اشتهر الفيلسوف البريطاني، السويسري الأصل، آلان دو بوتون باهتماماته بكل ما يتعلق بالنشاط الإنساني، بحثاً عن السعادة، عبر التأمّل أو السفر أو القراءة. ولكنه يهتم في كتابه الأخير ب«عالم العمل». وذلك تحديداً من حيث ان السمة الغالبة في العالم المعاصر للعمل هي أنه ينبغي أن يكون مصدر سعادة للبشر. هذه الفكرة شائعة كثيراً في المجتمعات الغربية في السياق الراهن، كما يؤكد المؤلف.
ويشرح آلان دو بوتون كيف أن تغيّرا جوهرياً قد لحق بمفهوم العمل الذي كانت تنظر إليه المجتمعات في الغرب على أنه يمكن أن يمثل «نوعاً من العقاب» بالنسبة للكثيرين. لكن مثل هذه النظرة أخلت المكان لرؤية جديدة تؤكد على ضرورة البحث عن عمل، وحتى في ظل غياب دافع العيش وضرورة الحصول على المال.
ذلك على أساس أن الطريق نحو إعطاء معنى للوجود الإنساني يمر بالضرورة عبر بوّابة الحصول على عمل يجد المرء نفسه فيه، ويكون مفيداً في الوقت نفسه.
ومن أجل ولوج كواليس عالم العمل، تردد مؤلف هذا الكتاب على العديد من أماكنه؛ ابتداء من ميدان الصناعات الفضائية، ووصولاً إلى أرصفة الموانئ، ومروراً بعالم المحاسبة وورش الفن ومصانع الأغذية. تجدر الإشارة إلى أن فصول الكتاب العشرة يحمل كل منها عنواناً يدل على مهنة أو ميدان عمل.
ويشير المؤلف أنه تنقّل لمدة شهور كاملة بين ورشات العمل الميداني في قطاعات مختلفة وبين المكاتب الإدارية. وفي الحالتين كان همّه الوحيد هو فهم ما يسميها «الحضارة الغربية الفريدة من نوعها»، والتي لم تعد تريد النظر إلى العمل على أنه مجرّد ضرورة أو «واجب» مقدّس.
والمؤلف يبيّن في السياق نفسه أن التقنيات الأكثر بساطة تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة من أجل تنفيذها. وبهذا المعنى يقوم المؤلف بمقاربة «شبه روحانية» لمفهوم العمل بعيداً عن مختلف النزعات المادية السائدة، وفي مقدمتها «الماركسية».
التحقيقات التي يتضمنها هذا الكتاب على مدى فصوله، بواقع «فصل» لكل تحقيق عملياً، فيها الكثير من الدقة والتفاصيل التي قد تغيب عن الذهن، حيث إنه من الصعب مثلاً تصوّر كم من الأشخاص ينبغي أن يشاركوا في صناعة قطعة «بسكويت» وكم من الوقت أيضاً ينبغي من أجل تصنيعها وتحويلها إلى سلعة جاهزة للاستهلاك.
ونفس الدقة والتفاصيل في ما يتعلق بإطلاق صاروخ «أريان» الذي راقبه المؤلف عن قرب، وقدّم توصيفاً للتحضيرات وللفريق المشارك في العملية التي يطلق عليها صفة «مثيرة للإعجاب حقاً». والأمر نفسه بالنسبة لنهار «رتيب» من حياة مسؤول عن الحسابات لدى شركة كبيرة، حيث يعيش في «عالم من الأرقام». وهكذا في فصول الكتاب العشرة.
وبعد عملية التوصيف الدقيق لمجموعة من النشاطات التي لا يجمع بينها أي رابط ظاهر. يطرح آلان دوبوتون عدداً من الأسئلة، مثل: هل العمل الذي يمارسه كل منّا ويشكل أحد مراكز الاهتمام الأساسية في حياته يتناظر مع ما كنّا ننتظره منه عندما كان عمرنا 16 سنة مثلًا؟
وفي زمن العولمة والمعلوماتية وثورة الاتصالات، و«طلب الزيادة» دائماً، هل نحسب أننا سعداء قليلاً أو كثيراً أو غالباً أو نادراً في المهنة التي نمارسها؟
وفي معرض الإجابة يحاول المؤلف تقديم إجابة عن عالم العمل في الغرب اليوم، عبر خلط التحقيق الصحافي بالتوصيف الشعري والتأمّل الشخصي والاعتماد على المرجعيات التاريخية. ويتوقف أحياناً عند تفصيل صغير، بينما يقدّم أحياناً أخرى رؤية شاملة بأقصى درجة ممكنة. وهو لا يكتفي بشجب بعض مسالب العمل وما يمكن أن تنمّ عنه من «عبث»، ولكنه يحاول الكشف عن مدلولاتها أو عن سبب وجودها.
وفي الفصل الأخير من الكتاب، يظهر آلان دوبوتون أكثر فلسفة عندما يكتب: «إن العمل بطبيعته نفسها لا يسمح لنا بأية إمكانية غير النظر إليه بمنتهى الجدية. وعلينا أن نعترف أنه يسمح لنا بالاختلاط الوثيق بالأحداث».
ويضيف: «المهم هو أنه يمكن للمرء أن ينفّذ المهمات المكلّف بها في إطار العمل بأكبر قدر من التصميم والجدية، في الوقت الذي قد يظهر بوضوح أنه لا معنى لها إلى حد كبير.
والرغبة في المبالغة بأهمية ما نفعله، لا تشكل أبداً خطأ فكرياً، بل هي في الواقع الحياة التي تجري في عروقنا. وعملنا يجعلنا أكثر تنبهاً، وهو يقدّم لنا الطريق إلى الكمال (البشري)، ويسمح لنا بتركيز كل أشكال قلقنا حول بعض الأهداف المتواضعة نسبياً والقابلة للتحقق.
وهو يعطينا الشعور بأننا نسيطر على الوضع، وهو يجعلنا منهكين ولكن بشرف، وهو يؤمّن معيشتنا. باختصار إن العمل يجنّبنا مصادر قلق جدية».
وكتاب «مباهج العمل وآلامه» هو محاولة للكشف عن مكامن فرح وأخطار العمل الحديث في العالم المعاصر. وهذا كله بعين الفيلسوف، ومن خلال مهن اختارها المؤلف بحيث تغطي مختلف مشارب نشاطات العمل اليدوي والذهني.
ومحاولة لشرح دلالات العمل ونوع من الاحتفاء والاحتفال فيه، حيث يتم تجاهله كثيراً، في الوقت الذي يشكل عصب الحياة الحديثة. يقول المؤلف: «لقد أردت كتابة عمل يفتح عيوننا على جمال عالم العمل، وما يبعثه من رعب أحياناً!».
الكتاب: مباهج العمل وآلامه
تأليف: آلان دو بوتون
الناشر: هاميش هاملتون لندن 2009
الصفحات: 336 صفحة
القطع : المتوسط
The pleasures and sorrows of work
Alain De Botton
Hamish Hamilton London 2009
336p.
