يعد هذا الكتاب، جولة سبر وتحليل واسعة وغنية الآفاق، في فكر محمود أمين العالِم، حيث يشمل مختلف النواحي الفلسفية والسياسية والأدبية لديه، ويقدم ملخصاً مركزاً حول فكره وطروحاته، وخاصة أنه بقي دائما، حتى أيامه الأخيرة، حريصا على العمل لتحقيق بناء مجتمع مثالي يؤمن بالحقيقة والتغيير، وإعلاء قيمة ودور الإنسان، وذلك دون أن يكل أو يتشاءم أو يتخلى عن ملمح التفاؤل الدائم.

كان مؤمناً بمستقبل أفضل رغم ما يحيط بالأمة ودفعه ذلك إلى الالتزام بمبدأ العمل دون كلل أو تشاؤم أو يأس لتحقيق التغيير الايجابي.

يتناول كتاب «محمود أمين العالم ـ مفكراً وناقداً»، لمجموعة من المؤلفين والباحثين العرب، والصادر عن نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع، 2009، مختلف الجوانب الفكرية والسياسية والفلسفية والنقدية في المشروع الفلسفي للباحث والمفكر محمد أمين العالم، إلى جانب تحليل ومناقشة الطروح التي دافع عنها هذا الفيلسوف المبرز، حتى اليوم الأخير في حياته.

تُستهل مباحث ومواضيع الكتاب بعرض موسع للكاتب وليد إخلاصي، يناقش فيه مسيرة المفكر محمود أمين العالِم، مبينا أنه واحد من الذين امتلكوا «الوعي الكلي».

حيث مكنه ذلك من تكوين «رؤية منفتحة على العالم»، علاوة على امتلاكه حس الشاعر وقدرة القائد، فاستطاع معهما توجيه سفينة الفكر والنقد بمنحى مدروس ومنهجي، وأصبح، بفضل هذه المعالم والميزات، أمثولة يحتذى بها بشكل دائم. ويستفيض الكاتب عطية مسوح في محاور استقصائه وبحثه حول الفيلسوف العالم، في عكس جانب المقاومة ضمن فكره، ويوضح مع هذه النقطة، أن من يعرف هذا الفيلسوف، يدرك صدقية وعمق وطنيته.

وإيمانه القومي، ونزعته الإنسانية النبيلة، ليتثبت حينها من أن مفاعيل تأثيرها لديه، جعلته مندمجاً بنضال أمته، واضعاً فكره ووعيه وقلمه في خدمة الوعي والصمود والتنوير، حيث إنه في فكر العالِم، يبرز تكامل الجانبين القومي واليساري، لتحقيق هدفين رئيسيين لديه، أولهما مقاومة العدو الإسرائيلي، والثاني فضح طروح التطبيع والتخاذل.

ويحلل يوسف سلامة في تناوله لهذه الشخصية الفكرية العملاقة، ما يسميه بـ «نقد الوعي الزائف» عند محمود أمين العالِم، إذ يعد هذا النقد من القضايا الكبرى التي سعى المفكر، من خلالها، إلى تغيير وعي الناس وفضح الأكاذيب السياسية التي تمررها الأنظمة السياسية على شعوبها، فهو آمن أن أهم القضايا الواجب كشف بطلانها، تتجسد في تجاهل الفروق بين المصلحة العامة والخاصة للأنظمة.

وأيضا ذوبان مصلحة الشعوب واضمحلالها في نطاق المصلحة الخاصة. ويحرص سلامة على ذكر النقد التفكيكي المعمق لدى الفيلسوف العالم، بخصوص الوعي الديني للناس.

يوجه الكاتب ماهر الشريف بوصلة تناوله لشخصية وفكر هذا الفيلسوف، نحو الدور الثقافي الذي لعبه في حياته النضالية، إذ كان - في نظره - مشاركاً فعالاً في الحياة السياسية، وشيوعياً بارزاً في الثقافة المصرية.

