تعاني الترجمة في العالم العربي، مشكلات وتحديات كثيرة، تتجاوز معها هموم النشر والأجور، لتصل حدود مضمون الترجمة وتقنياتها والتشابكات في اللغات المأخوذ منها إلى اللغة العربية، ويضاف إلى ذلك تأثيرها على الهوية الوطنية، والدور الذي تلعبه في حوار الثقافات.
وهذه الحيثيات والقضايا تستمر بشكل مطرد، رغم تعدد مراكز ومشاريع الترجمة الرسمية والخاصة، عربيا، وذلك مثل: المركز القومي للترجمة في مصر، مشروع ترجم التابع لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، مشروع كلمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، فضلا عن مساهمات دور النشر الخاصة وجهود المترجمين، وغيرها الكثير.فما هي إذا طبيعة التحديات الدقيقة في هذا الصدد، على صعيد الشعر والرواية ونظريات النقد وعلم الاجتماع والسياسة؟، وأيضا ماذا عن ماهية وتوصيفات معاناة المترجمين ليستطيعوا تقديم منتج فكري مهم، يعكس روحية النص المترجم؟يرى الناقد والمترجم، إبراهيم فتحي، أن ما يواجه المترجم في البداية، هي مشكلة الاختيار بين مواصلة ترجمة كلمات مفردة، أو ترجمة جمل كافية، ويقول في هذا الصدد:
إن الترجمة في وجهة موضوعية تتجسد بذكاء التجسيد والنقل، وفق آلية حرفية لكل كلمة مقابل كلمة وجملة مقابل جمل، وهذا في سياق فقرة بمواجهة فقرة، شرط أن تحتكم إلى قاعدة الحفاظ على الصبغة الأجنبية للنص، إلى جانب العمل على تطويعه وتوطينه. فالنص الأصلي، من خلال اللغة والأدب، يرتكز على ثقافة قومية وأنظمة اعتقاد محددة، وكذلك على اعتبارات اجتماعية وسياسية متميزة. فهناك دائماً مشاكل التواصل بين الثقافات والتوجهات الثقافية والسياسية المتقابلة، وتظهر لنا في البداية مشكلة الاختلاف الثقافي المتعين في توسط اللغتين:لغة الأصل ولغة الترجمة، فالتبادلات اللفظية، حتى في أشد صنوفها، تبقى سطحية ومعتمدة على وجود ممارسة تواصلية مشتركة، لتهيئ أرضية مشتركة تمكن من إعادة صياغة أعراف نظام ثقافي محدد ضمن أشكال مستقرة لنظام ثقافي آخر غير متكافئ.
ويضيف فتحي: حكم على الترجمات تاريخياً، بالصحة والجودة، أو بالخطأ والركاكة، ومن ثم نظر إلى نشاط الترجمة على أنه يستهدف نقل المعنى من الأصل نقلاً دقيقاً، ويرتكز على تعامل وتفاعل وتواصل متعددي الأوجه، ولا شك أنه شاب هذه الحالة والمعادلة، في بعض الأحيان، نزعات استعلاء وإخضاع، أي هيمنة ثقافية لا تقف عند حد اعتبار الترجمة عملية لغوية خالصة، كونها لا تقبل إلا تكافؤ المعنى بين الأصل والترجمة، دون ايلاء أهمية لميزان مدى تحقيق هيمنة الطرف الأصلي، أو مناهضة هيمنته وفضحها من الجانب الناقل.
الترجمة مجانا
حول معوقات الترجمة وارتباطاتها وتشعباتها، يؤكد المترجم سمير جريس، الحاصل على الماجستير في الترجمة من جامعة يوهانيس جوتنبرج بألمانيا، على أنه هناك معوقات تنبع من النص نفسه، مثل غموض مقاطع معينة فيه (إحالات أو إشارات لا يفهمها المترجم، كاستخدام كلمات من لغات أخرى في النص، لاسيما من اللغات القديمة التي لا يتقنها المترجم في العادة).
وهكذا نجد أن تمويل الترجمة هو ما يشخص بمثابة العقبة الرئيسية أمام المترجم، خاصة إذا كان متفرغاً للترجمة ويعيش من مكافآتها (مثلي أنا)، فإنه سيتحتم عليه أن يعثر على النص الملائم ودار النشر، وبذا نتثبت أن المترجم لدينا، و في كثير من الأحيان، يقوم بمهام وأعمال هيئة كاملة، فهو يختار النص، ويبحث عن دار نشر، ويفتش عن التمويل، ليبادر إثر هذه التعقيدات في مباشرة التفرغ للترجمة.
