تعتبر الدراسات المنهجية التي تتناول المصادر الفقهية الإسلامية، وخاصة الفتاوى، وفق المعايير البحثية الحديثة، من المجالات التي مازالت المكتبة العربية تعاني شحاً فيها، بل فقر دم وعوَز اهتمام.
فالاهتمام بهذا الجانب من قبل الباحثين العرب، لا يتخطى الربع الأخير من القرن العشرين، وإن كان عدد قليل من المستشرقين والباحثين الغربيين، أظهروا اهتماماً مبكراً به نسبياً، منذ مطلع القرن المنصرم.
من هنا أهمية الدراسة الجديدة التي أصدرها الدكتور حيدر إبراهيم علي، في كتاب جديد يحمل العنوان «سوسيولوجية الفتاوى»، مع عنوان يخصص «المرأة والفنون نموذجاً».
وأهمية الكتاب، ليست فقط في أنه يتناول مصدراً مهماً وأساسياً من مصادر التشريع الإسلامي، وإنما لتخصيصه الفتاوى التي هي أكثر الجوانب الفقهية ارتباطاً بالحياة اليومية للمسلمين، في مختلف مواقعهم وأزمنتهم.
وقد اعتمد المؤلف في كتابه القيم ودراسته المتعمقة هذه، على 13 مصدراً أساسياً، تبدأ من القرآن الكريم ولا تنتهي عند مقدمة ابن خلدون، إضافة إلى أكثر من تسعين مرجعاً، بينها 22 من المراجع الأجنبية. كما اعتمد بدرجة كبيرة على المصادر الإعلامية والمعلوماتية الحديثة.
وقد صرح بذلك قائلاً: «كانت الفتاوى المنشورة والمنتشرة في أجهزة الإعلام العربي مصدراً جيداً لهذا الكتاب، لأنه يبحث وهي تمشي بين الناس، وليست قابعة في الكتب والمختصرات العتيقة..»، مشيراً إلى أنه لم يتمكن من نشرها وتحليلها جميعها، وإنما اختار منها «ما هو أكثر تمثيلاً وتعبيراً عن ظاهرة اجتماعية بعينها».
ويبادر المؤلف في مقمة كتابه، إلى توضيح أن هدف الكتاب ليس «تقديم توصيات أو اقتراح حلول، أو المطالبة باجتهاد جديد أو تجديد الخطاب الديني، فهذا ليس من اختصاص عالم الاجتماع»، الذي هو «معني بالشروط الاجتماعية الاقتصادية التي قام عليها العقل الفقهي وسلطة الفتوى»، بحيث «لم يعد لأي دارس أو مهتم بالعلوم الاجتماعية والسيكولوجية، أن يتجاوز أثر الفتاوى على الناس والمجتمع».
لكنه في الوقت ذاته، يشير إلى أن «هذا الكتاب يضيء بصورة غير مباشرة بعض مظاهر أزمة الإنسان المسلم»، فهو يرى أن المسلم المعاصر «يجلس في مسكنةٍ وفزع، عاجزاً عن حل أبسط قضايا حياته، وقد ترك كل أموره لآخرين».
ولا يخلو خطاب المؤلف من بعض القسوة تجاه حال المسلم عامة والعربي خاصة، الذي يصفه بأنه قد «خف ميزانه في ساحات التجديد والإبداع والابتكار»، إلا أنه في الغالب، يقدم توصيفاً لواقع مؤلم، لكنه حقيقي!
يتألف الكتاب من مقدمة، وسبعة فصول. وقد أسهب في الفصل الأول، كمدخل عام إلى عمق الدراسة، في الأبعاد السوسيولوجية الاجتماعية للفتوى، مستعرضاً في هذا المجال جانباً من مراحل تطور الفتوى ومكانتها في المجتمع عبر التاريخ الإسلامي.
وبما أنه أدرج الدراسة في «علم اجتماع الدين»، وإلى حد ما «علم اجتماع الحياة اليومية»، فقد استعرض مواقف ورؤى العديد من علماء الاجتماع وعلماء الأنثربولوجيا، ونظرة كل منهم لتأثير الجوانب الدينية في حياة الفرد والمجتمع، كل من منظوره التخصصي. بل تناول علاقة الفتوى بالعلوم الإنسانية بصفة عامة.
أما الفصل الثاني، فتناول فيه بالتفصيل تاريخية الفتوى، من حيث المعنى والشروط والمؤسسة المناط بها إصدار الفتاوى أو الإشراف عليها، وأحياناً التحكم فيها وبها، خاصة في العهد العثماني وما بعده.
بعد ذلك ينتقل المؤلف، في الفصل الثالث، إلى الفتوى بين «الأنسنة والتنوع»، بادئاً ومركزاً على الاجتهاد، أسساً وطرائق ومحددات، حيث يرى أن فكرة الاجتهاد «تتميز في السماح بالتدخل ـ ضمن شروط ـ في النص المقدس، وفي تطويره وزيادة مرونته». بل يذهب إلى أن الاجتهاد يمكن اعتباره «شكلًا من أشكال علمنة الدين».
ومع أن هذا القول قد يفهم في عمومه على أنه تأكيد ل«سماحة الإسلام»، إلا أن البعض قد يرى فيه ترخيصاً غير مسلّم به، للتدخل في نص القرآن أو السنة الصحيحة، إذ إن الاجتهاد لا يكون إلا في ما ليس فيه نص صريح من هذين المصدرين. وهذا ما أوضحه المؤلف نفسه، مستشهداً بأن الاجتهاد هو: التعقل والتفكير بوسيلة من الوسائل التي أرشد الشرع إلى الاهتداء بها في الاستنباط «حيث لا نص».
