يؤكد هذا الكتاب أن الشكوى من وجود التباس في فهم معنى الحداثة ليست جديدة، إذ غالباً ما يتم الخلط بينها وبين التحديث، بينما، في واقع الأمر، تختلف الحداثة عن التحديث في المعنى والمفهوم والمبنى والمركبات والحمولات، مشدداً على وجوب التمييز ما بين الحداثة، بوصفها نموذجاً عقلانياً في التفكير والتدبير، والتحديث، بوصفه عملية مقترنة بتدبير واستهلاك التقنية.
يستند الباحث عزّ الدين الخطابي في كتابه «أسئلة الحداثة ورهاناتها»، الصادر عن الدار العربية للعلوم ومؤسسة الاختلاف ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم ـ بيروت، 2009، إلى «جورج بلاندييه»، الأنثروبولوجي الفرنسي، لينقل عنه الشكوى من أن أغلب الدراسات الاجتماعية ركزت على موضوعة التحديث أكثر من اهتمامها بموضوعة الحداثة. ويشير الخطابي إلى أنه يجب التمييز ما بين الحداثة، بوصفها نموذجاً عقلانياً في التفكير والتدبير، يطاول مختلف مجالات الفاعلية الإنسانية، ويشمل، إلى جانب العلم والتقنية، التنظيمات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية والحياة اليومية، وبين التحديث، بوصفه عملية مقترنة بتدبير واستهلاك التقنية.
ويرى المؤلف أن هناك مفارقة تبرز أمام أي باحث يعالج مسألة الحداثة، وتتمثل في الاستعمال المكثف لهذه الكلمة، وسعة انتشارها في الأوساط الثقافية والسياسية والإعلامية من جهة، وغموضها والتباسها وتعدد مدلولاتها من جهة أخرى، معتبراً أن الحداثة غابت عن القواميس الفلسفية، بينما شكلت موضوعة العالم الحديث، موضوعاً فلسفياً بامتياز.
ويعرض لنا الخطابي أن الشاعر الفرنسي بودلير، هو أول من استخدم كلمة الحداثة، ونظر إليها على الصعيد الفني (الشعر والفن)، واعتبر أن الحداثة هي: الانتقالي، العابر، الجائر، وأنها نصف الفن الذي يشكل نصفه الآخر الأزلي «اللامتغير»، ويستنتج المؤلف في هذا الخصوص أن الحداثة ولدت - بالمفهوم البودليري - من تقاطع الزمن الراهن مع الأزل.
ولكنه ينبهنا أيضا إلى أن الحداثة لم تصبح مشروعاً فلسفياً، إلا مع نهاية القرن الثامن عشر، على يد كانط، ثم هيغل على وجه التحديد، كون الأول فصل بين عالم الميتافيزيقا وعالم الفيزياء، وإليه يعود السبق في افتتاح الحداثة الفلسفية. أما الثاني فيعد أول فيلسوف نظّر للحداثة وأسس بوضوح، مفهوماً لها، يقوم على مبدأ الذاتية.
والذاتية، بالمفهوم الهيغلي، لها دلالات أربع، وهي: الفردية، وحق النقد، واستقلال العمل، والفلسفة المثالية. ويلفت الكاتب إلى أن هيغل صور العقل باعتباره معرفة للذات وقد تصالحت مع روح مطلقة.
ينتقل الكاتب إلى تتبع مسار تطور الحداثة، ليبدي لنا ما واجهته في النصف الثاني من القرن العشرين من نقد واسع، جاء من قبل فلاسفة رؤوا أن الحداثة انتهت وولى عهدها إلى غير رجعة، ومنهم الفيلسوف الفرنسي جون فرنسوا ليوتار، وكذلك جاك دريدا، وميشيل فوكو. وهؤلاء جميعا نظّروا إلى اتجاه عرف باسم «ما بعد الحداثة»، كما انتقد فلاسفة آخرون الحداثة من الداخل، بناء على أنها مشروع لم يكتمل، وخير من يمثل هذا الاتجاه الفيلسوف الألماني يورغين هابرماز.
ويجد الخطابي في نقاشه ودراسته لهذه الرؤى، أنه بمقدورنا القول إن نقد الحداثة تجلى مع نيتشه بقطيعة تفكرية مع الميتافيزيقا، والتي عبّر عنها بالعقلانيات، سواء منها المثالية أو التجريبية.
ومن ثم تابع هيدغر ما بدأه نيتشه في إعادة بناء نقدية لتاريخ الميتافيزيقا، عبر تفكيكها، وعُد مشروعه الفلسفي على أنه تأويل للكينونة، لذا توجب عليه مواجهة مختلف أشكال يقينيات ومسلمات عقل متمركز على الذات لأنها مبدأ الحداثة.
ومن جهته، اعتبر دريدا أن الحداثة تظل غير مفهومة من منظور تاريخ العقل، بوصفها متكونة من ظواهر انسحاب، ولا يريد ترك ما ينسحب، يفلت من يديه وكأنه مجرد انسياب لتاريخ الوجود.
وفي الجهة الأخرى، اعتبر هابرماز الحداثة مشروعاً لم يكتمل، بمعنى أنها لم تحقق بعد النتائج المرجوة منها، ذلك أن مشروع الحداثة عانى الكثير من الانكسارات والتراجعات، ما حال دون إمكان تنقية فكر الحداثة من بؤر التمركز، وأدى إلى إرهاق وعي الإنسان الحديث بجملة متناقضات أفضت إلى اختلال توازنه النفسي، ولذا يطالب بتجاوزها نحو ما يسميه ب«العقل التواصلي».
ويخلص المؤلف في مساق تناوله الموسع والمعمق، إلى أن أسئلة الحداثة ورهاناتها، مرتبطة بأسئلة ورهانات الفلسفة ذاتها، بما هي نقد وتفكيك للبديهيات وللحقائق المطلقة، ومرتبطة أيضاً بحاجات المجتمع المادية والفكرية، وبراهينه السياسية والثقافية، وغير منفصلة عن السؤال الكبير المتعلق بسؤال الديمقراطية، الضامن لقيم الحوار والتسامح وقبول الاختلاف. وهنا تبرز-برأيه- أهمية التربية ودورها الفعال في ترسيخ هذه القيم.
الكتاب: أسئلة الحداثة ورهاناتها في المجتمع والسياسة والتربية»
تأليف: عزّ الدين الخطابي
الناشر: الدار العربية للعلوم ومؤسسة الاختلاف ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم بيروت 2009
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
عمر كوش

