تنبع قيمة هذا الديوان الشعري من كونه بوحا شفافا عميقا عن المرأة، بلغة المرأة، إذ تقص فيه الشاعرة إبراهيم كم العذابات والمشكلات التي تعترض الانثى في داخل شخص المرأة راهنا، لترصد حقيقة غنى الوجدان الانثوي، مجردا، قبل أن يحتاج إلى صيغ التلوين.
فتخلص من هذا الباب إلى مجموعة من المنعكسات والهموم التي تتعمد تسجيلها بصراحة وصدق تامين، وتبوح بهما بمشاعر ومعاناة غالبية النساء، وهي تفرد أيضا مساحة خاصة نتلمس في صميمها انها توثق بالحبر المنصاع لقوة الكلمة وتأثيرها، ملامح تجربتها الشخصية.
يجمع ديوان «كثيرةٌ أنتِ»، للشاعرة السورية سوزان إبراهيم، والصادر عن دار التكوين دمشق 2010، نساء قليلات، ربما بحجم قبضة اليد الواحدة، يتحدثن ويشرقن بأنوثتهن، لكنها تبقى تفتش عن المرأة فيهن، فلا تجدها: امرأة ككل النساء، تمشط شعرها، وتتجمل، وتغفو هاربة من الزمان والمكان إلى حدود اللامنتهى، عساها أن تكون هناك.
تبدو محطات سحر شاعرية هذا الديوان، معبرة في جسد الجزالة والبلاغة، لتعكس كم هي شاعرتنا إبراهيم متعبة في تحميل الأشياء والمواقف أكثر ممّا تحتمل، وتتابع محطات تحليق لغتها الشعرية لتوضح لنا قلقها، لأنها تبحث عن ذاتها فلا تجدها، فنكتشف في هذا الخضم أن ثمة امرأة خائفة وضائعة في المجهول، ولكن ما من أحد يسمعها، إنها تمضي وحيدة في زحمة الحياة، ولا صديق أو حبيب يقف إلى جانبها، فتضم أسرارها في لفافة صغيرة تخبئها عن عيون الناس، وتذهب في النور الآتي من الظلام:
كثيرة أنتِ..نساء في امرأة..فمن أسجن ومن أنفي؟..من أكره منهن، ومن أحبّ..كوني كما ينبغي.. امرأة أقلّ.
ولا تتوقف إبراهيم عند هذا الحد من التصويرات، فتأخذنا برحلة مشاعر وجدانية جميلة ممتعة في حراك وغنى جملها المتعاقبة، لنرتشف معها رحيق مواقف جميلة، فنراها في بوحها بمثابة مال البحر، لا يؤثّر فيها المدّ و الجزر، حيث انتظرته طويلاً، فما كان نورس قصائدها، ولا هي كانت فتاة القبيلة المهذبة، إنها تنهمر مجموعة من الأعاصير التي تهزّ الغابة.
وفجأة نصحو مع شعاع تعمق إبراهيم في حالة وعاطفة هذا الموقف، لنعي أنها الفاتنة التي تلهو في البحر محوّلة أمواجه إلى قلاع من الكبرياء، وتهزها بعنف وقسوة، إنه الهياج، فبقدر ما يعلو الموج تصرخ به أن لا يتوقف، وتمسك السوط بيدها، وهي تقف على الموج، ترشقه، تطلب منه أن يستمر في الهيجان والعلوّ والاتساع، وبعد ذلك يأتيها الهدوء، وها هي الشمس تشرق من جديد، وتفيق المرأة النائمة، لتملأ هذا الصباح بقلبها الذي يشتعل.
لا يستسلم وهج وصخب المرأة في دواخل شاعرتنا، ففي عالم قصائدها اللاحقة في الديوان، نراها تجلس أمام أمّها لتقول لها: أنا امرأة يا أمي، فلا تعامليني معاملة الصغيرات، امرأة عرفت كل أسرار الجدات، وما يقمن به من مغامرات ومداورات، تفتش في أغراضهن البائسة، فلا تلمح إلا طوقاً من الخرز وبعض الحجب النذرية، وبضع صور عفا عنها الزمن.
