لا تتبدى أهمية هذا الكتاب من كونه يعرض فقط لرؤى التحرر والخروج من القيود الواهية المكبلة للفكر والتصرف النسوي ـ حسب رؤية العديد من المثقفات المسلمات.
ـ حيث يجد الكاتب أن مرد وقوع هؤلاء النساء المفكرات في المضمون والفهم الخاطئ في هذا السياق، يعود لمزجهم بين الديني والثقافي، ومغالاتهم التي دفعتهم إلى حدود تصور مكمن القصور وقاعدة نظم مفاهيم تكبيل المرأة، موجودة جميعها في النص الديني، لافتا إلى أن هذا وقع بفعل تأثير مجموعة من العوامل الخارجة عن نطاق الحقيقة العلمية. يؤكد المفكر العربي فهمي جدعان في كتابه الجديد «خارج السرب»، الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر-2010»، أن الفكر الإسلامي والعربي الموروث لم يحفل بما يشبه أن يكون «مشكلة المرأة» أو«مسألة المرأة»، إضافة إلى ما يرتبط بذلك ويتبع له في إطار ما نطلق عليه اليوم مصطلح «حقوق الإنسان».
ويشرح جدعان مجموعة غنية من الرؤى والتصورات والتحليلات، التي يقدم لجميع محاورها وبناها بغرض أن يعكس من خلالها، شتى الآراء والمواقف في هذا الخصوص: قد يبدو الكلام اليوم، عن «النسوية الإسلامية» في أعين عامة المسلمين و«الإسلاميين»، شكلا من أشكال التحدي والاستفزاز.
أما «النسويون» و«النسويات»، الذين ثقفوا المفهوم ومارسوه وفق تقاليده «الغربية»، فلن يحملوا هذا الكلام على محمل الجد، ومن المؤكد أن كثيرين منهم سيسخرون من ذلك. وقد يشبههم في الموقف نفسه جمهرة من الليبراليين والعلمانيين.
يشير الكاتب إلى أنه ثمة كتبا وأبوابا متنوعة في «سير النساء» و«أحكام النساء»، في الفكري العربي، لكن ذلك ظل بعيدا عن مجال النظر في مشكل الموضوع الماثل، وتحديدا في مفاهيم المساواة والحرية والخروج من قيود الفهم الاتباعية الناقلة للنصوص.
ويتطرق جدعان إلى نقطة جوهرية في هذا الشأن، تتمثل في أن الأدبيات الإسلامية الفقهية، عرضت لجملة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، إلا أنها ظلت عند حدود «الأحكام الشرعية» الماثلة في «المجموع الفقهي» الموروث، والذي تغلب عليه سمات التقرير والتسويغ، والوقوف عند ظاهر النص، بحيث لا تتجاوز ذلك إلى شيء آخر سواه.
ويبين المؤلف انه لعل في مقدمة هذا المجموع الفقهي تشخص أي (القوامة)، وأحاديث (الطاعة)، التي يستند إليها «العقل الاتباعي» في إنكار مبدأ المساواة بين الجنسين، وفي تقديم مبدأ طاعة المرأة للرجل والحق في «تأديبها»، وذلك من ما يروى أو ما «انتحل» على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل: «والذي نفس محمد بيده لو أمرت أحدا أن يسجد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، وكذا في حديث أخر، كما يروى في صحيح مسلم: «الملائكة تلعن المرأة حتى الفجر إذا غضب عليها زوجها».
ويلفت الباحث جدعان، إثر هذا التناول والنقاش الموسع، إلى انه مع بدايات القرن التاسع عشر أخذت الحداثة الغربية، تولد حراكا إنسانيا عميقا في جميع أرجاء الكون، وقد أدرك هذا الحراك معاقل المجتمعات الإسلامية تماما كما أدركت غيرها، وأثار فريق من رجال «التنوير» أسئلة حول «مشكلة المرأة»، وعلاقة ذلك بالإسلام وأحكامه وتعاليمه، وبذا حاولت هذه النزعة أن توظف مبدأ «الاجتهاد « في فهم النصوص الدينية وتقريب أحكامها من المعطيات والحساسية «الحديثة».
