كرّس الباحث الفرنسي فيليب ديبريان الكثير من جهوده لدراسة ظاهرة الاختلاف بين الثقافات والتعايش في ما بينها. وبعد عدة أعمال حول هذا الموضوع قدّم أخيراً كتاباً تحت عنوان: «أمام امتحان الاختلاف».
الخط الناظم لتحليلات هذا الكتاب يتمثل في دراسة العلاقة بين الثقافة والعولمة. ولكن تتم دراسة هذه العلاقة على هيئة «تحقيق» قام به مؤلف الكتاب لحساب شركة «لافارج» الفرنسية الكبرى المختصّة بالصناعات الأسمنتية التي طلبت منه أن يدرس أفضل آليات العلاقة مع «أربعة مجاميع ثقافية» هي الولايات المتحدة وفرنسا والصين والشرق الأوسط، وخاصة الأردن.
تتم الإشارة أولاً إلى أن شركة «لافارج» التي تأسست في مدينة «تيل» الفرنسية بمنطقة الأردش، تتواجد اليوم في نحو ثمانين بلداً في العالم، ويزيد عدد العاملين في إطار نشاطاتها المختلفة على 80000 شخص، وهي إحدى أشهر المجموعات العالمية اليوم في مجال اهتمامها.
هذا الكتاب ليس موضوعه شركة «لافارج» ولكن بالأحرى دراسة الطريقة التي تتصرف فيها شركة عالمية بمواجهة تعددية الثقافات في العالم.
وذلك عبر محاولة الإجابة عن عدة أسئلة من نوع: كيف يمكن إقناع الآخرين بالقيم التي تحكم آلية عمل الشركة المعنية؟ بل والسؤال: هل ينبغي دفعهم أصلًا إلى ذلك؟ وهل يمكن لهذه القيم أن تكون مقبولة في أي مكان من العالم أم هل هي مرتبطة حصرياً برؤية للعالم هي نتاج غربي خالص؟ وسؤال آخر أكثر تحديداً هو: هل يمكن الوصول من خلال دراسة العديد من التجارب المختلفة إلى صياغة نوع من «فلسفة تسيير الأعمال»؟
إن المؤلف يقارن، بل يعارض، في الفصول الخمسة التي يتألف منها الكتاب بين مفهومين أساسيين. فمن جهة هناك الرؤية التي يطلق عليها تسمية «الراديكالية» والتي يُتبعها بصفة «الغربية»، حيث تؤكد الدفاع عن الديمقراطية والحقوق الفردية وحرية التفكير.
ويركز في هذا السياق على القول إن النقاشات الكبرى حول الديمقراطية وحقوق الإنسان تأخذ هنا مكاناً واسعاً في العلاقات الإنسانية المعاشة يوماً بيوم في الغرب فقط.
ومن جهة أخرى، وفي جزء كبير من العالم، كما يحدد المؤلف القول، تُقبل الرؤية القائمة على مفهوم «السلطة العادلة» التي تولي اهتمامها بتحقيق المصالح العامة. وفي الوقت الذي تحافظ فيه على مواقفها الحازمة تحرص كذلك على تحسين أحوال الذين هم تحت سلطتها.
هذا كله على الصعيد النظري، أما على الصعيد العملي فهناك غالباً «خيبات الأمل» بالنسبة لما ينتظره العامّة.
وتحمل فصول هذا الكتاب العناوين التالية: «فرنسا والولايات المتحدة: طريقتان للتعامل» و«الصين والبيرقراطية» و«المنظومة القبلية في الأردن» و«تحقيق حول تنوع الثقافات المحلّية» وأخيراً: «القيم المقبولة لدى الثقافات المتنوعة».
من خلال هذه الفصول كلها يشرح المؤلف كيف أن المنظومة الأخلاقية ومجموعة القيم التي تتبنّاها أية شركة عالمية وتعلنها يمكنها أن تواجه الواقع الاجتماعي والإنساني لمختلف البلدان من فرنسا حتى الصين ومن الولايات المتحدة إلى الأردن وماليزيا. وينقل المؤلف عن مدير شركة «لافارج» التي يدرس حالتها في بلدان مختلفة قوله: «إن لقيمنا قيمة»، كما جاء في المقدمة التي خصصها للكتاب. وتبقى المشكلة هي كيفية «نقل» هذه القيم إلى مختلف الثقافات.
ويلجأ المؤلف، من أجل توضيح أفكاره، إلى دراسة «الدلالات اللغوية» في الترجمات المختلفة لكلمة «مبادئ». ويشير إلى وجود تباين واضح في الدلالة بين مجموعين متقاربين من حيث الرؤية السياسية مثل فرنسا والولايات المتحدة. ويبين كيف أن الاختلاف في منظومتي القيم دفع نحو تباين في التعبير.
الرؤية الأميركية تقوم على فكرة «التعاقد» في العلاقات تجنّباً لكبح الحريات. ودفعت كذلك الأصول البروتستانتية لأميركا إلى الاعتراف بعالم الأعمال بل والتشجيع على ولوجه. أما الرؤية الفرنسية، فهي تقوم على فكرة «السيادة» و«الشرف» و«المحافظة على المكانة الرفيعة» بحيث أن عالم الأعمال والتجارة يرتبط في أذهان الكثيرين بالدونية.
وبعد سلسلة طويلة من المقارنات اللغوية حول دلالات «قاموس الأعمال» الذي تستخدمه الشركات العالمية، يصل المؤلف إلى القول ان الاختلافات الثقافية تعود بدرجة أقل إلى «القيم»، أي التعبير الذي تردده الشركات العالمية الكبرى دون توقف، مما هي تعود إلى الطريقة التي «تتحدد فيها دلالتها المحليّة».
وبهذا المعنى يقول المؤلف: «لقد سمحت شركة لافارج للعاملين الصينيين معها في الصين بالعمل نحو صياغة رؤية صينية لما ينبغي أن تكون عليه السلطة الجيدة».هذا وليس فرض تعريفها من الخارج وكما تصوغها إرادة الشركة.
وإذا كان المؤلف يحاول على مدى تحليلات كتابة تبيين مدى خطأ مقولة «صدام الحضارات والثقافات»، فإنه يختتم هذه التحليلات بنغمة متفائلة عندما يؤكد أن المجموعات والشركات الغربية الكبرى «ذات التوجه الإنساني» تمتلك أوراقاً رابحة عديدة للتقدم والتطور.
الكتاب: أمام امتحان الاختلاف
تأليف: فيليب ديريبارن
الناشر: سويل باريس 2009
الصفحات: 164 صفحة
القطع: المتوسط
L'épreuve des différences
Philippe d?Iribarne
Seuil - Paris - 20
