وسط أجواء حميمية داخل غرفة المعيشة المتسعة في رحابة، ذات المقاعد الوثيرة، المميزة بألوان الطيف المريحة جلست الصغيرة في ركن من المقعد الوثير، تعلقت عيناها بشاشة التلفزيون العملاقة، وهي تتابع افتتاح مهرجان «الأوسكار»، الذي يضم جميلات العالم من الممثلات، كل ما تعلقت به عيناها هو جمال وأناقة الملابس الفضفاضة السوداء، التي تظهر الجميلات كبجعات في بحيرة من الفضة، وملابس أخرى بلون الربيع تتهادى على السجادة الحمراء، في جمال مميز وخاص جداً.

بالطبع لم تفهم الصغيرة معنى احتفالية الأوسكار، ولكنها تفهمت بطريقة فطرية جماليات الملابس، وكأنها عروض أزياء ناعمة أتت من عند «أليس في دنيا العجائب» هذا هو كل ما تفهمته الصغيرة وقتذاك،..وفجأة بدافع التمني قالت الصغيرة: «عايزة فساتين حلوة كده، وكمان ناعمة كدة»، «ممكن»؟احتضنتها أمها، وقالت لها: «وقت النوم أزف، ولكني سأحكي لك اليوم حكاية قبل النوم، جميلة مثل الفساتين هذه!»فرحت، وأغمضت عينيها، وسحبت بخيالها في حكاية ما قبل النوم، قالت الأم بصوت حنون يدخل القلب قبل الأذن: «حكاية النهاردة»، هي حكاية الحرير، أفخم وأجمل الأقمشة يا حبيبتي، .فما هي حكاية هذا النسيج الحريري كبشرة طفل رضيع في لون الزهور كوجنتي طفلة جميلة؟ إنها ، حكاية تضرب في قلب التاريخ.

لا أحدٌ يستطيع تحديد متى تم اكتشاف الحرير، ولكن كل المؤرخين يكادون يجتمعون على أن اكتشافه تم في الصين قبل 2700 سنة قبل الميلاد في حديقة الإمبراطور «هوا نجدي» الذي طلب من زوجته «زيلتسن» معرفة سبب تلف أشجار التوت التي يعتز بها الإمبراطور.

إذن فالحرير حكاية صينية، كما اعتقد المؤرخون، ومثلما حكت الأساطير وحكايات الأجداد قديما.

اكتشفت زوجة الإمبراطور وجود بعض الديدان البيضاء متوسطة الحجم تتغذى على أوراق التوت، التي يعتز بها ويحبها الإمبراطور، ربما لأنها أوراق ذات شكل مميز، لامعة، لها رائحة هادئة، ما قامت به زوجة الإمبراطور أنها وبالصدفة أسقطت إحدى الشرانق في ماء ساخن، وبينما هي تلعب بالشرنقة داخل الماء لاحظت خيطا رفيعاً لامعاً يتشابك وينفصل عن الشرنقة وينفكك عنها، وهكذا، كانت بداية اكتشاف خيوط الحرير الطبيعي.

عشقت زوجة الإمبراطور الصيني هذه الخيوط، وبدأت في زراعة المزيد من أشجار التوت لتربية دود القز، الذي يتغذى على أوراقها، فيتحول إلى شرنقة تلتف حولها خيوط حريرية ناصعة البياض لامعة كاللؤلؤ الطبيعي، وبمجرد فك الحرير من الشرنقة تتحول الدودة إلى فراشة وتطير بعيداً لتبدأ دورة حياة جديدة.

كانت «زيلتسن» زوجة إمبراطور الصين وقتذاك أول من اخترع بكرات الحرير الطبيعي، الذي تم نسجه فيما بعد، وتقول كتب المؤرخين وبعض الأساطير الصينية بأن «زيلتسن» هي أول سيدة تخترع أول نول للحرير.

تتوالى فصول حكاية الحرير، الذي حافظ على صناعته واحتكره الصينيون القدامى وذاع صيتهم وتطايرت شهرة الحرير الصيني منذ ذلك الوقت وحتى الآن، فقد حافظ الصينيون على أسرار صناعة الحرير الطبيعي لحوالي ثلاثة آلاف سنة أو أكثر؛ قبل أن تعرف أي دولة أخرى في العالم سر أسرار هذه الصناعة المتفردة الناعمة الأنيقة وأيضاً المميزة.

واستفادت الصين كثيراً من تجارة الحرير مع دول الغرب منذ عهد أسرة «هان» ابتداء من العام 2002 قبل الميلاد واتسعت التجارة فيما بين الصين والعالم كله بفعل القوافل البرية عبر آسيا والعالم العربي، وكانت الصين تبيعه بأسعار باهظة، فهي المكتشف والمخترع والمصنع والمصدر.

حدوتةة صينية رسمت بخيوط الحرير، فكانت ثمينة، متقنة، دخلت بها الصين التاريخ، ومنها أتسمت الصين بأناقة الصنعة، ومازال الحرير الصيني هو الأجمل على الإطلاق في العالم كله.والزائر للصين، في أي من مدنها، تبهره صناعة الحرير الصيني اليدوي.

