يفسر هذا الكتاب بأسلوب تحليل وبحث منهجيين علميين، مدى عمق الرغبة الموجهة بذكاء، لدى فوكو، في إخفاء منحى الانتماء الإيديولوجي، بحيث نتبين بوضوح أنه فيلسوف يضحي بالدقة العلمية من أجل استباقات أو تكهنات قد تموت لحظة ميلادها.
وذلك من خلال الربط بين البحث الفلسفي والتجربة الذاتية، وهذا الربط الذي يهدد، فعليا، الصرامة المنهجية والنتائج التي يصل إليها الفيلسوف عموماً.
لا يوجد في كتابات فوكو إشارة واحدة تدل على أن تحاليله تمتد خارج رقعتها الجغرافية (الغرب) وليس من كتاب لديه يتطرّق لإشكاليات تهمّ الإنسانية جمعاء.
يتناول كتاب «فوكو والجنون الغربي»، للفيلسوف التونسي محمد المزوغي، الصادر عن «منشورات كارم الشريف»، والذي يمثل الكتاب الثاني ضمن إطار محور الكتب الفلسفية، تحت محور في نقد ما بعد الحداثة، يتناول المسيرة الحياتية والفلسفية للمفكر ميشال فوكو، وفق وجهة وأسلوب نقد وتحليل معمقين.
حيث يضيء المزوغي على مختلف جوانب فكر وشخصية فوكو، من خلال التعرض لمجموعة من المحاور: إشكالية فوكو، مواقف متضاربة، رسول ما بعد الحداثة، حياة تجارب، العقل الغربي ونقيضه:
تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، اعتراض مبدئي، الجنون الغربي، استراحة نقدية، الجنون في ظلمة الأنوار، دفاعا عن التنوير، تاريخ تقدّمي، خطابة الجنون، مأساة المجنون، الجنون بين الواقع والوهم، تاريخ مثالي، نقض الجنون، في سجن العقل، تحرير المثقف من الخصوصية: تشومسكي/ فوكو.
يبين المؤلف منذ مطلع نقاشه لمواضيع بحثه ودراسته، أن هذا الكتاب يمثل في الحقيقة، ثورة على التفكير في الطريقة المتساهلة التي تقبّل بها بعض المفكرين العرب، أطروحات فوكو، حيث تهافتوا على تزكيتهم لها، دون أن يخالجهم الشكّ يوما ما، في أنها تفتح الباب أمام جميع أصناف وصور التفكير والتعاطي المتصف بالعدمية واللاعقل.
ثم يخصص محمد المزوغي القسم الأكبر في كتابه، للنظر في كتاب «فوكو» «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، وعلاقته بالقضايا الفلسفية التي تحوم حول العقل، والموقف من الجنون، سواء اعتبر نقيض العقل، أو عاهة في الدماغ.
كما كان رآها فولتير، ويبحث المزوغي هذه المسألة من زوايا عدة، بعضها له علاقة بالكتاب في حد ذاته من حيث اختيار حدود الموضوع الزمنية، التي يعتبرها «أمرا محرجا»، لأن أي مبحث فلسفي جدي يطمح نحو الشمولية.
ومن قبيل معنى الجنون الغربي في علاقته بتاريخ الغرب، وبعضها الآخر له علاقة بالانتقادات التي وجهت إلى عمل فوكو في هذا الكتاب، مثل «خوزي مركيور» و«هادين وايت»، وجزء محدد له علاقة بما يطرحه الموضوع من مسائل ذات علاقة بالأنوار أو بالنظرة التقدمية للتاريخ، أو بإدانة العقلانية، أو بمبحث الحقيقة، أو بالعدمية.
ويختم المزوغي في هذه المحطة مع فصل أخير، سماه «نقض الجنون»، يعرض مجموعة مهمة من اعتراضات الباحثين على أطروحات «فوكو» في كتابه، أبرزها موقف لندروث، وانتقادات غوييه، وبيتر سادفيك اختصاصي الأمراض العقلية، وإيريك ميدلفورت، الذي عد عمل فوكو، مقوّضا لجهود الباحثين الجديين في تاريخ الأمراض العقلية في أوروبا.
ولا يقف منوال تطرق ومعالجة المزوغي في هذه القضية البحثية، عند هذا الحد، فينتقل الكاتب ليحلل ويشرح ويقلب موقف فوكو من المثقف ودوره في الحياة المعاصرة، والتعمق في تاريخ الجنون وقضية المثقف في جانب علاقاته الوشيجة، إذ تتمثل في أن التأريخ للجنون والانحصار داخل الفضاء الغربي الأوروبي، يقوّض مبدأ المثقف العضوي كما يطرحه غرامشي، أو المثقف المسؤول.
كما يظهر من حركات الاحتجاج التي عاشها فوكو نفسه أواخر الستينات وبداية السبعينات، ويبرهن المزوغي بوضوح على أن فوكو يربط بين العقل والنازية والاستبداد والسلطة المفرط فيها.
وهذا الموقف من العقل يؤدي إلى موقف من الإنسان ومن حريته، فهو يسمي كل خطاب حول الإنسان ب«السبات الأنثروبولوجي»، ويطرح في مقابل المثقف الإنساني، مقولة المثقف الخصوصي المتسمة بنقص وعدم مصداقية أو إنصاف، وهنا يشدد المؤلف بإصرار كبير على نقده منحى التأثير السلبي لفوكو بالنسبة للكثير من المثقفين العرب، والفهم الخاطئ له.
حيث يعتقدون أنه: «مفكر من طينة أخرى»، فهو الوحيد الذي استمع إلى صوت المكبوتين والمهمّشين، واستوعب فوكو ـ حسب رأيهم ـ الدرس النيتشوي، ففجّر مكبوتات الخطاب الفلسفي، وأصبح يستمع إلى لوغوس المكبوتين والجنون والمتهتكين والمجانين.
ويخلص المؤلف إلى مجموعة من الاستنتاجات، أبرزها: أن فوكو لم يتحدث طوال حياته إلا عن الغرب (من موقف فرنسي): عقل غربي، جنون غربي، أركيولوجيا غربية، تنوير غربي، أنثروبولوجيا غربية.
وبذا استحوذ على مقولاته ضمير ال«نحن»، في جميع معانيه وصيغه الإقصائية، وكذلك فإن تاريخ الأفكار الذي اهتم به، تاريخ متوضع في زمان مخصوص وفي ركن محدّد من خارطة العالم: أفكار الغرب وبالتحديد أوروبا، وهكذا فليس هناك في كتابات فوكو، ولو إشارة واحدة صريحة تدل على أن تحاليله تمتد خارج رقعتها الجغرافية. ولا وجود لكتاب واحد يتطرّق فيه لإشكاليات تهمّ الإنسانية جمعاء، أو تتجاوز نطاق حدودها الزمنية والجغرافية.
الكتاب: فوكو والجنون الغربي
تأليف: محمد المزوغي
الناشر: كارم الشريف تونس 2009
الصفحات: 170 صفحة
القطع: الكبير
بسمة بوزكري
