فجأة انتبه العرب إلى الأتراك، أو الأتراك إلى العرب، وتحولت تركيا من أربعمئة سنة من الاستعمار إلى شهر عسل طويل، بدأه رجب طيب أردوغان بمواقف مستفزة لإسرائيل، ثم كرت المسبحة، ليكمل نور ومهند ولميس أبو شعر الحلقة بمسلسلات عاطفية واجتماعية، بعضها صوّر في حلب حيث تتداخل الثقافة التركية مع المحلية في نسيج عمره نحو نصف قرن، فقد كشفت تلك المسلسلات للجمهور العربي أن له جاراً يشبهه، يعيش في البيئة ذاتها، ولديه عادات وتقاليد مماثلة.
هذه الصحوة العاطفية تجاه تركيا جاءت على حامل رسمي وشعبي، وقليل منها ثقافي، فنحن لا نعرف عن تركيا الثقافية بمفهوم المنتج الأدبي والفني سوى القليل، وفي ذاكرتنا من الكتاب الشاعر ناظم حكمت والساخر عزيز نيسين ولاحقاً الروائي اورهان باموق والقاص نديم غورسيل، ثم ستخوننا الذاكرة تجاه أسماء أخرى، وكذا الحال بالنسبة للأغنية التركية فبعد جيل زكي موران وإبراهيم تاتلس وآجدة بيكان لا تحفظ الذاكرة اسماً.
كأن قطيعة ما ضربت معرفتنا بالأتراك، فمنذ عام 1916 انشغلت الامبراطورية السابقة ببناء مستقبلها غرباً طامحة للدخول إلى نادي (الأكابر) النادي الذي بقي مغلقاً أمام مصلي الجمعة، ولم تشفع لتركيا جميع محاولات (الفرنجة)، فمن سيقبل بأكثر من سبعين مليون مسلم تركي في قارة عجوز تخوض حروباً تجاه الحجاب تارة وتجاه المآذن تارة أخرى، وتقلقها مشاكل الاندماج العرقي وجرائم الشرف!.
لم نكتشف تركيا المعاصرة بعد، وقطعاً لا تقدم المسلسلات المدبلجة عينة عن حقيقة المجتمع التركي، كما لم تقدم السينما المصرية العينة ذاتها في خمسينات القرن الماضي، وتركيا المعاصرة التي أغلقت باب الانقلابات العسكرية منذ ثمانينات القرن الماضي، رفعت شعار (مفتاحان لكل تركي، مفتاح البيت ـ مفتاح السيارة) .
وهذا طموح جميع الأتراك للخروج من عزلة الفقر والتخلف، وخلال عشرين سنة تحقق الكثير للأتراك، وكان التيار الإسلامي الرابح الأكبر، التيار الذي أوصل أمثال أردوغان إلى مقارعة عتاة إسرائيل في المحافل الدولية، ليستقبل استقبال الفاتحين في مطار أنقرة.
العرب ما زالوا يجهلون الأدب التركي رغم علاقات الجوار، وإن معظم الترجمات التي تمت سابقاً تهتم بأدباء ينتمون للتيار اليساري، وهذا على الأقل ما يعتقده الجانب التركي الذي تتنوع جغرافيته الثقافية والسياسية لأبعد مما نراه أمامنا، ترجمات اختارها هواة، وليست مشروعات مستقبلية نحو معرفة الأدب التركي أسوة بانفتاحنا السياسي نحو جيران التاريخ والجغرافيات والمعتقد.
