ليس أمراً نادراً أو غير مألوف أن يخرج القارئ من قراءة رواية للروائي والكاتب المسرحي الأميركي دون ديليلو شاعراً بالقلق والتشوش، ولعل ذلك، على وجه الدقة، هو عنصر جاذبية ولعنة في آن بالنسبة لجانب ليس بالقليل من أعماله الروائية، وهو أيضاً مصدر إثارة بالنسبة لبعض القراء ومصدر ضيق وإزعاج لغيرهم.
وأول ما يلفت نظرنا في رواية «نقطة النهاية»، أحدث روايات ديليلو أن صفحاتها لا تتجاوز 117 صفحة من النثر المختزل والمقتضب والمركز والحافل بالمؤثرات التي تبقى طويلاً مع القارئ بعد الانتهاء من قراءة الرواية.وبالنسبة للكثير من متابعي إبداعي ديليلو، فإن قراءة هذه الرواية أقرب إلى رحلة ارتقاء لجبل في قلب الصحراء.ونحن، على صفحات الكتاب، نلتقي مع رجلين عاكفين على نفسيهما، هما جيم فينلي، المخرج الذي تقول عنه زوجته التي نأت عن حياته إنه بالغ الجدية فيما يتعلق بالفن، ولكنه ليس جاداً بما فيه الكفاية فيما يتعلق بالحياة، وريتشارد إليستير الذي عمل مستشاراً للبنتاغون فيما يتعلق بحرب العراق، ونحن نلتقيهما في دار اليستير المنعزلة في صحراء كاليفورنيا التي لاذ بها متراجعاً إلى خواء الزمان والمكان بعد تركه لفريق مخططي الحرب على العراق في عهد بوش.
ويعلق فينلي الآمال على اقناع إليستير بالحديث عن تجربته في فيلم وثائقي أمام جدار في أحد أحياء نيويورك.
ومع انطلاق الرجلين مبتعدين عن أجواء المدن الوحشية التي قدما منها، يراود المرء الشعور بأن ديليلو يعدهما لسقوط مدو، خاصة مع اعتقاد إليستير أنهما يقتربان من نقطة النهاية، وهي مفهوم يعني قفزة خارج البيولوجيا، بحسب تعبير اليستير.
عند هذا المنعطف، على وجه الدقة، سنلتقي بجيسي ابنة إليستير العشرينية التي تزود أبيها في منفاه الصحراوي. ومن هذا المنعطف ستسيطر على الرواية آليات التوترات والتراجيديا الإنسانية التي تعري خواء التجريد الذهني، وتجعل نقطة النهاية تبدو كلمات جوفاء عند أفق أحداث قاتلة.
وعلى امتداد الطريق، يصل ديليلو إلى ذروة أدائه الإبداعي مع تقديمه للحظات الجزئية في الحياة الداخلية للشخصيات الثلاث، وخاصة مع الاختفاء الغريب والغامض لجيسي في رحاب الصحراء الموحشة.
ويبدو هذا كله مؤثراً في نفس القارئ، خاصة وأننا ندرك أن إليستير، فيما يبدو يوجه تحذيراً للمؤلف من محاولة اختزال الحياة إلى كلمات مكتوبة أو منطوقة. وبين الحين والآخر يبرهن ديليلو على أن الصواب قد جافى اليستير في هذا التصور على وجه التحديد.
هكذا فإننا نجد أنفسنا أمام عمل يتيح المجال لمفهوم اغتراب الحياة الأميركية لكي يطرح لتناول إبداعي جاد، بعد أن غاب طويلاً عن الساحة، وفي الوقت نفسه نجد أن أنفاس الحياة تتردد في صدور الشخصيات التي تعيش هذا الاغتراب وتعاني ضراوته وآثاره المروعة.
غير أن جاذبية هذه الرواية وفتنتها لا ينبغي أن تحجبا عنا عيوبها، وهي عيوب ليست بالهينة، ويضاعف من وضوحها وتضخمها أنها قد نتجت عن قلم عرف صاحبه تقليديا بالتمكن من قالب الرواية.
أول هذه العيوب يتعلق بالمفهوم الذي استلهم منه الروائي عنوا عمله، وهو مفهوم نقطة النهاية
والعيب الثاني يبدو لنا في الشخصيات الثلاث التي تشكل صميم العمل.
ونظل مع مسلسل هذه العيوب نصل إلى العيب الثالث، والأكثر خطورة في اعتقادنا، وهو غياب الحبكة الرحبة التي تشد القارئ وتحول دون تشوشه أو شروده، فالرواية لا تعكس صورة شاملة ولا تقدم لنا واقعة تختزل التاريخ، يمكن أن تمدنا بمركز للجاذبية أو الثقل.
وعلى الرغم من هذه العيوب، التي لا يمكن إلا أن توصف بأنها مثيرة للشعور بالإحباط الشديد، إلا أن الرواية تظل عملاً جديراً بالقراءة والتأمل، فهي تومئ إلى بعض الموضوعات العظيمة التي تطرق إليها ديليلو ، كما أنها تقدم شخصيات كان يمكن بالفعل أن تكون مثيرة للاهتمام، وفي مقدمتها شخصية ريتشارد إليستير.
إننا، على الرغم من كل هذه العيوب التي أشرنا إليها، نبقى أمام رواية رائعة ووحشية وضارية، تستمد قوتها من أنها تضرب بجذورها في الاغتراب الذي يشكل جزءاً من صميم الحياة الأميركية، نبقى إزاء تجربة مفعمة بالحياة وبالتحدي وبالضراوة وبالجمال.
ونحن لا نملك إلا أن نتابع الشخصيات الثلاث في كل تجلياتها، وبصفة خاصة الشخصية المحورية، شخصية اليستير، على الرغم من أنها غير محددة الملامح بشكل يثير الغيط، بل والجنون، سواء من حيث علاقته بالحرب على العراق، أو من حيث صلته بابنته.
وليس لديّ أدنى شكل في أن القارئ العربي سيشد شعره ضيقاً وانزعاجاً، عندما يتابع طروحات خبير في إستراتيجية الحروب وهو يتحدث على النحو الذي يقدمه ديليلو، حيث نراه يقول: «لقد أردت حرب هايكو، أردت حرباً في ثلاثة أبيات.. إن أمور الحرب متحولة، فلتر ما هنالك، ثم كن مستعداً لرؤيته وهو يختفي».
أياً كان الأمر، فإن هذه الرواية، على الرغم من عيوبها، تملك من عناصر الجاذبية ما يمكن أن يدفع بها إلى أن تكون الرواية الأولى من روايات دون ديليلو التي تترجم إلى اللغة العربية، أو هذا على الأفضل ما نأمله.
لكتاب: نقطة النهاية
تأليف: دون ديليلو
الناشر : سكريبنر نيويورك 2010
الصفحات: 117 صفحة
القطع: المتوسط
Point Qmega
Don Delillo
Scribner. N.y.2010
117P.

