الوقوف على تجربة فنية بقامة تجربة الفنانين الفلسطينيين إسماعيل شموط وتمام الأكحل ليست شاقة فحسب، بل تبدو مستحيلة في لحظة ما، لا لأنها تتسم بالضبابية أو الغموض ولكن لأنها شديدة الوضوح والغنى إلى درجة الإبهار، وضوح في أدواتها وفي مراميها وفي أبعادها الجمالية والإنسانية وفي علاقة جمعت بينهما مرة وإلى الأبد في ظروف كان للقدر فيها معنى.
وإلا كيف تسافر فتاة فلسطينية لاجئة أنهت دراستها الثانوية للتو من بيروت إلى القاهرة لتدرس الفنون الجميلة هناك ولتلقي بتوأم روحها وتعرض معه أعمالها الأولى، وغنى في الحياة وفي المشهد البصري الذي راحت تتلاحق أطيافه تتراكم واحدا تلو الآخر حتى تكشف عن قضية وثورة وإنسان تختزلها كلمة واحدة لا غير هي فلسطين.لم تكن القضية الفلسطينية موجودة في حياتك، في أي اتجاه كان يمكن أن تسير الفنانة التشكيلية تمام الأكحل؟ هل يمكن أن تمارسي الفن التشكيلي بعيدا عن الالتزام بالقضية الفلسطينية؟
في الحقيقة كل إنسان يوجد على سطح الأرض يولد ومعه موهبة فنية هذه الموهبة إما تأتيها ظروف وتساعدها لكي تصقل وتظهر أو تأتيها ظروف قاسية تجعلها تتفجر أو يموت الإنسان وتدفن معه موهبته، فأنا ولدت وعندي موهبة الرسم أصلاً.
في طفولتنا لم نكن نحمل مشاعر حيال القضية الفلسطينية ولا إحساسنا بالوضع السياسي القائم، لكن عاطفتنا اتجاه قضينا أنا وإسماعيل كانت جياشة منذ البداية خاصة وأننا لا نحب الظلم، بل نكره الظلم ونكره الاضطهاد ونكره حقيقة الاحتلال، من هنا بادرنا بإحساسنا الشخصي ورحنا نعبر بقدراتنا الفنية عما يؤلمنا في هذا الواقع، فما قيمة فني إذاً؟
هل هذا هو السبب الكامن وراء توجهك نحو الواقعية والانطباعية وما مدى تأثير القضية الفلسطينية على الجوانب التقنية أو المدارس الفنية التي تشتغل عليها تمام الأكحل ومن قبلها إسماعيل أو معها إسماعيل شموط؟
نعم، فأنا أحكي عن وجعي في اللوحة التي أرسمها وأشارك الإنسان الآخر فيها وأقول له: هل أنت موجوع مثلي؟ نعم، فكل لاجئ فلسطيني خارج وطنه هو موجوع ويعاني من نفس الألم الذي أعانيه، فأنا أعبر وأحكي بلغة تفهمها وأنت قادر على التجاوب معها لأن حدثك هو حدثي ويوجد في العالم العربي الكثير من الناس الذين لديهم الإحساس نفسه ويخافون على واقعهم من أن يصيبهم ما أصابنا.
وعندما تكون اللوحة لغتك التي تكتب فيها متماسكة ومختصرة وصحيحة يستطيع القارئ أن يفهمها ويفهم الموضوع الذي تشتغل عليه، أما عندما يكون فنك ومقدرتك الفنية ضعيفة فمهما كانت قيمة الموضوع الذي تتكلم عنه سوف يبقى بعيدا عن متناول الناس، ما يعني أنه يتعين على أن أعمل عملا خالداً،قيماً يحمل قيمة الآه والألم بقيمة فنية متكاملة وإلا لن تصل أبداً. يبقى الفن أولاً ومن ثم الموضوع.
ثمة سؤال افتراضي آخر يقول لو لم تلتق بالراحل إسماعيل شموط، هل كنت سترسمين عن القضية الفلسطينية؟
كنت أرسم عن القضية الفلسطينية قبل إن أتعرف على إسماعيل شموط وما رسمته آنذاك كان مرتبطا بالقضية الفلسطينية بشكل لا شعوري، لكن ثمة أشياء إلهية ربطتني بإسماعيل، فذات مرة رسمت بورتريه لشقيقتي الكبيرة وعندما رأى الفنان اللبناني الراحل مصطفى فروخ رسوماتي قال: حرام ألا تذهب هذه البنت لتدرس الفن وعندما أنهيت تعليمي الثانوي في كلية المقاصد للبنات في بيروت حصلت على منحة لدراسة الرسم في القاهرة.
حيث كان إسماعيل، وكان يتعين علي اجتياز امتحان قبول يظهر موهبة الطالب فاقترحت على القيمين على المدرسة أن أرسل أعمالي التي كنت قد رسمتها متأثرة بأعمال لفنانين مثل عمر الأنسي ومصطفى فروخ وهيلين الخال ومنها عملان استوحيتهما من مخيم صبرا، الذي كان يطلق عليه مقبرة الداعوق، ورسمتهما مستخدمة خصلة من شعري انطلاقا من احساس إنساني لا علاقة له بالقضية الفلسطينية .
ولقد تم عرضهما في معرض الخريف التابع لليونسكو وأعرب شخصان أجنبيان عن رغبتها في شرائهما لكني رفضت خوفا من أخذ اللوحتين إلى بلدهما الأوروبي واستغلالهما هناك للشماتة بالشعب الفلسطيني، وهذا الشعور لا يعلم ولا يلقن، بل إنه وطن تحمله بين أضلاعك. بكلمات أخرى، لو لم أكن ابنة القضية الفلسطينية ورأيت قضايا أخرى مثل الجزائر وفيتنام لرسمت عنها انطلاقا من حسي الإنساني.
