والموانع وفق صبغة دينية معاييرها وعناوينها الحرام والفسق والمعيب والانفلات.

وهذا فعليا ما حصل في تاريخ الإسلام والمسحية واليهودية، حيث أنتجت مجتمعة، عدداً كبيراً من الموانع والخطوط الحمر وسلب الحريات، لتكفل مصالح الحكام والقائمين على المؤسسات الدينية.

وفي شأن الأساليب الملتوية للرقابة، يؤكد الكاتب باسط بن حسن في دراسته المعروضة بالكتاب، أنها تلجأ إلى العنف الرمزي والزخم العاطفي وإثارة الفتن وتنميط ما لا يمكن تنميطه، وصولاً إلى العنف اللغوي وإخراج المختلف من دائرة العقل والمنطق. ونجده يشدد هنا على أن حرية الرأي لا تتقبل الحدود ولا الجدران، فلا بد لها من تجاوز تلك الأساليب المشبعة بمجموعة من المصالح.

ويتعمق هشام صالح في موضوع الرقابة ضمن أرض الإسلام، فيربطها مباشرة بمسألة حرية التعبير، ويستنتج في هذا الواقع أن الإسلام، وخلال تاريخه الطويل، عاني من مسألة الرقابة، الأمر الذي أدخله في حالة من الجمود والتحجر دامت قرونا طويلة، فأدى ذلك إلى فرض محاذير واهية على المسلمين، لا يجوز لهم معها التفكير في جملة مواضيع، أو التعبير عنها، لأنهم سيعدون كفارا حينها:

«كافراً زنديقاً»، ويبرهن على رأيه هذا بأنه خير مثال على غير المفكر والمتأمل فيه، مسألة خلق القرآن التي تعد اليوم من الممنوعات، وتعرض القائل بها للعقاب، وهو يتهم القرضاوي مع بقية شيوخ الإسلام، بشكل صريح في هذا الصدد، ب«الهيمنة» على المسلمين، وفرض نوع معين من الأفكار.

يختار الباحث عبد السلام بنعبد العالي تحليل وتبيين أمثل أوجه تهديم الرقابة، بغرض إطلاق الإبداع الإنساني، لافتا إلى أن هذا الإبداع هو مقاومة للرقابة، كون كل رقابة تولّد مقاومتها، وكون الإبداع يتسم بالوعي كلما تمكن من فهم أشكال الرقابة وآلياتها الجهنمية، ليتجسد عمليا كحركة لا تنفك تنفلت من ذاتها، وتجر الرقابة إلى ميادين مجهولة تستعصي على الضبط، حتى وإن كانت في كيفية مؤقتة.

وتعمد الكاتبة رجاء بن سلامة إلى بحث جانب «الصمت»، بوصفه أحد أقوى أسلحة الرقابة، لا سيما «الصمت المنظم» أو المقصود. فهو ـ برأيها ـ يعزل الفكر في زاوية، ويحوله إلى كومة رماد في أرشيف رهيب، مبينة أن هذا ما حصل مع المفكر إسماعيل أدهم في النصف الأول من القرن العشرين، لمجرد أنه كان يعبر عن إلحاده وعدم إيمانه بالغيبيات، وتستطرد في هذا الخصوص لتبرهن أن عمل الرقابة يعطل ما يسميه فرويد «عمل الثقافة»، فعمل الثقافة لا يعني نشر المعارف وتناقلها، بقدر ما يمثل مساعدة للبشر على أن يعيشوا معاً.

ويفرد خلدون النبواني في بحثه منهج سرد قصصي معبر، يشرح لنا معه تجربة «الماركيز دي ساد» في التملص من بين أصابع الرقابة، ونجاحه في نشر الكثير من أعماله، رغم انه كان محجوزا في مصح للأمراض العقلية.

سيرة المعاناة الشخصية مع الرقابة، هي ما يعنون مقالة ودراسة الشاعر الفلسطيني باسم النبريص، فيحكي لنا معها واقع ما واجهه من أجهزة الرقابة الخاصة في السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وهو لا يتوقف كثيراً عند الرقابة التي يفرضها العدو، لأن ذلك مفهوم وليس بحاجة لشرح، ولكن المشكلة العصية على الاستيعاب ـ حسب النبريص ـ هي أن تقوم السلطة الفلسطينية بمصادرة كتب ومقالات كل من يقف بجرأة في وجه اتفاقات أوسلو، وتمنع نشر أي قصيدة تنقد الأوضاع القائمة وتطالب بالمزيد من الحرية والشفافية.

وأخيرا يسلط الكاتب محمد الشيباني الضوء في مقالته، على موضوع الرقابة داخل الجامعة، ليفسر لنا مدى كون الحريات الأكاديمية أصبحت منتهكة، وأن الجامعات فقدت دورها الحقيقي في نشر ثقافة الاختلاف والتعدد وحريات الرأي والمراجعة النقدية للموروث، في أيامنا هذه، فوصلت العملية حدود تدهور وانحطاط بالغين، تحولت الجامعة في ظلهما إلى مجرد مدرسة أيديولوجية تعلم الناس الطاعة والخوف والمعرفة السطحية.

الكتاب: الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة

تأليف: مجموعة من الباحثين والكتّاب

الناشر: دار بترا للنشر والتوزيع دمشق 2009

الصفحات: 192 صفحة

القطع: الصغير

رشيد الحاج صالح

طباعة Email
تعليقات

تعليقات