يجدر بنا أن لا ننسى في إطار هذه العملية، أن هناك عوامل وجوانب معاناة خاصة ومريرة، وهي أن العديد من الجهات الأجنبية تشترط ؟ عندما تقدم دعماً ؟ أن يكون هذا الدعم لدار النشر، والذي يعرفه عدد كبير منا، هو أن المترجم لا يحصل غالبا، على القيمة المنصوص عليها في العقد مع الجهة الأجنبية، وهناك أيضا قضية ضعف مكافآت الترجمة.
صعوبات ترجمة الشعر
وفي خصوص قضية وإشكاليات ترجمة الشعر تحديدا، يشدد د. أبو بكر يوسف، على أن هذا النوع من الترجمة يعد من أعقد القضايا التي يواجهها مترجمو الأدب، مشيرا إلى أن النثر المكتوب بلغة أجنبية يتيح للمترجم مجالاً أرحب لاختيار المترادفات وإعادة ترتيب العبارات والجمل، بشكل يخدم الوصول إلى الأفضل بشأن معنى وروح النص، إلى اللغة الأخرى، وبذا فإن الشعر-حسب يوسف- يضع قيوداً قاسية من حيث ضرورة الالتزام بالوزن والموسيقى الشعرية، واللجوء إلى القافية (في حالة ترجمة أشعار تقليدية تلتزم بالوزن والقافية).
ولأن الصور الشعرية والاستعارات والرموز هي أهم أدوات الشعر لتكثيف المعنى، فإن استبدالها بصورة أخرى، كثيراً ما يضر بالنص الجديد، الذي يخرج في الغالب مخالفاً للنص الأصلي، بل وفى كثير من الأحيان، بعيداً عنه روحاً ونصاً.
ويشرح يوسف هذه الحيثية: نجد أن المترجمين من اللغات الأخرى إلى العربية، يتخلصون من هذه المشكلة بتبني الترجمة النثرية للنصوص الشعرية، والمؤسف في هذا المجال أنه لم تترسخ في الترجمة إلى العربية، مدرسة لترجمة الشعر شعراً، ولا محاولة ترجمة الشعر بموسيقاه الداخلية، فهذا فقد مع التخلي عن القوافي.
وأيضا ربما نقول إننا نشهد ترسخ مدرسة الترجمة النثرية للأشعار، ما يؤتي زوال جماليات خصوصيات الشعر، وهنا أرغب في أن أسوق تمثيلا وبرهانا تجسيديا، يوضح مدى الفارق بين الترجمتين الشعرية والنثرية، وهو ترجمة معاني القرآن من العربية إلى اللغة الروسية واللغات الأخرى، إذ يتبخر معها جمال الآيات القرآنية بموسيقاها الداخلية، وسجعها وإيقاعها المتفرد.
ومن ثم لا يعود المتلقي الغريب (غير العربي)، يشعر بأي شيء من ذلك، ليجد نفسه في مواجهة نص نثرى، ليس فيه من وسائل التأثير النفسي، سوى عمق المعاني، بعيداً عن التناغم الروحي بين الأصل والترجمة.
ذات الكاتب والمترجم
د. حمادى صمود، يركز في حديثه عن هذه القضية الفكرية، على أن العقدين الأخيرين شهدا تصاعداً في وتيرة التفكير النظري في الترجمة، مبينا أننا أمام تناول وبحث يعني عملية متشعبة تشترك في إنجازها أطراف عدة، وتتحمل عبئها ذوات مختلفة المشارب ومختلفة التكوين، ولكنها مدعوة، على ما بينها من الاختلاف، إلى الالتقاء والتحاور في فضاء النص المعنى بالترجمة. ويستطرد:
إن لهذا أهمية قصوى، كون النص أنتجته ذات ما في شروط تاريخية ومعرفية ونفسية معينة، وتحاول ذات أخرى الانتقال به إلى آفاق أخرى، تختلف عن أصل منشئه اختلافاً كبيراً أحياناً، وهذا فعليا ما أسهم في تصعيد نسق التفكير النظري في الترجمة، ورواج مفاهيم صاغتها الفلسفة الحديثة في خضم الصراعات الدولية، فسيطرت فكرة النموذج الواحد على حياة الإنسان وفكره، ومن أبرز تلك المفاهيم، مفهومان متلازمان ومتعارضان أحياناً.
وهما التنوع والغيرية، ويكاد لا يخلو نص يفكر صاحبه في عملية الترجمة من النصوص التي أطلعنا عليها من حضور هذين المفهومين معا أو بالتناوب أو حضور ما يشير إليهما، وكذلك خدم التصعيد المذكور اهتمام البحث اللسانى بالنص أكثر فأكثر، علاوة على كيفيات إنجازه والظروف التي يتم فيها، والأطراف المعنية به، ذلك بعد أن بقي الاهتمام لمدة طويلة، منكباً على بناء نسق اللغة انطلاقاً من الجملة، باعتبارها أكبر وحدة تركيبية.
