يعكس الخط العربي جماليات فنية تشكيلية منفصلة عن معاني العبارة التي ينسج ملامح جسد تكوينها، فيمكن المتلقي، عبر رشاقة تجسيدها وتوليفتها الهندسية، اختبار وتذوق تميزها الفني وغناها المضموني، فور معانقة عينيه لأشكال الخط وهي تنبسط في مساحات اللوحة، مزينة بؤرها.
وامتداداتها، لتخلق فيها حالة وهج وجذب بديع، تقوده ليستقر في فضاءات سحرية مشبعة فكريا، لا تنفك تحيك دلالات مشهد تفاعلي يطوع عفوية الفراغ، فيرسم مع انحناءات الحروف ودقة مساراتها، مشهدية معبرة، ليس يوازي قيمتها سوى قوة تأثير مدلول الجملة.طه الهيتي فنان وخطاط عراقي، يمثل في نتاج تجربته المميزة ورؤاه الفنية، حالة تصوير وتشخيص نموذجية لمعالم هذه المعادلة التي تعنون فرادة فن الخط العربي، فهو يصنع بإبداعه حالة تمازج خاص مع فن الحرف، فيبلغ بشاعرية التشكيل حدود الترحال إلى مناطق يستطيع معها التخلص من ضغوط مشاغله اليومية، ليعزل نفسه في محراب هذا العالم، فينسج بإيحاءاته، مدارس جماليات فنية لها مذهبها المغاير. إذاً فكيف هي أبعاد ومكامن تلك الطقوس الإبداعية لديه؟، وما طبيعة مراميه وأسرار خياراته هذه في مساقات الإبداع؟ يقول الهيتي في هذا الشأن:لا أكتب أو أدبج مفردات نتاجي في فن الخط العربي.
وأنا على عجلة من أمري، فلا سرعة أو سباق للوقت بينما نحن نتلذذ ونستمتع بعمل أو حالة ما، ولهذا فإنني أستغرق وقتاً طويلاً في عملي، حيث لا أهدف إلى عرض أعمالي ومراكمة منجزي الفني، ، بقدر ما أتمسك وأتقيد بدقة في الوصول إلى حالة الرضا والقناعة التامين عن الأعمال التي أقدمها. دعيني أقول لك بصراحة عن رؤيتي لفن الخط العربي، إنه بالنسبة لي موسيقى بصرية، تكتمل مقطوعاتها بتناغم وانسجام وتوازن بيانات ونقاط تكوينها. رسم الحروف كيف ومتى كانت البدايات، وما الذي شدك أكثر في عوالم هذا الفن في انطلاقة مشوارك؟
لا أذكر تحديدا متى بدأت، ربما كان عمري خمس سنوات عندما استهوتني الحروف، فكثيرا ما ركزت تلك الآونة على كتابة اسمي وأسماء الآخرين، وفق نهج تشكيل حروفي متقن، وذلك طبعاً دون أن أكون على دراية حقيقية بهذا الفن.
وقد كان والدي راغباً بشكل كبير، في أن يجعلني أخوض مجال الدراسة العلمية، وهذا ما خلق لدي حالة تجاذب وحيرة، استطعت في نهايتها أن أنتصر لاهتماماتي الفنية في التشكيل والموسيقى.
ولكن هذا لم يعني بطبيعة الحال انه حاول أن يبعدني عن هذه الهواية، إذ شجعني كثيرا، واشترى لي معدات وأدوات كثيرة لأمارس فن الخط العربي، وجلب لي كراسة هاشم الخطاط، أحد أعمدة المدرسة البغدادية، وبدأت أتدرب عليها منذ ذلك الوقت، وفي السابعة عشرة من عمري، تبنى صقل موهبتي وتدريبي، صديق والدي، الخطاط عباس البغدادي، الذي يعد واحداً من أعلام الخط العربي، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتدرب وأتعلم على يده، وأنا أعتبره فعلياً، الأب الروحي في هذا المجال، خاصة بعد أن أصبحت أحد تلاميذه الذين يترددون على جمعية الخطاطين العراقيين.
وماذا عن المراحل اللاحقة؟
هذه الميول والأمور التي ذكرتها جعلتني أختار في ما بعد، الدراسة في المرحلة الجامعية ضمن تخصص الهندسة المعمارية، كونه قريبا من الفن التشكيلي إلى درجة كبيرة، واستطعت بالفعل أن أتقرب أكثر إلى هذا المجال، حيث إن فن الخط العربي متأثر عملياً بالعديد من الأسس والملامح الموجودة في فن العمارة، الذي يعتمد بدوره على الإسكتشات.
وهكذا أخذت تتعزز وتترسخ لدي فكرة ورغبة ولوجي عالم فن الخط العربي، مع متابعة دراستي لهندسة العمارة، فبدأت أنجز في هذه الفترة مجموعة من الأعمال الفنية، إلى أن شرعت إثرها في المرحلة العملية في دراستي للخط العربي، ومن ثم تقديم أعمال متقنة وحرفية.
زخارف
تعمد إلى كتابة نصوص الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الشريفة وأبيات من قصائد معينة، وفق نماذج ومدارس خطوط متمايزة، كيف تعلل وتشرح ذلك؟
تولدت لدي فكرة أن أخط أبياتا منتقاة لشعراء قدامى، مثل المتنبي، أو لشعراء معاصرين كنزار قباني، من قاعدة ورؤية محددة مفادها أن الخط كان مقتصرا على المسلمين، كونه يرتبط ارتباطا وثيقا بالقرآن الكريم.
