الهند هي إحدى البلدان الصاعدة الكبرى، إلى جانب الصين، وهي العملاق الآسيوي الآخر. هذا ما تدلّ مجموعة من المؤشرات والوقائع التي تشهد كلها على التقدم الذي حققته البلاد.

الباحث والسفير الهندي «باوان ك. فارما» يرى أن وراء هذا النهوض الهائل محرّك أساسي يتمثل في الطبقة الوسطى. وهكذا يكرّس لها كتابا تحت عنوان: «الطبقة الوسطى في الهند».ويعرّف المؤلف الطبقة الوسطى في الهند على أنها «طبقة جديدة»، ويشرح ذلك على مدى الفصول الخمسة التي يتألف منها الكتاب التي تحمل العناوين التالية: «البحث في الأصول» و«ذلك اليأس» و«نهاية البراءة» و«المشهد الداخلي» وأخيرا: «على مفترق الطرق».وفي الصفحات الأولى من الكتاب يقدّم المؤلف موجزا تاريخيا لولادة الطبقة الوسطى الهندية. ويعتبر أن بدايات صعوده المجموعة الاجتماعية التي شكلت النواة، أو الحالة الجنينية، التي تطورت انطلاقا منها الطبقة الوسطى في الهند، إلى فترة النضال من أجل التحرر الوطني والتخلّص من الاستعمار البريطاني الطويل. وفي خضم تلك المعارك من أجل الاستقلال برز دور «الطبقة الوسطى».

ويشرح المؤلف طويلا كيف أن الواقع الاستهلاكي أصبح يشكّل إحدى الممارسات اليومية للهنود، وخاصة لطبقة الميسورين منهم: ذلك أنه لا تزال هناك عدة مئات الملايين من الهنود الذين يعيشون تحت مستوى عتبة الفقر. لكن بالمقابل تبلغ قيمة ما ينفقه الأغنياء، بما في ذلك من الطبقة الوسطى عشرات الأضعاف من معدّل إنفاق الهنود العاديين.

ويرى المؤلف أن مثل هذا التوجه مرشح للتطور وللتعاظم، ذلك أن الهند سوف تصبح في أفق الخمسة عشرة سنة القادمة في المرتبة العالمية الخامسة من حيث الاستهلاك في العالم. وتشير الأرقام المقدّمة أن الهنود الأكثر ثراء سوف ينفقون ما يزيد عن 50 مليار دولار سنويا من أجل «تمضية» أوقات الفراغ والسفر وشراء السيارات والحواسيب ومنتجات الرفاهية.

وتدل الأرقام أيضا إلى أن الطبقة الوسطى الهندية سوف تعدّ في أفق عام 2025 حوالي 583 مليون نسمة، وأن معدّل دخل هؤلاء سوف يزيد ب11 ضعفا بالقياس إلى عام 2007.

هذا يعني أن الطبقة الوسطى الهندية مرشّحة كي تكون ذات وزن مركزي في الحياة العامة الهندية وخاصة على المستوى السياسي باعتبارها جسد انتخابي هائل في بلاد يتم اعتبارها أنها «أكبر ديمقراطية في العالم».

تتم الإشارة هنا على صعيد المقارنة أن هذه الطبقة، أو بالأصح المجموعة، في مطلع القرن التاسع عشر لم تكن تضمّ سوى حفنة من أصحاب الامتيازات الذين قرّبتهم السلطات البريطانية الاستعمارية إليها. وبالتحديد أكثر من أولئك الهنود الذين كانوا قد تلقوا تعليمهم في المدارس والجامعات البريطانية.

ثم إن الإدارة الاستعمارية كانت قد تبنّت سياسة تقوم على حصر الوظائف في القطاعات الحساسة، خاصة القضاء والتعليم والصحّة، بأولئك الذين كانوا قد تلقوا «تربية على الطريقة الانجليزية».

بالمقابل يؤكد المؤلف أن أحفاد وأبناء أولئك الذين قرّبتهم السلطات البريطانية إليها ومنحتهم العديد من الامتيازات ومكنتهم من الحصول على ملكيات كبيرة على صعيد الأراضي والعقارات في المدن، هم أنفسهم الذين شكّلوا إلى حد بعيد «النخبة» التي لعبت دورا قياديا في إطار حركة التحرر الوطني.

ذلك أن أبناء هؤلاء كانوا قد عاشوا عن قرب أفكار التحرر واحترام حقوق الإنسان التي كانت تتردد في القاموس السياسي المستخدم في بريطانيا نفسها.

ومن السمات التي يؤكد عليها المؤلف في خصوصية فترة ما بعد استقلال الهند عام 1947، هي أن النخبة التي قادت البلاد حرصت على أن تحافظ على الأطر الاقتصادية وعلى المؤسسات التي كانت السلطة الاستعمارية البريطانية قد أقامتها، ذلك على خلفية الاعتقاد أنها كانت تلك هي الطريقة التي فصل للنهوض والازدهار.

ولم يكن ذلك بعيدا أيضا عن السلوك البريطاني نفسه عندما قام الانكليز بثورتهم، لكنهم حافظوا على الملك على الدستور إلا بعض التعديلات الجوهرية.

ويحدد المؤلف القول أن حقبة كاملة قد انتهت بوفاة جواهر لال نهرو عام 1964. إذ مع وصول ابنته انديرا غاندي لرئاسة الحكومة عرف «حزب المؤتمر» الحاكم عملية انقسام. فقامت بتأميم البنوك لصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة وحصولها على قروض.

ويشير المؤلف هنا إلى أن نصف الشركات التي تأسست في الهند ما بين عام 1966 وعام 1968 كانت تعود لمهندسين. لكن مع عامي الكوارث الطبيعية (1972 و1973) ونتائجها من «تضخّم» انتهى التوافق بين الدولة والطبقة الوسطى والذي كان قائما منذ عام 1947.

واعتبارا من مطلع عقد التسعينات عرفت الهند مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية بقصد تشجيع اندماج البلاد في الاقتصاد العالمي.

وسرعان ما برزت الهند على المسرح الدولي كأحد القوى الفاعلة في «العولمة» وقد تعاظم الإنتاج الداخلي في مصلحة الطبقة الوسطى بشكل خاص التي يصفها المؤلف أن «أقدامها على الأرض وعيونها على محصّلة نشاطها الاقتصادي ومدى ما تحققه من مكاسب».

بالتوازي مع هذا اضمحلّت «العائلة» بالمعنى الواسع في الطبقة الوسطى لتحل محلها «الأسرة» بالمعنى الضيق، أي «الأب والأم والأطفال».

وتعاظم بنفس الوقت «فهمها» الاستهلاكي بالتوازي مع إحساسها أنها ساهمت في تغيير النهج الاقتصادي للبلاد. وينتهي المؤلف إلى القول أن »استقطابا جديدا يجري في الهند وقد يؤدي إلى خلل الاستقرار الاجتماعي القائم منذ عقود.

الكتاب : الطبقة الوسطى في الهند

تأليف: بافان ك. فارما

الناشر: اكت سود باريس 2009

الصفحات: 310 صفحات

القطع: المتوسط

La classe moyenne en Inde

Pavan K. Varma

Actes Sud - Paris 2009

310P.