«متألق جداً ومرهف، رسائل حب وأشعار من جون كيتس إلى ناني براون»، هو كتاب يخرج بنفس الوقت الذي تقدم فيه السينمائية النيوزلندية فيلماً عن نفس الموضوع.
والكتاب قريب جداً من «سيناريو» الفيلم الذي تعتمد فيه خاصة على سيرة حياة «جون كيتس» التي كتبها «أندرو موشيون».الإشارة الأولى لفاني براون في مراسلات جون كيتس تعود إلى عام 1819، ولا يبدو في هذه الإشارة أي حماس من قبل الشاعر لـ «جارته» التي لا يهمها سوى «الموضة».
وهو يصفها بالقول: «إنها تتصرف بطريقة مخيفة». لكن هذا لم يمنع تلك الفتاة من الانجذاب إلى جارها «الشاب اللطيف» بينما جذبه جمالها، ولكن قبله «عقلها المتحرر».
وبعد أقل من سنة من تعارفهما، كتب جون كيتس من جزيرة «ويت»، حيث كان يمضي بعض الوقت، عدداً من الرسائل- الأشعار لفاني براون، يعلن لها فيها تعلقه الشديد بها. ونقرأ من إحدى تلك الرسائل قوله: «أحلم أننا فراشات لم يبق لها في الحياة سوى ثلاثة أيام صيفية. هذه الأيام الثلاثة ستكون برفقتك أكثر جمالاً من خمسين سنة من الحياة العادية».
وفي عام 1819، ارتبط الشاب والفتاة بصفة «خطيبين» سراً. ذلك أن زواجهما في الواقع لم يكن ممكناً على أساس عادات ومعايير تلك الحقبة.
ذلك أن «جون كيتس» كان فقير الحال ولا يملك الإمكانات المالية التي تسمح له بطلب يد فاني. ومن خلال مثل ذلك الوضع يتم رسم حالة اجتماعية كانت قائمة آنذاك وزاخرة بالتناقض بين «نزعة أخلاقية تحررية» و«قوانين اجتماعية صارمة» على الطريقة الإنجليزية المحافظة.
تتم الإشارة في مثل هذا السياق إلى أن تيار الشعر «الرومانسي» الإنجليزي كان ممثلاً آنذاك بمجموعة من الشباب الميسورين الذين كانت تتوافر لديهم كل إمكانات العيش الرغيد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى بشاب يتيم، فقد أباه وهو في الخامسة من العمر ثم تزوجت أمه ثانية قبل أن تتوفى هي الأخرى بعد سنوات قليلة، واضطر لممارسة عدد من الأعمال «الصغيرة» لتوفير وسائل العيش.
اسم هذا الشاب اليتيم هو جون كيتس.ومن اللافت للانتباه أن الكتاب لا يحتوي على أية رسالة موجهة من فاني براون إلى الشاعر جون كيتس.
ولكنه يحتوي فقط على رسائله لها. وتشير جان شامبيون إلى أنه لم يتم العثور على أية رسالة من رسائل فاني. فالرسائل التي كانت قد كتبتها له بعد مغادرته لندن إلى إيطاليا على أساس أن هواءها نافع لمقاومة مرض السل، جرى «دفنها» معه، إذ إنه لم يفتحها طيلة حياته.
ومنذ الرسائل الأولى لجون كيتس إلى فاني براون، نقرأ في واحدة تعود إلى شهر يوليو- تموز من عام 1819: «هناك أمران يترددان في أعماقي أثناء النزهات التي أقوم بها، وهما جمالك وساعة موتي». وقد أكّد بأشكال مختلفة بكتاباته الشعرية لناني أنه «يمقت العالم». وقد تعاظم مثل ذلك الإحساس عندما عانى من مرض السل، الذي توفي أخوه بسببه.
لقد أحسّ هو أيضاً بأن ساعته تقترب وبأن نهايته حقيقة. وتشير رسائله إلى أن فاني براون كانت قد غدت هي الخيط الذي يربطه بالعالم. «أتمنى أن تكوني بجانبي دائماً.
فالهواء الذي أتنفسه في غرفة لا تكونين فيها هو هواء غير نقي». بالمقابل طالبها بأن «تبقى طاهرة وفاضلة باستمرار» وبأن تحافظ على «نقاء ضميرها» مثل «الكريستال».
وهنا يتم التساؤل: هل أحس، أو شك، برائحة «خيانة» من قبلها؟ ليس هناك ما يسمح بتأكيد ذلك، خاصة أنه لم تبق سوى رسائل طرف واحد. بل وتشير رسائل لاحقة له إلى «اعترافه» بأنه لم يكن عقلانياً في الظنون التي ذهب إليها.
وفي الرسالة ما قبل الأخيرة يبدي جون كيتس نوعاً من «الشكوى» حيال القوى الجارفة التي تمتلكها عواطفه حيالها، والتي كادت تودي به أكثر من مرة. لكنه يؤكد بنفس الوقت رغبته في الاعتقاد بـ «خلود» المحبين.
لقد توفي جون كيتس بعد فترة قصيرة من كتابة هذه الرسالة. ولا شك أن الشاعر ذهب في رسائله إلى أبعد من مجرّد التعبير عن مشاعر الحب بين عاشقين.
وفي المحصلة، يتم في هذا الكتاب تقديم سيرة حياة جون كيتس و«سيرة» حبه مع فاني براون. ولكن يتم أيضاً تقديم صورة لمفهوم الحب الرومانسي في وقت يتم النظر إليه اليوم كتعبير كبير من «السذاجة».
كما تقول جان شامبيون، في مقدمتها للكتاب، أو كما تصفه في الفيلم. وأيضاً في الوقت الذي «ينفر» فيه عدد كبير من البشر من «شعر الحب» الكلاسيكي.
والكثير من النقّاد الحديثين، و«الحداثيين»، وخاصة أولئك الذين «يتبنون قراءة للأدب متحزّبة للمرأة»، يميلون إلى «ازدراء» تكريس الرومانسية ويشكّون في صدق عواطفها.
وترى جان شامبيون، أن أشعار جون كيتس التي احتوتها رسائله إلى فاني براون، تذكّرنا أن الحب، لمجرد ما يختزنه من عواطف، هو أمر جميل، وليس أبداً «مضيعة للوقت». وليست الأشعار وحدها التي يحتويها هذا الكتاب رومانسية، ولكن أيضاً غلافه «المزيّن» بالورود.
الكتاب: متألق جداً ومرهف رسائل حب وأشعار
تأليف: جون كيتس جان شامبيون
الناشر: بنغوان برس لندن 2009
الصفحات: 252 صفحة
القطع: المتوسط
So bright and delicate
John Keats, Jane Champion
Penguin Press London 2009
252P.