ما ذا عن المعرض التشكيلي الفلسطيني الأول، الذي عرضت فيه أنت وإسماعيل لوحاتكما في القاهرة عام 1954؟
عندما كنت أعرض أول عملين لي في اليونيسكو في بيروت عام 1953،كان إسماعيل يعرض أعماله على طاولة تنس في غزة ومن ثم التقينا في المعرض المشترك الذي أقمناه في القاهرة عام 1954 وكان لي فيه 14 لوحة.
ألا تفكرين أنت أو أبناؤك بإنشاء مؤسسة تحتضن أعمالك وأعمال إسماعيل؟
- لقد فكرت مليا بهذا الموضوع، لكن المؤسسة لها شروط وتعتمد على أشخاص لديهم استعداد كامل للقيام بهذه المهمة كما تحتاج إلى ميزانية وسكرتاريا ومتابعة، وبالتالي فإن مؤسسة من هذا القبيل تحتاج إلى احتضان من مؤسسة أكبر على مستوى دولة، أما على المستوى الأهلي مثلما هو حاصل في مؤسسة توفيق زياد أو غسان كنفاني أو المؤسسة التي كانت تحمل اسم أصدقاء ناجي العلي.
فإن المسألة هنا تحتاج إلى وجود أشخاص أو أصدقاء مؤمنين بخطك أو جهات رسمية تتبناها مثل الجبهة الشعبية في حالة كنفاني والحزب الشيوعي في حالة زياد، لكن بالنسبة لحالتنا فنحن مستقلون وهذا يعني الاعتماد على الشباب المؤمنين بنا وهم كثر. قلت ذات مرة طالما أن هذا الواقع الفلسطيني قائم، فإني سأبقى أرسم بهذه الطريقة..
ولماذا أتخلى عن تلك الطريقة، لكن ذلك لا يعني أننا لم نرسم الزهور والحدائق أو أننا لم نرسم لمجرد المتعة فهناك الكثير من الوجوه الجمالية في الحياة التي تبقى بعيدة عن الشأن الوطني، وكان محمود درويش قد قال في تأبين إسماعيل:
«نحن رسمنا لإسماعيل صورة رسام النكبة، لكني عندما أرى أعمالا له لنساء عاريات أستغرب لماذا لا تظهر تلك اللوحات وأقول إن ذلك لا يعود إلى خوف من تمام بل إلى خوف من أن يسقط المجتمع عنه صفة الوطنية»، ولقد أحببت منذ سنتين أن أعرض أعمال إسماعيل وتمام التي لم يسبق عرضها في العالم العربي على الأقل، وكان لي ذلك في المتحف الوطني في عمان.
حيث عرضنا الأعمال التي رسمها إسماعيل لجسد المرأة منذ أيام دراسته في روما والتي تقوم على دراسة للجسد الإنساني ليس من منظور الإغراء وإنما من منظور فني جمالي. من الملاحظ طوال مسيرتك الفنية أن المواجهة حاضرة في كل ثناياها بحيث يمكن القول إنك في حالة مواجهة دائمة من الخروج إلى المخيمات إلى الحروب...
ضع نفسك مكاني وأنت ترى امرأة يهودية قادمة من فرانكفورت تدعى سوزانا فنكلشتاين آتية لتدعي أنها صاحبة بيتي وتمنعني من دخول ذلك البيت الذي ولدت وترعرت فيه وتأتيني بكتاب من بلدية يافا يقول إنه علي رسوم متراكمة قدرها 75 ألف شيكل ويتعين علي دفعها لأني ولدت في ذلك البيت، أمر لا يتقبله لا إنسان عاقل ولا إنسان مجنون.
ومن ثم أرسلوا لي من يافا دعوة للمشاركة في معرض للمرأة في تل أبيب، لكني رفضت حتى الرد على الدعوة رفضا من للتطبيع، كما أن مؤسسة « كريستيز» بعثت لنا غير مرة تريد لوحة لإسماعيل أو لي مقابل أي مبلغ نحدده من المال.
وقال لهم ابني حينها: أنا أحد ورثة والدي ولا يهمني المبلغ الذي ستدفعونه مقابل تلك اللوحة لكن شرط أن تباع لمتحف أو بنك مركزي أو مؤسسة عالمية مثل اليونيسيف أو اليونيسكو أو معهد العالم العربي أما لأفراد فنحن لا نبيع لهم على الإطلاق.
الأكحل في سطور
ولدت تمام الأكحل في مدينة يافا عام 1935، شردتها النكبة مع أهلها من يافا إلى بيروت، 1948 منحتها كلية المقاصد في بيروت بعثة لدراسة الفن في المعهد العالي للفنون الجميلة بالقاهرة عام 1953، حصلت على شهادة الفنون الجميلة وإجازة في تدريس الفن من المعهد العالي لمعلمات الفنون بالقاهرة 1957 في القاهرة.
شاركت في المعرض الذي أقامه زميلها الفنّان إسماعيل شموط الذي أصبح شريك حياتها وشاركته كافة المعارض التي أقيمت لأعمالهما في معظم البلاد العربية،، لها أعمال مقتناة في عدد من متاحف الدول العربية والأجنبية ومن قبل مقتني ومحبي أعمالها وحاصلة على جوائز متنوعة عديدة.
بعض المعارض التي أقامها الثنائي تمام الأكحل وإسماعيل شموط.
باسل أبو حمدة

