«جان لوك غودار» هو أحد أشهر المخرجين السينمائيين الفرنسيين في القرن العشرين. لقد قدّم العديد من الأفلام التي أصبحت من كلاسيكيات السينما، ومن بينها «الاحتقار» الذي لعبت دور البطولة فيه «بريجيت باردو».
و«حتى آخر نفس» الذي جرى عرضه في 4 دور سينما باريسية كبرى بالوقت نفسه عام 1960 وفيلم «بييرو المجنون» و«الجندي الصغير» و«الصينية». وبالإجمال قدّم جان لوك غودار ما يقارب سبعين فيلما، كان العديد منها علامات فارقة في السينما.
شكّل جان لوك غودار، كما يقول مؤلف هذا الكتاب، علامة فارقة في فن السينما بفرنسا بما اتسمت فيه أعماله من سرعة في «الإيقاع» ومن قدر كبير من «الجرأة».
بل وبدا غودار لكثيرين بمثابة «الولد الشقي» للسينما بسبب عدم خوفه من خرق القواعد الصارمة التي كانت سائدة. وبهذا المعنى كان أيضا رمزا للتجديد أيضا. هذه الصفات كلّها يجمعها مؤلف هذه السيرة تحت عنوان عريض هو «القطيعة».
وينقل المؤلف عن غودار نفسه ما يدعم هذه «القطيعة» عندما قال: «أنا أنطلق دائما مما هو سلبي وأنا إنسان إيجابي ينطلق من السلبي». وغودار، كما يتم توصيفه، لا يتردد في توجيه «النقد» لما يعتقد أنه يستحق ذلك، وخاصة فقد المجتمع السائد من خلال شخصيات أفلامه من طلبة ونساء ورجال، ولكن أيضا من خلال الصورة التي يقدمها عن المدن. ومن التوصيفات التي يؤكد عليها المؤلف لغودار هي أنه جعل من السينما فنا كاملا. ويضيف أنه ليس هناك ما يمكن أن يعبّر عن الحداثة غريبا عنه.
ولم يمارس غودار القطيعة في السينما فحسب، لكنه مارسها في الحياة أيضا. ولم يتردد ذات يوم من «القطيعة» مع باريس للذهاب والإقامة بعيدا في مدينة «غرونوبل». والقطيعة أيضا مع السينمائي الآخر من جيله فرانسوا تروفو واتهامه ذات مرة ب«الكاذب».
والقطيعة أيضا مع نهجه السياسي اليميني في بداياته والانضواء تحت راية اليسار المتطرف لفترة من الزمن. ويشير المؤلف إلى أن غودار أبدى من هذا الموقع تعاطفا كبيرا مع القضية الفلسطينية ومع الفلسطينيين والإقامة لفترة من الزمن في المخيمات معهم. ولم يتردد آنذاك في إطلاق العديد من التصريحات المناهضة لإسرائيل مما عرضه لاتهامات كثيرة أن «مناهض للسامية».
وفي ذلك السياق قدم فيلم «حتى النصر» الذي أنجزه في الأردن عام 1970. وتتمثل أطروحته الرئيسية في القول أن إسرائيل تعامل الفلسطينيين باضطهاد وقمع يماثلان تماما الاضطهاد والقمع اللذين عرفهما اليهود على يد النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
ويشير المؤلف أن مثل هذه الأطروحة لم تكن غريبة عن أطروحات اليسار الفرنسي المتطرف «المؤيد للفلسطينيين» و«المناهض للصهيونية». وكان «غودار» يختزل الأطروحة بالجملة التالية: «اليهود يفعلون للعرب ما فعله النازيون معهم».
وهذا يتم التعبير عنه بوضوح في الفيلم «وإلى حد التحريض»، كما يقول المؤلف، عبر «الغمز» إلى الشبه الكبير في الملامح التي تبدو على وجه غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل، خلال سنوات 1969-1974 وملامح وجه هتلر. ونفس «الإيحاء» يقدمه غودار عبر صور أجساد الأطفال الفلسطينيين المهشّمة.
ويخلص المؤلف من استعراض هذا كله إلى القول أن جان لوك غودار هو «مناهض للصهيونية متشائم»، ذلك بمعنى أنه لا يعتقد بإمكانية قيام السلام بين إسرائيل والفلسطينيين أو بين اليهود والعرب في الشرق الأوسط. ويسأل المؤلف: «هل كان مناهضا للسامية»؟ ثم يجيب «إنه لم يصرح بذلك علانية على الإطلاق».
ولكن المؤلف «يستدرك» بعد ذلك مشيراً إلى أن «بعض الشهادات تسمح بالتفكير أنه جنح من نزعة مناهضة للصهيونية مناضلة إلى نوع من رد الفعل المناهض للسامية، عبر صيغة تقترب من الشتائم، وذات منحى اقتصادي حيث يتم الجمع بين الصورة الكاريكاتورية لليهودي وبين المال.
وهذا ما أجاب فيه بشيء من السخرية على جان بيير غوران، اليهودي، عندما تحدث إليه بالهاتف عام 1973 وطلب منه تقديم جزء من حقوقه عن عمله في فيلم «كل شيء يجري على ما يرام».
قال غودار: الأمر نفسه دائما، إن اليهود يتحدثون إليك بالهاتف عندما يسمعون صوت صندوق الحسابات».إن المؤلف يتحدث على مدى ال900 صفحة التي يتألف منها الكتاب عن جميع مراحل حياة جان لوك غودار ابتداء من طفولته وسنوات شبابه التي أمضى جزءا منها في مدينة فيشي. وينقل عنه المؤلف قوله عن تلك الفترة:
«كنت أتشرّب بأفكار اليمين، دون أن أعرف ذلك ودون أن أدركه حقيقة إذ كنت شابا غضا».
ويقول أيضا عن تلك الفترة: «عندما هُزم رومل في معركة العلمين، حزنت كثيرا كما لو أن فريقي لكرة القدر قد خسر المباراة». وفي تلك الفترة أيضا قام غودار بـ «سرقة» بعض التب من مكتبة جدّه لبيعها.
وبالطبع القسم الأكبر من الكتاب مكرّس للسينما ولطريقة تعامل غودار مع هذا الفن ومع كبار الممثلين وآرائه في الفن عامّة التي من بينها جملة تقول: «الفن مثل الحريق، إنه يولد ما يحرقه».
الكتاب: غودار «سيرة حياة»
تأليف: انطوان دوبايك
الناشر: غراسيه باريس 2010
الصفحات: 900 صفحة
القطع : المتوسط
Godard, biographie
Antoine de Baecque
Grasset- Paris 2010
900p.