إلا أنني أشير هنا إلى أن حياتي التي قضيت نصفها في أوروبا، جعلتني أكتشف أن الفن لا يقتصر على شيء معين، أو على دين ما، فالفن ملك للبشرية، لذا تجدين أنني كتبت أحيانا مقولات للسيد المسيح عليه السلام، وحكمة من الحكم التي تقرب الخط إلى المتلقي غير المسلم، وذلك على غرار العبارات والأشعار التي تحث على التواضع.
ومن المؤكد أن هناك عبارات لها خطوط تناسبها وتناديها، وأكثر الخطوط استخداماً عندي هو خط الثلث؛ لما له من قابلية على التركيب بشكل دائري، أومربع، أو على شكل حصان أحيانا، واستخدم الخط الديواني في أحيان أخرى، وفي العموم أجدني عندما أقرأ الكلمات، لا أراها إلا مركبة ومكتوبة في خيالي تحتاج فقط إلى ما يبقى من أعمال تطويع ورتوش أخيرة.
نلحظ أنك تميل لاختيار الشكيل الكلاسيكي، وتحيط العبارات بالكثير من الزخارف الدقيقة؟
أنا أحرص على أن أجمع ذلك السمو الروحي الذي يذكرنا بشغف العرب بالزخارف وإبداعهم فيها، وهناك العديد من المزخرفين والمزخرفات يقومون بهذا الدور راهناً، ولكن باب وخصوصية التميز لدي يتمثلان في كوني أتدخل في تحديد شكل الزخرفة، التي غالبا ما تكون زخرفة نباتية، ولا أغفل عن انتقاء معالمها وألوانها، فألاهم بالنسبة لي هو تحديد مساحة الزخرفة المطلوب أن تشغلها على اللوحة، لأن الموضوع الرئيسي هو الخط، ونحن مطالبون بتقديم عمل متناسق متوازن يجمع بين قوة الخط والزخرفة معا.
تلتزم بأسلوب لا يتقبل إهمال أي من القواعد والركائز في هذا الفن، وأعتقد أن لك رأيا محددا حول مناهج ومذاهب عدد من الفنانين راهناً؟
هناك الكثير من الخطاطين يرفضون التجربة الحروفية، وأنا أرى أن هذا فن، وذاك فن، مثل الرسم والخط، وبذا فلا يمكن أن نقيمه بذوق شخصي، فالخطاط له قواعده البغدادية التي نتبعها، وله ما يحكمه، ولا يمكن للخطاط أن يتجه للحرف، والعكس صحيح، وهكذا لا يستطيع الحروفي أن يكون خطاطا، فلكل منهما طريقته في الإبداع.
لغة العرب:
تتضمن مدارس الخط العربي أنواعا محددة ومعروفة، لكن مسار الإبداع ورؤاه يدفعان الفنانين لمحاولة إيجاد تطوير ما أو مدارس جديدة؟
للخطوط أنواع مختلفة، منها ما هو ممزوج مع غيره من الأنواع، ومنها ما يمثل قواعده فقط، ولكل طموحه في إيجاد نوع جديد من الخطوط، ومن هنا فإن أمنية أي خطاط هي أن يضيف جديدا على الخط العربي، والعمل على هذا الأمر ليس بسهل، فهناك موروث المدرسة البغدادية.
وهو موروث غني لأبعد الحدود، ومن الصعب التفوق عليه، أو وضع أي شيء جديد يتفوق على القديم، كما أن الخط العربي الذي هو لغة العرب، يتطور في بلدان لا تتحدث العربية، مثل تركيا، وإيران وهو شكل للفنان العراقي قناعات معينة، واود في هذا الصدد ان الفت على نقطة مهمة، وهي أن الخط العربي تطور في بغداد أواخر مرحلة الخلافة العباسية، لكن فيما بعد تفوق الأتراك بممارسة الخط منذ قيام الدولة العثمانية، كما تفوقوا في العمارة.
وهذا ما يظهر لنا مدى إهمالنا لهذا الفن الذي لم نعطه حقه، ولننظر إلى الأتراك كيف اهتموا به بجدية بالغة، حتى بدأ يطلق عليه مسمى فن الخط فقط دون أن يقترن بكلمة العربي، علما أن حروفه عربية، وهي حروف القرآن الكريم، الذي جاء فيه:
«إنا أنزلناه قرآناً عربياً»، وكما نرى أنه أصبح مثار اهتمام غير العرب مؤخراً، ما جعلهم يتفوقون فيه، وهذا أمر جيد، فهو ملك للإنسانية، لكن هناك نقطة يجب أن يتنبه إليها العرب وفحواها أنه خط عربي، وعليهم الاهتمام به أكثر.
كيف تجد وتقيم تفاعل الغرب مع جمالية الخط العربي؟
يمكن أنني أستطيع المقاربة في هذا الخصوص، والحديث بناء على تجربة خاصة، فالمعرض الأول الذي أقمته في لندن، كان نتاج سبع سنوات من العمل، وقد عرضت فيه أعمالي بعيدا عن فكرة البيع، وهالني حقا مدى وشكل التفاعل والاهتمام الإيجابيين، اللذين فاقا تصوري، ففي الغرب يولون فن الخط العربي أهمية كبيرة، والكثير من المسؤولين والأفراد في تلك المجتمعات قادرون على قراءة ومعرفة الكلمات التي يرونها في لوحات التشكيل، وهذا ما وجدته لدى السفير البريطاني عندما افتتح أحد معارضي.
عبير يونس


