«بعض جراح الحياة كالقرحة، تمعن في تآكل الروح خلال عزلتها حتى تنطفئ»، تلك الجملة فاتحة رواية «البومة العمياء» للأديب الإيراني صادق هدايت الذي يعتبر رائد الأدب الحديث في إيران.

والذي استطاع بأعماله أن يضع الأدب الإيراني على خارطة آداب العالم الحديثة.وهدايت الذي ولد في 17 فبراير عام 1903 بطهران، رديف كافكا في تناوله للعالم بمنظور سوداوي عبر مفهوم التحول، وتعاطفه مع الطبقات المسحوقة من المجتمع والتي تناولها في قصصه ورواياته القصيرة، على الرغم من انتمائه لعائلة أرستقراطية. وقد أنتجت عائلته العديد من الأدباء المبدعين من ضمنهم رضا غوليخكان الذي كان من رواد عصره في القرن الثالث عشر.وقد درس في طهران في المدارس الفرنسية واضطر، إلى التوقف عن الدراسة طيلة عام 1914 بسبب مرض مزمن في عينيه. درس بعد ذلك في باريس طب الإنسان، لكنه تحول إلى الهندسة وقبل تخرجه تحول إلى دراسة تاريخ إيران قبل عهد الإسلام.في عام 1927 حاول الانتحار برمي نفسه في نهر «مارني»، إلا أن محاولته فشلت بعد إنقاذه من قبل ركاب أحد القوارب.

وبعد تجربته تلك تحول إلى الكتابة، وعاد عام 1930 إلى وطنه ليتنقل بين العديد من الوظائف من البنك إلى غرفة التجارة إلى وزارة الخارجية وإلى الصحافة.

أما أول مجموعة قصصية له فقد صدرت عام 1930 وتحمل عنوان «دفن حيا»، وإن نشر قبلها كتاب «مزايا الغذاء النباتي» الذي اعتمده في حياته.وكان يشن برفقة مجموعة من أدباء جيله حمله ضد الأسلوب التقليدي في الكتابة الذي كان يعتمد على البلاغة والتعالي، وأسس عام 1932 مجموعة «رابح» الأدبية التي ضمت كل من الأدباء، مسعود فرزاد وبوزوغ الفاي وموجتابا متنوفي. أما الأدباء الذين تأثر بأعمالهم فكانوا إلى جانب عمر الخيام كل من، أنطون تشيخوف وماريا ريلكه وإدغار آلن بو وفرانسيس كافكا.

عاش هدايت في الهند طيلة عام 1937 برفقة مجموعة من الأكاديميين، وهناك كتب رائعته الروائية «البومة العمياء» التي اعتبرت من روائع الأدب العالمي، والتي ترجمت إلى الفرنسية عام 1953، والانجليزية عام 1957، والألمانية عام 1960، إلى جانب ترجمتها لعدد من اللغات الهندية كالأوردو والمالايالم. وقد احتفى الأدب الغربي بهذا العمل حتى يومنا هذا.

في عام 1949 تم تكريم هدايت في كل من إيران والاتحاد السوفييتي، ليستقر في باريس عام 1950 وليكتب آخر دراسة له بعنوان «رسالة كافكا»، قبل أن ينجح في محاولة انتحاره الثانية في شقته بفتح الغاز في 9 أبريل عام 1951.

وللأسف لم تساعده دراساته ونجاحه العالمي في تجاوز حالة الكآبة والسوداوية التي هيمنت عليه وعلى شخوص أبطاله الذين كان الانتحار أحد هواجسهم.

يفتح هدايت من خلال روايته القصيرة «البومة العمياء» نافذة لتساؤلات الإنسان الأزلية عن الحياة والموت والعدالة الإنسانية، وتهويمات العزلة والوحدة التي تهيمن على العقل وترحل به بعيدا إلى عوالم أشبه بعوالم كافكا السريالية المرتبطة بالواقع.

وينصب في بداية العمل فخا للقارئ، عبر بطل عمله الراوي وهو رسام مغمور يقتصر عمله على زخرفة علب الأقلام الخشبية في بيت منعزل، ليشاركه قصة حبه التي بدأت بصورة غرائبية، في عالم انسحب منه طوعا. يكتنف القارئ الفضول لاكتشاف تلك المرأة التي هيمنت على حياة هذا الرسام الذي زهد الحياة وهو في ريعان العمر.

المرأة ذات العينين الواسعتين بنظرتهما التي تجمع بين الحنو والخبث والدلال والحزن واليأس والاستسلام، والقد المتناغم وخصلة الشعر المنفلته من الوشاح والملتصقة بوجه لبشرته لون الفضة.

يهيمن الفضول على القارئ لمعرفة سر هذه المرأة كما هيمنت بوجودها على حياة الرسام. ورويدا رويدا يبدأ بالتقاط أطراف الحكاية، ليكتشف بداية القصة، القصة التي كان يرسمها دائما وأبدا على غطاء علب الأقلام، وهي مشهد لرجل عجوز يجلس متربعا تحت شجرة السرو قرب جدول ماء، يفصل بينه وبين امرأة تطالعه بعينيها الآسرتين.

وفي أحد الأيام وبالتحديد اليوم الثالث عشر من فافاردين، قبل شهرين وأربعة أيام، يدخل عليه عمه المسافر عند الغروب، وتبعا لأصول الضيافة يبحث في بيته أو غرفته عما يقدمه له وهو عارف بأنه لا يملك شيئا، لكنه يتذكر زجاجة النبيذ القديمة التي ورثها من والدته. وبلا تردد يرفع الستارة التي تشكل بمثابة خزانة في الجدار ويسحب كرسيا، ليتناول الزجاجة في الكوة الأقرب إلى السقف.

وما ان يطل على الكوة حتى تنفتح كنافذة ليشاهد عبرها امرأة يأسره محياها وهي تقف أمام زهور الليلك السوداء بالقرب من مجرى نهر صغير.

وما ان يعود بالزجاجة لعمه العجوز حتى يكتشف غيابه، فيعود إلى الكوة ليجد قبالته جدارا مصمتا. فيخرج إلى الحقل المجاور بحثا عنها فلا يجد أي أثر للنهر أو للزهور السوداء أو المرأة.من خلال عذابات الرسام وبحثه اليائس عن المرأة،.

ومن ثم زيارتها له لتفارق الحياة على سرير غرفته، وقيامه بتقطيع أوصالها لدفنها في مكان يليق بوجودها الأثيري، بعيدا عن أعين البشر بمساعدة الرجل العجوز ذاته، يدخل القارئ إلى عالم البطل الحقيقي، ليفاجأ بأنه إنسان مريض عاجز عن الحركة ويعيش مع مربيته وزوجته التي لم تسمح له بالاقتراب منها والتي رفضته كزوج على الرغم من اختيارها له، لتمنع عنه حقوقه الزوجية التي تهبها بسخاء لعشاقها.

يتورط القارئ دون وعي منه في كوابيس وتهويمات الرسام، الذي كان يدفن ألمه في الأفيون والنبيذ الذين وصفهما له الطبيب، لينسى عذاباته وآلامه ووحدته وقدره البائس، فيختلط الواقع بالحلم ليعود إلى ذكريات طفولته التي يجد فيها مهربا إلى حين، من حالة الاحتضار التي تطول على الرسام من جهة، والقارئ من جهة أخرى والتي يرى فيها بعض عذاباته.

الكتاب: البومة العمياء

تأليف: صادق هدايت

الناشر: غروف بريس الولايات المتحدة1994

صفحات: 144صفحة

The Blind Owl

Sadegh Hedayat

Grove Press 1994

رشا المالح