مؤلف كتاب الديارات هو «أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين بن محمد» من أئمة علماء الأدب واللغة ومعرفة التاريخ والأنساب، ولد في أصبهان سنة 284 هجرية، وعاش في بغداد وتوفي فيها سنة 356 هجرية، وقد عرف من خلال كتابه «الأغاني» والذي يعد إبداعا يتجدد عبر العصور.

أما كتابه الديارات، فإنه يضم أخبار اثنين وخمسين ديرا، وقدَم له بمقدمة وافية عن تاريخ الأديرة، وما كتب عنها في التراث العربي، وقد تغنَى الشعراء منذ الجاهلية بذكر الدمى والصور في الكنائس والديارات، وكان من هذه الأديرة ديارات مقصورة على النساء، كدير العذارى بين سامراء وبغداد، ودير القائم بالرقَة، ودير النساء بدمشق.

ودير البنات بطرابلس.من الكتاب: دير الأعلى: وهو دير بالموصل، كان تحت الدير عين كبيرة تعرف اليوم بعين الكبريت، قال عنها «ياقوت» إنها ظهرت تحت الدير الأعلى في سنة 301 هجرية وأن فيها عدة معادن كبريتية، قال الأستاذ «كركيس عوَاد»:

ماء هذه العين بارد في جميع فصول السنة، ويقصدها الناس صيفا ليستحموا بمائها الذي ينفع المصابين منهم ببعض أمراض الجلد، ومنهم من يشرب شيئا من مائها تخفيفا من حرارة معدهم والشعانين في هذا الدير حسن، يخرج إليه الناس فيقيمون فيه الأيام يشربون، ومن اجتاز بالموصل من الولاة نزله.

إلى جانب الدير مشهد عمرو بن الحمق الخزاعي، وهو صحابي كان من أصحاب عليَ بن أبي طالب «رضي الله عنه » قال فيه سعيد ا لخالدي:

قمر بدير الموصل الأعلى أنا عبده وهواه لي مولى لثم الصليب فقلت من حسد قُبل الحبيب فمي بها أولى ودير الأعلى يطل على دجلة، وهو دير كبير عامر، يضرب به المثل في رقَة الهواء، وحسن المستشرف، ويقال: إنه ليس للنصارى دبر مثله، لما فيه من أناجيلهم ومتعبداتهم.

أخبرني محمد بن يزيد، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال حدثني أحمد بن صدقة، قال:خرجنا مع المأمون، فنزلنا الدير الأعلى بالموصل لطيبه ونزاهته وجاء عيد الشعانين، فجلس المأمون في موضع منه حسن، مشرف على دجلة والصحراء والبساتين، ويشاهد منه من يدخل الدير، وزين الدير في ذلك اليوم بأحسن زي، وخرج رهبانه وقسَاوسته إلى المذبح وحولهم فتيانهم بأيديهم المجامر، قد تقلَدوا الصلبان وتوشَحوا بالمناديل المنقوشة، فرأى المأمون ذلك فاستحسنه، ثم انصرف القوم إلى قربانهم وعطف إلى المأمون من كان معهم من الجواري والغلمان، بيد كل واحد منهم تحفة من رياحين.

وبأيدي جماعة منهم كؤوس فيها أنواع الشراب فأدناهم، وجعل يأخذ من هذا ومن هذه تحية، وقد شغف بما رآه منهم، وهو في ذلك يشرب والغناء يعمل، ثم أمر بإخراج من معه من وصائفه المزنرات فأخرج إليه عشرين وصيفة كأنهن البدور، عليهن الديباج وفي أعناقهن صلبان الذهب، بأيديهن الخوص والزيتون فقال أحمد:

ظباء كالدنانير ملاح في المقاصير

وهكذا يقدم أبو الفرج وثيقة تاريخية مهمة.

m_alfahed@yahoo.com