(يمثّل الجليد لاوعياً مائياً، حلم الجسد المائي، كابوسه في بعض منه، رغم أن الرؤية المباشرة تنبّهنا إلى أن ذلك المدى الجليدي الهائل في المحيطين المتجمدين المنكبين، قبل كل شيء، يشكل الحارس الأمين للتوازن الكوكبي.).
يُعتبَر الجليد تحولاً نوعياً في الماء السائل الذي يصبح جامداً. فهو إذاً ثبات الماء وقد كان متحركاً، عين حرارته المحسوبة وقد انخفضت إلى المنحى المضاد والنسبي لها. فالجليد هو العزل الحراري عن الماء، وربما تحنيطه.
بالطريقة التركيبية هذه، يكون ذاك منسوباً إلى الماء وهو في تنوع أحواله وليس محسوباً باسمه ونوعه الخاصين.
يا للغبن الملحَق ليس بالجليد وحده قطعاً، وإنما بالماء أيضاً عندما يتم اختزال طبيعته وتشويه «سمعته: هويته»!
نتحدث عن الجليد مفتونين بالماء وقد مر في مراحل تحول عيانية: إنه الماء حاراً مغلياً وفاتراً وبارداً ومتجمداً، غير منهمّين بجمال الاسم وتمايزه: أن يكون الجليد جليداً وليس أن يكون معرَّفاً بعلامته المائية المحتوية له!
ما الذي يحيل الجليد إلى الماء؟ الملاحظة الحسية المحدودة التي تتعقب الماء وقد بلغ درجة معينة من التجمد!
ربما كان في تقرير حسي: بصري ولمسي من هذا النوع بعضٌ من الحقيقة، لكن للجليد حقيقة تسمّيه وتميّزه.
أن نفكّر في الجليد، هو أن نشعر بقشعريرة برد تتملكنا، أن يتراءى شبح الموت أمام ناظرينا، لكن الجليد ليس جلاب الموت، ولا كان المتحول المائي الذي لا يعود مأخوذاً بعين الاعتبار واقعاً. إنه وديعة مائية كوكبية، نعم، لكنه الجليد الذي يسمح للماء في أن يكون سائلاً لأن ثمة مناخاً حرارياً محدداً يحافظ على طبيعته الانسيابية هذه.
في وسعنا التحدث عن عالم مأهول بالحركة والحياة اللتين لم يدقَّق فيهما كما ينبغي. أن نقابل الماء بالجسم الذي ينبض بالحياة، بجسدنا وهو مشهود له بقوى معرفية مختلفة يُتأكَّد منها في مسيرة الحياة اليومية، لكن جسد المرء ليس معرَّفاً به بالوعي فقط، إنما باللاوعي أو اللاشعور كذلك، وثمة الأحلام والكوابيس المختلفة.
ولا أحد يمكنه إنكار التأثير الكبير للاوعي وكذلك الأحلام والكوابيس في المسيرة الحياتية للجسد، لا بل إن السر الأعظمي للحياة ذات الشأن بالجسد الفاعل، يتأتى من خلال السعي الحثيث إلى معرفة الوجه الآخر والأكثر غموضاً: اللاوعي أو اللاشعور الجسدي، ونفاذ فعل الأحلام والكوابيس فيه، إنه تاريخ حافل بالتكهنات والأسئلة الكبرى ينتظر تدويناً.
يمثّل الجليد لا وعياً مائياً، حلم الجسد المائي، كابوسه في بعض منه، رغم أن الرؤية المباشرة تنبّهنا إلى أن ذلك المدى الجليدي الهائل في المحيطين المتجمدين: المنكبين، قبل كل شيء، يشكل الحارس الأمين للتوازن الكوكبي.
الجليد: رأسمالنا الحراري غير المتداول، حيث نستعين بالقريب منا، بينما نغفل ما أودعناه جانباً، إنه رصيدنا المصرفي الذي يحمل اسمنا ونعلم به، هو من يحفظ لنا بالموقع الأنسب في علاقاتنا الاجتماعية والاقتصادية!
الجليد: الاقتصاد غير المستثمر عن بعد للماء، لكنه الضامن الأثير والخطير لحياة نعيشها في ظروف مثالية، فلا يكون الجليد عزلاً حرارياً عن الماء، إنما الزخم الحياتي الذي يُعتدُّ به، الحركة الأخرى التي تنطوي على أكثر من سر يتلوع به العالم البيئي قبل سواه، إنه مطلق حركة مقابل نسبيّ الحركة في الماء، إيقاع الماء الذي يمكننا سماعه جرَّاء ضابطة موسيقية غير مرئية في طرفي كرتنا الأرضية. المكافئ المائي وهو في تدفقه أو نجاعة فعله، وهو الذي يكون شاهداً على استساغتنا للماء المتناسب وحرارة جسمنا وكل ما يخص طبيعتنا الأرضية.
تصوروا انزلاقاً جليدياً مباغتاً ما، تغيير وضع فيه، وما ينتظرنا من فجائع جرَّاء رعشة جليدية طرفية من جهته.
يغدو الجليد صمَّام أمان الحياة. إن التجلد ليس وقفاً للحياة أو سباتها، إنما نظير حالة صمت وما أكثر، ما أوسع، ما أغوى هذه، لحالة الكلام. يبرز الجليد تاريخاً مديداً يحفّز على اكتشافه باضطراد، لنكون أكثر تنبهاً لأهميته فينا.
إن فضيلة الحرارة التي ننعم بها إلى جانب الكائنات الأخرى، تحيلنا إلى العمق الجليدي للحدث الحراري المحتفى به، على الأقل عندما نلوذ بالجليد هذا في حفظ الكثير مما يعنينا حياتياً: طبياً قبل كل شيء.
إن تاريخنا المدوَّن يمثل اقتطاعاً بائساً لمسيرة حياة طويلة جداً، يجلوها العصر الجليدي المعمّر كثيراً، ليكون الماء بعضاً من بوح الجليد. إننا نتوسل الجليد في وضعية معينة، ربما لأننا نعلم جيداً بمدى حاجتنا إليه، في حفظ نوعنا.
ونوع حياتنا، أو كرتنا الأرضية مثلما نتوسل إليه خشية صحو ما فيه، فيجرفنا الماء نفسه، هذا الماء نمحوره كونياً، منطلقين من تصورات تكون مائية الطابع من جهتها، وما في ذلك من إساءة بالغة إلى نظام الطبيعة، إلى هذه النزعة المركزية والمائية السائلة والمستبدة فينا، ونحن نحاول تعميم فعلها على ما هو محيطي، غير آبهين بجمالية الجليد، ونعَم الجليد، وطوفان الجليد الذي يستحيل تجاهله في احتمال حدوثه.
العلماء جليديو الطباع، فيما ينسًب إليهم من عادات تفكير ونظم حسابية دقيقة، والأدباء مائيو الطباع، فيما ينسَب إليهم من انسياحات رؤى وتدفق صور بمشاعر مرافقة لها. لا ثنائية في التكوين الأرضي، إنما كيفية الوصل بين الجهتين، وربما الضغط على المشاعر راهناً أكثر، حرصاً على الحياة التي ننشدها لأخلافنا وأخلاف أخلافنا!
ابراهيم محمود