تبحر إبراهيم كثيرا في قوة مفرداتها باضطراد نصوع وتأثير حالة عاطفتها، فتتحول لتتذكر سراديب شهرزاد، وأساليبها في الغواية أمام ملك ضعيف لا همّ له سوى قتل بنات جنسها، لكن الشاعرة تثور هنا، وتقف لتعلن رفضها كل هذه الأشياء، للجدات وما يخبئن، ولأسرار شهرزاد، لا بل إنها تقف بوجه الرجل ذي السطوة الأسطورية لتقول له: «لا»، فلم يعد يلزمها صندوق عرس أمها وخرز الجدات، إنها تكره أساورهن وقلائدهن وخواتمهن، وكل ما يشتهين أن يحظين به.
وتجهد إبراهيم في تسلسل وقائع أحداث قصائدها، ونضوج رتم ارتباطها السببي، ضمن أفق هذا البرزخ، كي لا تتحرر من عنفوان حريتها ورأيها المشبع صراحة ومواجهة، وبذا فإنها تختار مخاطبتنا بسلاسة ووضوح:
أريد العيش في ثوب امرأة بعيدة عن أساليب عيشهن، امرأة جديدة لها ميزات كل نساء الأرض، فهل تستطيع أن تعيش. ولقد نبذتها علب النوم الفارغة لأنها ترتّب تفاصيل حكاية أخرى، تبدأ من وقوفها أمام المرآة، والبحث عن جماليات هذا الوجه المعبّر والمأساوي، إلى اكتشاف تقاطيع جماله وحيويته، وإعطائه لمحة من الجمال هنا ولمسة هناك، ليكون في أتمّ صوره، تنطلق عبر الشوارع، إلى الحرية، والجنون.
هكذا تمضي الشاعرة وحيدة، ليس لها صديق أو صديقة تبثه حنينها ولواعج صدرها، تمسك المرآة فتراها تبتسم لوجهها المثقل ببقايا الأحلام الملونة، إنها تسترخي في فراشها تداعب الكسل، وحين تنهض من غفوتها لا تجد سوى خزانة الملابس وكتبها، فتشرب قهوتها دون زحام من قبل الأصدقاء الذين يكثرون الكلام في ضجيج الصمت وأحوال الطقس.
ونعود مجددا مع حلقات صور خطف إبراهيم العاطفية في سياق فسيفساء تنوع قصائدها، لنتعرف على شاعرتنا المتعبة، لأنها تتسكع في قلب المدينة، لا صديق يلامس فرحها، ولا قريب يزيل عنها الهموم.
ليس سوى الرياح تكنس ذاكرة الرحيل، فتتناوب على رشف فناجين القلق، ويعربش الخواء على أسوار وجدها، لكنها تمضي، وفي الطريق ثمة خرائط للدروب وقبرات للغناء.
وهنا تغدو شاعرتنا متعثرة بقلبها، لتخاطب أحدا ما، فتقول له: «لا تتركه وحيداً، فقد نسيت شبابيك الغرفة مفتوحة، وها هي العصافير تدثر ببعض حلمي»، ومع هذا نعي حقيقة مكنون مخزون قصائدها الدافقة، التي تنساب في الصفحات المتعاقبة، كاشفة لنا أنها امرأة يائسة، وحيدة، لا تجد الأمل إلا في الشوارع والغابات، وعلى شاطئ البحر، فتمضي فيها، وإليها، تبحث عن أحد ما ليسد لها هذه الفراغات.
الكتاب: كثيرةٌ أنتِ
تأليف : سوزان إبراهيم
الناشر: دار التكوين دمشق 2010
الصفحات: 101 صفحة
القطع: المتوسط
فيصل خرتش