أما الفصل الرابع، فتناول مجالات التنوع والاختلاف والخلاف، حيث «اعتمد المسلمون أثناء حياة الرسول على الوحي لتسديد الخطى وحل المسائل المعقدة، وبعد وفاته استندوا إلى كتاب الله وسنة نبيه وإجماع الأمة».
ثم بحث في تغير الفتوى وفقه الحكم، مع اتساع الدولة الإسلامية وانتشار المسلمين، وتغير ظروف حياتهم ومتطلباتها عبر العصور، حيث «أدخل بعض الفقهاء والكتاب مفهوم فقه الواقع، وهو تعبير موفق وصائب في دراسة تغير الفتوى»، مع التفريق بين مصطلح «تغير الفتوى» ومصطلح «تغير الأحكام».
أما عن «إشكاليات التجديد والتنوع»، التي خصص لها الفصل الخامس، فيرى المؤلف أنه بعدما «أصبح المسلمون مواجهين بأخطار خارجية وداخلية»، فقد كان على الفقه الإسلامي أن «يستجيب إلى ما درج على تسميته بالتحديات الحضارية في الأدبيات المعاصرة».
وبعض استعراضه لمجمل الحركات والشخصيات الإصلاحية الدينية في العصر الحديث، من محمد بن عبدالوهاب إلى الأفغاني ومحمد عبده ونظرائهما، وصولاً إلى المرحلة الراهنة، يرى المؤلف أنه «يمكن القول إن الشعور أو الخوف من الفوات التاريخي، كان هو الحاضر الأقوى والحقيقي لعملية التجديد أو الإصلاح».
ويخلص إلى أن «تعدد القضايا الجديدة كان لابد أن يثير الخلاف بين الفقهاء ورجال الدين، بسبب تكويناتهم الثقافية والعلمية التنوعة والظروف التي أنتجتهم وأنتجت فتاواهم وأحكامهم».
وفي هذا الإطار، تناول عدة عناوين فرعية، مثل: شعبوية الفتوى، البدعة والإبداع في الفتوى، الفتوى بين الفوضى والغرابة، الفتوى والآخر، فتاوى الإفريقيين، ثم المسلمون والغرب...الخ.أما «زبدة الكتاب»، إن جاز التعبير، فجاءت في الفصلين الأخيرين اللذين مثلا وحدهما قرابة نصف الكتاب.
فقد خصص الفصل السادس ل«المرأة والفنون»، وفيه يرى أن العولمة باعتبارها «عملية تاريخية، وليست مجرد حدث»، أدت إلى «انتشار قيم إنسانية جديدة، وتراجع قوة الدولة الوطنية، واهتزاز الكثير من الخصوصيات والهويات الذاتية». وهكذا «وجدت المجتمعات العربية ـ الإسلامية نفسها في قلب نظام عالمي جديد، دينامي ومنتشر، ولم تسهم في وجوده بفعالية».
ولذلك يذهب إلى القول: «ورغم أن نظرية صراع الحضارات جاءت من الغرب، إلا أن العرب والمسلمين مارسوها فعلياً، لأنهم الأكثر إحساساً بالخطر»، حسب المؤلف، الذي توسع في عرض الآراء والمواقف المختلفة، والمتناقضة أحياناً كثيرة، حول فقه المرأة وكل ما يخصها من أمور حياتية، أو علاقات مشتركة، سواء على المستوى الفردي والأسري أو في الإطار المجتمعي العام.
وهذا التضارب في الفتاوى والاجتهادات، يكشفـ حسب المؤلف «نسبية المرجعية الدينية في الفتوى وفهم الدين»، مستدلاً على ذلك بأنه في حين يقف بعض الأصوليين ضد قيادة المرأة للسيارة، مثلاً، فإن بعضاً آخر منهم يدافع حق المنقبات في قيادة السيارات.
وفي الفصل الأخير حول «الإسلام والفنون الجميلة»، ينطلق المؤلف من حقيقة أن «الفنون مع العلوم، تعتبر أكثر الميادين التي تتوجه نحوها الأسئلة، طالبة الفتوى وتحديد موقف الدين الإسلامي منها»، ليستنتج أنه «من الواضح أن الإبداع المرتبط بالتجديد وتقليد الطبيعة، يثير بعض الشك حول قبول الدين له». ويتوقف مطولاً عند مواقف الإفتاء والمفتين من الرسم والنحت.
وأحكام الغناء والسماع، وكذلك «السينما الإسلامية»، وصولًا إلى الفتاوى حول الأدب بمختلف أنواعه. والرأي الجامع في هذا الشأن، نجده في بداية هذا الفصل، حين يقول المؤلف إنه «رغم الرقابة الدينية على الكتابة، سواء أكانت شعراً أو رواية أو فكراً أو فلسفة، فهي إبداعات مباحة .
يصدم الكتاب بما حواه من شمولية وسعة أفق، وقد يستفز آخرين، لكن جدة منهجه وجدية موضوعه، تتطلب وقفة منهجية ودراسة موضوعية، وليس ردة فعل عاطفية متسرعة أو نزعة جاهلية متعصبة. وهو في كل حال، يستحق أكثر من مجرد استعراض سريع في مثل هذا الحيز المحدود.
الكتاب: سوسيولوجية الفتوى المرأة والفنون نموذجاً
تأليف: د. حيدر إبراهيم علي
الناشر : السودانية الخرطوم 2010
الصفحات: 454 صفحة
القطع: المتوسط
عبدالله إسحاق