احتواء وإدماج
«إن أساس الجانب الأعظم من عملية الترجمة، في زعمي، ليس فقط إتقان اللغتين، المترجم منها وإليها، فهو الدربة والممارسة بالأساس ، فهما اللتان تمكنان المرء من اكتساب حسن الترجمة وموهبتها». هذا ما قدم به الحديث د. سالم يفوت، أستاذ التعليم العالي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالمغرب، وتابع :
الترجمة والهيمنة الثقافية
يعتقد الروائي والمترجم د. سعيد علوش، أنه لا مفر من تطوير نوع من التفكر حول شعرية الترجمات التي تشدد على قواعد «استيراد وتصدير»، لما لها من دور في تكوين الصور النمطية والأنطولوجيا التمثيلية، وينطبق هذا أكثر على المرحلة بين حداثة الرغبة في معرفة الآخر، وبين الافتقار إلى الأبنية المنطقية لمعرفة الذات، ويلفت إلى أنها تطرح علينا إشكالية إزاحة الهيمنة الثقافية والانفلات من الفتوحات الجديدة، مادامت الشعوب الأكثر ترجمة، ليست الأقل استبعاداً للهيمنة.
ويضيف: إن الشعوب الأقل ترجمة، لا تعد أقل تبعية وخضوعاً للغزو، إنها الأطروحة التي تجعل من الاستشراق تقعيدا للتراتبية، وتصنع من تاريخ هيجل للأدب الأوروبي، ألمانية متعالية، ومن تأصيل الهويات القومية، تجاهلا للأقليات، ومن التراث الروماني، تركة إيطالية ـ لا يونانية .
إن اللحظة الاستعمارية وما بعدها تراوح بين (شعرية إمبريالية) و«شعرية وسلطات»، يتوضع فيها مترجم الأولى مرجعا موثوقا ومقبولا، ومترجم الثانية وسيطا دليلا خانعا، إنها إذن الأشكال الماكرة للسيطرة الفكرية، النازعة إلى تصفية استعمار العقل من جهة، وإلى «إنماء خطاب عابر للقارات» من جهة ثانية.
إحالات معرفية
ويحيل الناقد د. فيصل دراج موضوع الترجمة، في العالم العربي اليوم، إلى ثلاثة مواضيع، يحصرها ويوصفها كأساس محوري: إن أول ذلك هو الفضول المعرفي المشكل النقد الذاتي فيه عنصراً داخلياً في هذا الخصوص، ذلك أن الإنسان يبحث عن معرفة جديدة، حين يعي قصور معرفته الذاتية وضرورة إصلاحها بمعرفة مغايرة أكثر تقدماً، بعيداً عن أسطورة «التمام المعرفي»، التي تلغى التاريخ وتاريخ إنتاج المعرفة العلمية في آن، ويتمثل الموضوع الثاني بالاعتراف المتبادل بين «الأنا» و«الآخر»، القائم على تصور إنساني يساوى بين البشر جميعاً، يقبل بالاختلاف ويستبعد مفهوم «الفرق»، الذي يمحو الجوهر الإنساني، منتهياً إلى أشكال مختلفة من العنصرية والاستبعاد.
ويمس الموضوع الثالث «السياسة الثقافية»، لأن الترجمة، في دلالتها العميقة، تتجاوز الحاجات المهنية الضيقة، والاهتمام «التقني»، فهو ينصب على الأفراد ويضع المجتمع خارجاً، كما لو كانت الترجمة شأناً من شؤون أصحاب الاختصاص.
وبشكل فعلي فإن هذه الموضوعات الثلاثة لا تنفصل عن مفهوم «الأزمة»، بالمعنى النبيل، التي هي شرط التقدم والارتقاء، ولهذا فإن دلالة الترجمة تختلف اليوم، عن دلالتها في حقبة سابقة اعترفت بتعددية الثقافة، ولم تختصرها إلى أبعاد أحادية ضيقة الغاية والهدف. فإذا كان كل إنتاج هو استهلاك، فما هو الجمهور العربي الذي يستهلك الترجمة اليوم؟.
تأهيل المترجمين
وفي تشريحه للبنى التوليفية المركبة لهذه القضية الإشكالية، يهتم د. محمد أبو حطب خالد، أستاذ علوم اللغة الألمانية، بتشريح التحديات التي تواجه تكوين وتأهيل وإعداد المترجمين ورفع مستوى تدريس الترجمة وخلق أسواق جديدة لها وللمترجمين، فيؤكد أن تلك التحديات التي على عالمنا العربي أن يواجهها كضرورة ماسة، تتطلب بذل أقصى الجهد في دعم الترجمة.
محمد الحمامصي


