«من أنا، وكم»؟ هذا هو عنوان كتاب فاقت عدد النسخ المباعة منه مليون نسخة في ألمانيا وحدها. والمؤلف شاب وصحافي علمي ودكتور في الفلسفة اسمه ريشارد دافيد برخت، مع ما يمكن أن يذكر فيه هذا الاسم بالكاتب المسرحي الشهير «برتولد برخت».
موضوع هذا الكتاب هو عمل فكري وفلسفي ولكن بأسلوب مبسّط. إن المؤلف يعرض فيه أكثر المسائل الفكرية والفلسفية عمقا بطريقة فيها الكثير من الخفة، لكن دون إسفاف. وهو يهتم بالأفكار الكلاسيكية ومفكريها من ديكارت إلى سيغموند فرويد، وكذلك بأفكار الفلاسفة الحديثين من هابرماس إلى برنار هنري ليفي.ويحدد المؤلف القول منذ البداية إنه يحاول في هذا الكتاب الإجابة عن أسئلة مستلهمة من تلك التي طرحها الفيلسوف ايمانويل كانط، ومفادها: ماذا أستطيع أن أعرف؟ وماذا ينبغي علي أن أفعل؟ وما المسموح في التأمل بتحققه؟أما هدف المؤلف من هذا العمل فيحدده ضمنيا بدفع القارئ إلى التفكير بنفسه. ولكن بالاعتماد على عدة مفاهيم أساسية تتعلق بالحقيقة والمعرفة والذاكرة والعدالة والعقيدة والعدالة والشرف. لكن هذا كله بعيدا عن «الجفاف الأكاديمي»، والاستعانة أحيانا ببعض الأحداث الشخصية «الصغيرة»، والخلط بين عدة مشارب من أجل تحقيق هدف واحد هو «ولوج قارة المعرفة واكتشاف الذات».
اللافت للانتباه هو أن المؤلف يطرح بسهولة ويسر الأسئلة الجوهرية التي طرحها البشر على أنفسهم عبر مختلف مراحل تطوّر المجتمعات الإنسانية. وهكذا يتخيّل مثلاً حواراً جرى بين الفيلسوف الشهير شوبنهاور وطبيب أعصاب مشهور اليوم في سان فرانسيسكو اسمه «بنجامان ليبيت».
حيث «يتعرّضان» لمسائل تتعلق بالذاكرة، وبمعنى العدالة، وبالمعنى الذي يمكن للبشر أن يعطوه لوجودهم. ولا شك في أن جمهور قرّاء هذا الكتاب لن يكونوا، ولا ينبغي أصلاً أن يكونوا، من بين المتعمّقين بالمعارف الفلسفية؛ إذ لن يقدّم لهم الكثير. لكنه قد يكون بالمقابل شديد الفائدة للقارئ العادي الذي يجد أمامه تحليلات مبسّطة وبقالب جميل لنظريات الفلاسفة الكبار.
هكذا يسهّل المؤلف فهم المعنى الفلسفي لأطروحة «الشك لدى ديكارت» أو «الشك الديكارتي» التي صاغها الفيلسوف وعبّر عنها المهتمون بمقولة: «أنا أشكّ، إذن أنا موجود». وتوضيح أيضاً أن عدة أشخاص كانوا مصفّدين بالقيود في أحد الكهوف الجوفية، ولم يُبصروا أبدا النور مواجهة، وبالتالي لم يكونوا يعرفون الأشياء إلا من خلال ظلالها على الجدار أمامهم. ولم يسمعوا سوى صدى الأصوات. وإذا تحرر أحد منهم من قيوده ونظر الضوء مباشرة فسيبهره النور ولن يفهم شيئا.
وفي هذه الحالات كلها يقيم المؤلف روابط لها علاقة بالحياة اليومية، أو باعتبارات شخصية لها علاقة مع ابنه «اوسكار» البالغ من العمر أربع سنوات. وليس نادرة هي الإشارات التي يلجأ إليها المؤلف لأفلام سينمائية لاقت نجاحات جماهيرية.
وما يؤكده المؤلف بأشكال مختلفة هو رفضه للاتهام الذي قد يقدمه كُثر لكتابه على أنه «تبسيط مخلّ» قد يصل إلى حد «الإسفاف» لمقولات الفلسفة والمعرفة والعلم. وهو يرد على مثل هذا الاتهام المحتمل بالقول إن عمله لا يسعى سوى إلى تحقيق هدف واحد هو أن يكون: «أداة تساعد على التوجه في غابة كل العلوم التي لها علاقة بالإنسان».
والمهم، كما يُستشف من مادة هذا الكتاب، هو البحث في «معنى الحياة»، ومدى علاقة طريقة عيشها بالحقبة الزمنية التي تشهدها. هكذا يرى مثلا أنه: «لو كان ديكارت يعيش اليوم، فإنه كان سيهتم بالتأكيد بالبحث في مجال الذكاء الاصطناعي. وكطبيب عصبي شهير، كان سيعيش غالباً في منزل فاخر. ويستشفّ أيضاً مما يعرضه المؤلف لأعمال الفلاسفة وأفكارهم، هو أنه ينظر إليهم أولاً كبشر يعيشون مع الآخرين وليسوا مجرّد «صاغة للكلمات».
ولعلّ من أهم ميزات هذا الكتاب هو أن مؤلفه يحاول دفع الأفكار كي تنزل إلى الشارع، وبالتالي كي تكون فاعلة، ولكن دون استخدامها والتلاعب فيها، بل بالأحرى يبدو مسعاه في سبيل أن تصبح الأفكار والمعارف وما تنتجه من مفاهيم أكثر قدرة على استيعابها من أكبر عدد ممكن من البشر.
ونقطة أخرى يتميّز بها ريشارد دافيد برخت هو أنه يجمع في بوتقة واحدة معارفه الفلسفية واهتماماته الصحفية في مجال العلوم، وهو يؤكد على ضرورة رفض العزل الكامل بين الفلسفة والعلم، بل يراهما «شريكين» متلازمين، إذ نقرأ: «الفلسفة خاوية من دون العلوم الطبيعية، والعلوم الطبيعية مصابة بالعمى دون الفلسفة». أما «برنامج» المؤلف، إذا صح التعبير، فهو «توظيفهما في نفس الشبكة».
لكن بالمقابل يرى المؤلف أنه لا تكفي معرفة أي مشرب علمي مما كان دقيقا كآليات العمل العصبية-الكيميائية أو معرفة حقل الفلسفة بعمق، من أجل تفسير السبب الذي يجعل هذه القطعة الموسيقية تكتسي معنى ودلالة. والأمر نفسه بالنسبة لرؤية مشهد طبيعي أو وجه إنساني.
وكتاب يؤكد مؤلفه أن مقولات فلسفية قديمة لا تزال تمتلك كل راهنيتها، وليس أقلّها مقولة «الشك الديكارتي». لكنه يؤكد في نهاية المقام على حرية الإنسان في الاختيار، «لكن يبقى بالطبع لكل إنسان الحرية في أن يحسم النقاش كما يريد»، حسب قوله. ويضيف في موقع آخر: «لا أطلب أن يسلك المرء هذا السبيل أو ذاك، مما اقترحه. إنه حر تماما في اتخاذ القرار بما سيفعله بكل ما أطرحه عليه من أفكار».
الكتاب: من أنا، وكم؟
تأليف: ريشارد دافيد برخت
الناشر: بلفوند باريس 2010
الصفحات: 380 صفحة
القطع: المتوسط
Qui suis-je ? et si je suis combien ?
Richard David Precht
Belfond - Paris - 2010
380P.

