يدرس د.علي الدين هلال في كتابة الجديد «النظام السياسي المصري بين إرث الماضي وآفاق المستقبل 1981-2010»، خصائص النظام السياسي المصري الحالي في ثلاثين عامًا إلاَّ قليلاً.
وهى فترة حكم الرئيس محمد حسني مبارك، من شتى جوانبه: الدستورية والمؤسسية والحركية، كما يدرس مؤسسات النظام من الناحية القانونية، فيعرض لاختصاصاتها ووظائفها، والعلاقات التي حدّدها القانون والدستور بين بعضها البعض، كما يدرس هذه المؤسسات نفسها في حالتي النشاط والحركة ، فيحلل أداءها وممارساتها العملية لوظائفها.
يرى د.علي الدين هلال أن النظام السياسي نسق من العمليات والتفاعلات، التي تتضمن علاقات سلطة بين النخبة الحاكمة من ناحية والمواطنين من ناحية أخرى (وبين فئات ومجموعات النخبة وبعضها الآخر).
ويضيف: النظام السياسي بهذا المعنى لا يعمل في فراغ ، ولكن في إطار بيئة داخلية وإقليمية ودولية يتعامل ويتفاعل معها.
وإذا كان النظام السياسي نتاجاً لواقع بيئته ومجتمعه، فإنه يترتب على ذلك أن النظم السياسية ليست سلعا قابلة للتصدير والاستيراد أو للفرض بالقوة من الخارج، فالنظام السياسي هو كائن اجتماعي متغير ومتطور وفي علاقة دينامكية مع حركة الواقع الاقتصادي والاجتماعي، وتشير مؤسساته إلى توازن القوى القائم في المجتمع.
وحول قضية التغيير في مصر قال د.هلال: ومع إدراك حتمية التغير ، وأنه قد يكون ذا طبيعة كمية (أي تغيرات في إطار النظام نفسه ، دون أن تمس طبيعته وقواعده الأساسية) أو كيفية (أي تغيرات تتعلق بالجوهر وفي أسس النظام ذاته)، فإن النظم السياسية والاجتماعية لا يمكن أن تنقطع تمامًا عن جذورها التاريخية والثقافية والأخلاقية.
لذلك لم يكن من الغريب، وبعد أكثر من سبعين سنة على الثورة البلشفية، أنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي برزت على السطح كل الولاءات القومية والدينية، التي حاربتها تلك الثورة على مدى عقود طويلة، فالذاكرة الجمعية للشعوب هي نتاج لتراكمات على مدى مئات السنين، تتغير ببطء وبشكل تدريجي.
العلاقة بين التغير والاستمرارية إذن، شأنها شأن العلاقة بين التطور والثورة، لا تدخل في باب: «إما» و «إما»، فكلاهما مرتبط بالآخر، وكل منهما يمثل أحد وجهي حقيقة الحياة الإنسانية والاجتماعية. والذي يرجح أحدهما على الآخر هو الموقف التاريخي، أي الظروف المحددة التي يجد المجتمع أو النظام السياسي نفسه إزاءها.
يترتب على ذلك، من الناحية المنهجية، أن التعامل مع قضية التغير والاستمرار لا يكون بمعيار التفضيل النظري لإحداهما على الأخرى، وإنما يتم التعامل معها كمسألة تاريخية ترتبط بالظروف التي يوجد المجتمع فيها.
فالمجتمعات والنظم السياسية تتغير، بل وتنهار، ليس لأن أحدًا من المفكرين دعا لذلك، ولكن لأن التوازن الذي تمثله لم يعد معبرًا عن حقائق الحياة الاجتماعية والسياسية. وتلك التي تستمر تحقق ذلك لأنها نجحت في تمثيل التيارات والقوى الأساسية الفاعلة في مجتمعها.
والكتاب الذي جاء في مقدمة طويلة وتسعة فصول، حاول وضع النقاط فوق الحروف فيما تشهده الحياة السياسية من حراك يتعلق بطبيعة الحكم في مصر، وبعض المظاهر المستجدة على الحياة السياسية .
والتي تشكل جوهر التغيير الجاري الآن على مستوى النقاش السياسي، بعد ثورة المعلومات، وانفجار الفضائيات والصحف المستقلة، وهى الخطوات المحسوبة التي سمع بها النظام لتجديد بعض رؤاه وتلمس خطي مستقبله، فالجميع مصريون ويهمهم مستقبل هذا الوطن .
وقف د. علي الدين هلال أمام ثلاث محطات أساسية تخص النظام السياسي المصري هي أولاً: مفهوم النظام السياسي من الناحية النظرية والوظائف التي يقوم بها في حياة المجتمع، وثانيًا :
أهم المداخل والاتجاهات التي استخدمها الباحثون في دراسة النظام في مصر، وإسهاماتها في تفسير بعض جوانبه، وثالثًا: مراحل تطور هذا النظام في مصر ، منذ عهد محمد علي، وذلك للتعرف على الجذور التاريخية لتطوُّر هذا النظام وخصائصه على مدى القرنين السابقين، حتى يمكن وضع المرحلة الراهنة من تطوّره في سياقها التاريخي.
الفكرة الحاكمة في الكتاب ما يشير إليه العنوان الفرعي: «بين إرث الماضي وآفاق المستقبل» وذلك أن النظام السياسي المصري يتضمن قدرًا كبيرًا من الاستمرارية لعدد من السمات والتي تبلورت في مراحل تاريخية سابقة مثل: غلبة السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، وعدم الاستقرار الوزاري.
وضعف الحياة الحزبية، وجود حزب كبير ومهمين، وعدم وجود تقاليد دستورية مستقرة بسبب عدم الاستقرار البرلماني والدستوري في معظم سنوات القرن العشرين، وهذه الخصائص بالتحديد، في رأي على الدين هلال، هي أهم المعوقات أمام أي تطور ديمقراطي في مصر.
وفي مقابل هذه الخصائص المعوقة والموروثة من حقب سابقة برزت مجموعة أخرى من السمات تدفع في سبيل التطوّر الديمقراطي المنشود وتحبذه مثل: حرية الإعلام والتعبير والحوار العام، واتساع نشاط المجتمع المدني، وظهور حركات اجتماعية احتجاجية وكذلك الاستقرار الدستوري والوزاري، وازدياد دور القضاء، وبروز أنماط جديدة للتفاوض بين القوى السياسية.
الكتاب: النظام السياسي المصري بين إرث الماضي وآفاق المستقبل
تأليف: د.علي الدين هلال
الناشر: الدار المصرية اللبنانية2010
الصفحات: 512 صفحة
القطع: الكبير
محمد الحمامصي