وينبهر الزائر أكثر عندما يشاهد جداريات من الفن التشكيلي الصيني باتساع جدران الغرف الشاسعة، تحرك الخيال ونزعة الجمال، وحب الاستطلاع في نفوس الزوار والسائحين الذين يحطون برحالهم على واحدة من أعرق وأكبر الدول في العالم، يصل تعداد سكانها إلى أكثر من ربع سكان العالم، شعب يعمل في صمت وإصرار وجمال ينطلق من تاريخ عريق لحاضر رائع إلى مستقبل يستحق بالفعل أن يطلق على ـ هذا الشعب ـ أبرز النمور الآسيوية التي أذهلت العالم، ويعتبر افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في بكين الدليل البارز على هذا.

ربما دار كل ذلك في عقل الأم، وهي تحكي لصغيرتها «حدوتة قبل النوم» ولكنها حكت الحكاية كما يستوعبها عقل الطفلة، وقررت الأم أن تحكي لها يوميا جزءا من مشهد حكاية الحرير الصيني.

ويتميز الحرير الطبيعي الصيني بأنه أبيض ناصع البياض، خفيف الوزن، يمكن صبغه جيداً قبل نسجه، ويسمى هذا النوع من الصباغة «صباغة الخصلة» أي صباغة الخيوط المربوطة على شكل خصلات، وبعض أنواع الحرير الصيني يصبغ بعد نسجه، ويسمى ذلك «بصناعة المقطع».

وانطلقت صناعة الحرير الطبيعي من الصين إلى معظم دول العالم، فما الفارق في الجودة وبعيداً عن الأسرار الصينية لهذه الصناعة؟ فحتى يومنا هذا لم يبُح الصينيون بأسرار حريرهم الأكثر تميزاً وجودة ونعوماً وجمالاً.

من جماليات الحرير الصيني أن بعضه يتم صباغته بأصباغ طبيعية، باستخدام ألوان قشور الفواكه، كالرمان والتوت البري الأحمر والأزرق الداكن والبنفسجي، وميزة هذه الألوان أنها ثابتة لا تبهت ولاتزول تحت أي مؤثرات مناخية، كأشعة الشمس أو هطول الأمطار والثلوج.

وكثيراً ما نسمع كلمة «طريق الحرير»، ربما نمر عليها مرور الكرام، وفي أحيان كثيرة توقفنا الكلمتان فنسأل، ما هي حكاية «طريق الحرير» هذا؟

حكايته أيضاً صينية، نعم عريقة كعراقة شعب علم العالم كله ارتداء الحرير حتى يومنا هذا، في العام 1877 أطلق العالم الجغرافي الألماني «في. فون ريتشهوفن» على طريق تجارة الحرير بين الصين في أسرة «هان» وبين الجزء الجنوبي والغربي لآسيا الوسطى والهند أطلق اسم «طريق الحرير» وهو معروف حتى الآن بهذا الاسم برغم تغير سُبل انتقال الحرير في العصر الحديث.

وأطلق «طريق الحرير» مجازاً على العديد من الطرق في كل مدينة صينية حفاظاً على قيمته التاريخية الكبرى والهامة والتي لعبت دورها الأساسي في تعريف العالم بالحرير الصيني.وتتميز نقوش الحرير الصيني بالمحلية البحتة، فمعظم النقوش عبارة عن رسومات لزهور نادرة.

أو أشكال تأخذ الشكل الهندسي ذا الحواف المذهبة، أو شكل التنين الصيني المعروف أو المعمار الصيني خاصة معمار المعابر المميز، وأشكال الطيور، أو أشكال من الطبيعة الصينية كالجبال والأنهار وجميعها مقصبة بخيوط ذهبية وفضية. وتسمى أنواع الحرير الصينية باسم المقاطعات الشهيرة وأسماء الإمبراطوريات الصينية مثل حرير «يون جين».

وبعد تأسيس الصين الحديثة تطورت صناعة الحرير الصيني، فلم تقتصر صناعته على الملابس فقط، وإنما الستائر والسجاد الحريري الصيني الأغلى ثمنا في العالم، والوسائد الصينية التي تستخدمها وتوظفها كبريات بيوت الديكور في العالم كله، فالديكور الصيني المعروف باسم «شينوا» هو الأكثر عراقة وفخامة على الإطلاق.

وللحرير الصيني مزايا لا يتصف بها أي من أنواع الحرائر الطبيعية على امتداد العالم، فالحرير الصيني خفيف الوزن، برغم أنه طبيعي فلا يتكرمش ولاتتكسر أنسجته وخيوطه، وهو أرقى أنواع الأقمشة في العالم لأنه مستخرج من مادة بروتينية ونباتية، خيوطة طويلة، سهل الأصباغ، ليّن وأنيق، تسهل حياكته يدوياً أو بالميكنة الخاصة بالحرير، عازل للحرارة في الصيف، عاكس لها في الشتاء، قوي في امتصاص الرطوبة، غير قابل للاحتراق، فهو آمن من حيث استخدامه في الملابس أو الستائر أو السجاد أو الجداريات في الفن التشكيلي.