ولم يفلح السجن أو القمع في أن يجبره على أن يتنازل عن دوره السياسي والثقافي، وعن السعي الدؤوب لتحقيق «التغيير الثوري المنشود»، وهنا يشدد الشريف على أن ذلك ليس بغريب عليه، فهو مثال قدوة للمثقف الملتزم «الذي سعى إلى نشر الفكر النظري وإشاعته»، «الوضوح الفكري».

واحتاج معه إلى احتواء وطرق مجمل القضايا والحيثيات، ما دفعه لتكثيف دراساته، وتقديم نتاج فكري غني بلغ أكثر من عشرين كتابا، إضافة إلى مئات المقالات والدراسات الناضجة الملخصة لمضمون ركائز شخصيته الفكرية.

شخصية العالم وروحه المتفائلة في أحلك الظروف وأصعب المراحل، هما الجانب الذي يوليه الكاتب عمر بوساحة أهمية خاصة في البحث والدراسة، حول الفيلسوف العالِم.

ويستنتج في هذا الخصوص، أنه كان مؤمناً بمستقبل أفضل، رغم ما يحيط بالأمة من أخطار ومصاعب، ودفعه ذلك إلى الالتزام بمبدأ العمل دون كلل أو تشاؤم أو يأس، وهذا فقط في ضوء التفاؤل بالتغيير ضمن مختلف المجالات السياسية والأدبية والفلسفية.

وأكثر من ذلك أيضا، كون تفاؤله جعل منه «مناضلاً» على شتى الأصعدة، يأبى في هذا الوهج أن تستكين روحه النقدية ويخمد فكره العقلاني في مشوار مشروع التغيير في كافة المجالات.

ومع الكاتب فؤاد مرعي، في دراسة جاذبة تتقصى ملامح غنى وجماليات شخصية العالم، يبرز ويتبدى لنا بسطوع، الجانب الأدبي في حياة الفيلسوف، فيؤكد لنا بقرائن شيقة، أنه كان من رواد المدرسة الواقعية في النقد الأدبي، وان الأدب والفن كانا في نظره، نقداً للحياة، وكشفاً وتنمية لقيمها المتجددة.

ويتدخل الكاتب ليجلي ويوضح رأيا علميا في هذا الشأن، يشرح معه، أنه ومن هذا المنطلق يشكل النقد الأدبي فعليا، دعوة للمشاركة في تطوير الحياة، وليس رصداً أو تسجيلاً لها، لأن الأدب هو بناء علوي لحركة المجتمع البشري، ويقوم بوظيفة اجتماعية تتولى مهام تنظيم المشاعر الإنسانية للشعوب، وفي نهاية المطاف «إنضاج الخصائص القومية للأمة».

موضوعة النقد التطبيقي في النتاج الأدبي، صلب تناول وبحث الناقد رضوان القضماني في مقالته عن النتاج الأدبي للعالِم، ليفسر لنا أن هناك حرصاً دائماً، في كتبه النقدية، على تحليل ومناقشة نماذج تطبيقية في الشعر والقصة والرواية ومختلف الأجناس الأدبية، إلى جانب تميز نقده التطبيقي بنقطة الاستفادة من مختلف المدارس الأدبية، ليوحد بين الدلالة والقيمة، والحقيقة والجمال.

ويتوقف عاطف البطرس في دراسته بهذا الخصوص، عند المنطلقات النظرية للممارسة النقدية لدى العالِم، فيستنتج أن تجربته زينها وقواها جهاز مفاهيمي واسع، بعيد عن الثوابت المطلقة.

ويتسم بتنوع الاهتمامات المعبرة عن شموليته في مواجهة جميع المشاكل، وكذلك عمق وظيفة الفن في إدماج الأنا في المجتمع، وإخراجها من حالة الاغتراب، وفي هذا السياق يشدد البطرس على أن العالم مبدع فني وباحث مجتمعي، تحمس بشكل مطلق لبناء علاقة قوية بين الفن والواقع.

الكتاب: محمود أمين العالم مفكراً وناقداً

تأليف: مجموعة من المؤلفين

الناشر: نون 4 للنشر والطباعة والتوزيع 2009

الصفحات: 125 صفحة

القطع: المتوسط

رشيد الحاج صالح