ويستطرد المؤلف في بحثه ضمن هذه القضية، موضحا أن هذه «المساءلة»، ذهبت إلى أبعد من «الوظيفية التكييفية» الإصلاحية لدى نفر من النساء المسلمات، اللواتي لا ينتمين إلى ما اسماه البعض ب«الإسلام العربي»، وإنما ينتمين إلى شعوب إسلامية غير عربية.
حيث تشكلت ضمن وعبر أعمال هؤلاء النساء، حركة «النسوية الإسلامية التأويلية»، الجاعلة من الإسلام منطلقا ومرجعية أولية لها، فتوجه وانتظم عملهن وفق منهج «إعادة القراءة» أو«التأويل» للنصوص الدينية وللتاريخ الإسلامي، من أجل انجاز رؤية جديدة للإسلام وفق «منظور نسوي»، يؤكدن جميعا أنه منظور قرآني إسلامي.ويعرض لنا جدعان مجموعة من الأسماء النسوية في هذا السياق، وبشكل خاص:
الكاتبة الأفرو- أميركية أمينة ودوود، والباكستانية رفعت حسن، إذ توافقتا على أن الرجوع إلى القران نفسه وإعادة قراءته، يبين خطأ القراءة «الذكورية» له، وعدم مشروعية رؤية وخيار استبعاد النساء من المجالات العامة.
ويتابع الكاتب تبيين أعمال وإنجازات ورؤى هذا التيار النسوي، وأبرزها جزمه بأنه ليس من الضروري على المسلمات أن يمررن بالعلمانية، كي يفرضن حقهن الرئيسي في المساواة، ذلك لأن الطريق إلى هذا المجال يتركز ويتلخص في«إعادة تأويل النصوص المقدسة»، بناء على قاعدة منهج علمي يبتعد عن القراءة الظاهرية أو الجزئية للنص، نظرا لكون «المقاربة الذرية» له لن تنتج المعنى النهائي.
مشيراً إلى أنه- وحسب وصف أوليفييه روا- لم تقف النسوية في فضاء مدينة الإسلام الكونية المعاصرة، أو «الإسلام المعولم»، عند مفهوم الإصلاحيين التقليديين، ولا عند النسويات التأويليات، التي وعلى الرغم من كل مطالبتها في مجال إعادة الأهمية لمكانة المرأة، وتحصيل حقوقها، لم تذهب إلى النقد الجذري والتحرر من كل سلطة، إذ ظل النص الديني مصوناً مقدساً، حتى وإن بات طيعا لسياق التأويل.
ويخلص الكاتب إلى حقيقة أن هذه النسوية وجدت في فضاءات الحرية الغربية، مجالا واسعا للتعبير عن مواقف وخبرات مسلمات هاجرن إليها، حاملات معهن من مواطنهن الأصلية، أفكارا وتقاليد، تكونت، جراء احتكاكها وانخراطها في الحياة الجديدة، نزعات «نسوية» رافضة لجملة «التراث الثقافي»، ولكن اللافت ـ طبقاً لما يراه جدعان ـ أن دراسات هذا الفريق من النساء المسلمات الرافضات، كالبنغلاديشية تسليمة نسرين، اقترنت في حالات كثيرة «بعقل وجداني» يجنح إلى النقد والنفور والرفض، وأيضا في الإعلان عن خروجه من قنينة الإيمان.
و في الاعتقاد بأنه لا بد من التوجه إلى العلمنة التامة للدولة التي باتت تجسد إحدى الأركان الأساسية للحضارة الحديثة. والسبب في رأيهن من هذه الدعوة، أن دين الإسلام وأخلاقه هو الأصل في استعباد المرأة، لدرجة أن بعضهن وجدن في مؤسسة الزواج، آخر مؤسسات الرق الشرعية في أيامنا هذه.
الكتاب: خارج السرب
تأليف: فهمي جدعان
الناشر: دار الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2010
الصفحات: 280 صفحة
القطع: الكبير
محمد تركي الربيعو