حكاية الحرير الصيني حكاية طويلة تضرب في عمق التاريخ القديم والحديث، هي الأشهر على الإطلاق والأجمل بكل المقاييس.

اليابان حدوتة حريرية، فالحرير الياباني ثاني أشهر أنواع الحرير بعد الصين، الكيمونو الياباني مصنع منه، والمنمنمات تدخل في صناعتها خيوط حريرية، برع اليابانيون فيها، انتشر الحرير الياباني أيضاً في العالم ويتصدر صادرات اليابان، مشارب الشاي اليابانية ذات الطقوس الخاصة جداً والمتفردة، من ضمن هذه الطقوس تبطين جدران المكان بجداريات حريرية تحكي حكاية يابانية سواء في انعكاس للطبيعة أو عادات وتقاليد شعب عريق أيضاً أذهل العالم بتاريخه وحاضره، وخوف عظيم من مستقبله الواعد على كل المستويات.

الحرير الطبيعي أبجدية الأناقة في المساء، فالأسود منه المطعم بخيوط الذهب والفضة فضفاض رائع الجمال والأنوثة تتهادى به النساء تحت أضواء المساء، فيتحولن لبجعات في بحيرة من الفضة، وله حضوره الأنيق في الاحتفاليات الفنية، مثل مهرجان كان وبرلين ومهرجان القاهرة ودبي ودمشق.

حيث يتألق الحضور من الممثلات في أزياء السهرة الحريرية تزيدهن جمالاً وأناقة، معظمها يتبع خطوط الصرعات الباريسية والإيطالية، تتألق على «الرد كاربت في كان» وفي اليابان حيث نجمات مهرجان السينما الآسيوية العالمية يتألقن فوق البساط الأخضر «جرين كاربت» كرمز لنقاء الطبيعة، أما منازل النخبة الارستقراطية في المجتمعات قديما وحديثا، فكانت مبهرة، السجاد الصيني الحريري يفترش المكان.

وستائر حريرية تداعبها نسمات صيفية فتتمايل في خيلاء غير مصرحة بأسرار جمالها، وجداريات تغلف الجدران الممتدة في فخامة تعكسها المجتمعات المخملية القاهرية وقصور الملك فاروق على امتداد مصر، وقصور النخبة في شمال إفريقيا ذات الطابع الفرنسي الأنيق، وفي دمشق وبيروت جماليات خاصة يعكسها الحرير بكل أنواعه.

كبرت الصغيرة، وصارت أنثى جميلة، واكتمل ذوقها، وكانت أناقتها من الحرير، ربما لأنها تربت على حكاياته، التي كانت تحكيها والدتها لها يوماً بعد يوم على مسامعها، وتكون حسها الفني على ملمس الحرير في ستائر حجرتها الأنيقة وخلفية لأغنية للمطربة شادية «شباكنا ستايره حرير، من نسمة شوق بيطير» .

وطارت وحلقت الجميلة مع بداية حكاية حب لعبت بأوتار القلب، فكان فستان زفافها من الحرير المطعم بالدانتل وخيوط الفضة، ويزين شعرها الأبنوسي اللامع زهور القرنفل المصنعة من قماش الحرير الصيني بألوان الطين، وغطاء سريرها من الحرير الهندي المعروف «بالساري».

وأهداها زوجها في ليلة زفافهما جدارية حريرية غلفت جدران مدخل منزلها الأنيق، ولم تنته حكايتها مع الحرير، فقد قصتها على أول مولودة لها، وهكذا فالعراقة والجمال وجهان لعملة نادرة.

علبة المجوهرات حرير ثمين

الشكمجية التركية (علبة المجوهرات) المكسوة من الداخل بالحرير الأحمر الصيني، غالباً ما تهديها الجدة بمجوهراتها الثمينة لحفيدتها يوم زواجها، ولاتقل قيمة الشكمجية المذهبة والمكسوة بالحرير عن قيمة المجوهرات، فهي في حد ذاتها جوهرة، لأنها مطلية بالذهب عيار 24 قيراطا، وبها تقسيمات خاصة من الداخل لكل نوع من أنواع المصاغ.

المفارش (الشراشف) الحريرية الخالصة المطعمة بالأحجار الكريمة الرقيقة هي إرث تتوارثه أفراد الأسرة الواحدة، وكذلك الستائر يدوية الصنع التي غزلتها الجدة أو الأم بخيوط الحرير على طريقة «الكروشيه» هي بدورها ضمن موروثات الأسرة، وقد ظهر نموذج لهذه الستارة في السينما المصرية في فيلم «زوجة رجل مهم» بطولة الراحل العملاق أحمد زكي وميرفت أمين التي أصرت على الاحتفاظ بستارة حجرتها في بيت أسرتها، والتي أخذتها معها إلى منزل الزوجية لأن جدتها قامت بإهدائها إياها.

منى مدكور